الشيخ عبدالله الأثري

التقليد بين تقديس المتمذهبين وتشويه المتكلمين (3) الشيخ عبدالله الأثري

أضيف بتاريخ : 30 / 07 / 2008
                                



التقليد بين تقديس المتمذهبين وتشويه المتكلمين (3)

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن استنَّ بسنتهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين، أما بعد:

تكلمنا في العدد السابق عن حكم من آمن بدون النظر والاستدلال، وهي المعروفة في كتب الكلام بمسألة (إيمان المقلد) فنكمل ونقول:

وبقطع النظر عن صحيح أقوالهم من سقيمها، إلا أن طريقة طرحهم للموضوع، وتفاصيلهم المتجاذبة فيه تدل على تهورهم فيه، ومدى اغترارهم بمبادئهم الباطلة، إذ بلغ بهم الأمر إلى الاختلاف في إيمان جمهرة الأمة.

وهذا التهور قد سجله عليهم أحد أئمة المتكلمين أنفسهم- وهو الغزالي- إذ يقول:(من أشد الناس غلوا وإسرافاً طائفة من المتكلمين كفروا عوام المسلمين، وزعموا أن من لا يعرف الكلام معرفتنا، ولم يعرف العقائد الشرعية بأدلتنا التي حررناها فهو كافر، فهؤلاء ضيقوا رحمة الله الواسعة على عباده أولا، وجعلوا الجنة وقفا على شرذمة يسيرة من المتكلمين، ثم جهلوا ما تواتر من السنة ثانيا).

والصحيح إن إيمان المقلد صحيح ولا إشكال فيه.

بل التقليد الذي يذمه المتكلمون هو صريح الإيمان، ذلك أنهم عرفوا (التقليد) بأنه: (قبول قول الغير بلا حجة ولا دليل)، ولا شك أن المقلد الذي يختلفون في إيمانه لم يتبع الكتاب والسنة، فكيف يتهم مع ذلك بالتقليد؟!

قال الإمام أبو المظفر السمعاني راداً عليهم:(وقد قالوا: إن التقليد (قبول قول الغير من غير حجة)، وأهل السنة إنما اتبعوا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله نفس الحجة، فكيف يكون هذا قبول قول الغير من غير حجة؟!).

وقال الحافظ ابن حجر:(المذموم من التقليد: أخذ قول الغير بغير حجة، وهذا ليس منه حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الله أوجب اتباعه في كل ما يقول، وليس العمل فيما أمر به أو نهى عنه داخلا تحت التقليد المذموم اتفاقا، وأما ما دونه ممن اتبعه في قول قاله، واعتقد أنه لو لم يقله لم يقل هو به: فهو المقلد المذموم، بخلاف ما لو اعتقد ذلك في خبر الله ورسوله، فإنه يكون ممدوحا...).

وأصل هذا البلاء: من قلة تعظيم المتكلمين للنصوص الشرعية، وقلة اعتبارها، ومن إعلاء شأن العقل في كل شيء.

وقد صدق الإمام اللالكائي (ت418هـ) فيما ذكر أن المبتدع يعدُّ رأي النظام والعلاّف والجبّائي وابنه وأمثالهم:(حكمةً، وعلماً، وحججاً، وبراهين، ويعد كتاب الله وسنة رسوله، حشواً، وتقليداً، وحملتها: جهالاً، وبُلْهاً... وإنما وجه خطئهم عندهم إعراضهم عما نصبوا من آرائهم لنصرة جدلهم، وترك اتباعهم لمقالتهم، واستحسانهم لمذاهبهم، فهو كما قال الله عز وجل (وَمًنَ النَّاسً مَن يُجَادًلُ فًي اللَّهً بًغَيْرً عًلْمي وَلَا هُدًى وَلَا كًتَابي مُّنًيري ثَانًيَ عًطْفًهً لًيُضًلَّ عَن سَبًيلً اللَّهً لَهُ فًي الدُّنْيَا خًزْيي وَنُذًيقُهُ يَوْمَ الْقًيَامَةً عَذَابَ الْحَرًيقً) (الحج:8-9) ثم ما قذفوا به المسلمين من التقليد والحشو ولو كُشف لهم عن حقيقة مذاهبهم كانت أصولهم المظلمة، وآراؤهم المحدثة، وأقاويلهم المنكرة، بالتقليد أليق، وبما انتحلوها من الحشو أخلق، إذ لا إسناد له في تمذهبه إلى شرع سابق، ولا استناد لما يزعمه إلى قول سلف الأمة باتفاق مخالف أو موافق... فليس بحقيق من هذه أصوله، أن يعيب على من تقلد كتاب الله وسنة رسوله واقتدى بهما وأذعن لهما واستسلم لأحكامهما، ولم يعترض عليهما بظنّي أو تخرُّص واستحالة أن يطعن عليه، لأنه بإجماع المسلمين على طريق الحق أقوم وإلى سبيل الرشاد أهدى وأعلم وبنور الاتباع أسعد، ومن ظلمة الابتداع وتكلف الاختراع أبعد، وأسلم من الذي لا يمكنه التمسك بكتاب الله إلا متأولاً، ولا الاعتصام بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا منكرا أو متعجبا ولا الانتساب إلى الصحابة والتابعين والسلف الصالحين إلا متمسخرا مستهزئا، لا شيء عنده إلا مضغ الباطل، والتكذيب على الله ورسوله والصالحين من عباده، وإنما دينه الضًّجاج والبقباقُ والصياحً، واللقلاق...).

وقال الحافظ ابن حجر بعد مناقشته للمتكلمين في مسألة (التقليد): (والعجب أن من اشترط ذلك من أهل الكلام ينكرون التقليد وهم أول داع إليه، حتى استقر في الأذهان، أن من أنكر قاعدة من القواعد التي أصلوها فهو مبتدع، ولو لم يفهمها ولم يعرف مأخذها، وهذا هو محض التقليد، فآل أمرهم إلى تكفير من قلد الرسول عليه الصلاة والسلام في معرفة الله تعالى، والقول بإيمان من قلدهم، وكفى بهذا ضلالا...).

والخلاصة: أن ذنب من يسميه المتكلمون (المقلد) هو جهله أو إعراضه عن طرق أولئك المتكلمين المبتدعة، ولم ينفعه اتباع الحُجج من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم عند هؤلاء، وهذا من جهلهم بضروريات الدين.

وقد تبين من هذا أن الاختلاف معهم ليس في تعريف التقليد، فالتقليد عند الجميع هو قبول قول من ليس قوله حجة، وإنما الاختلاف في تحديد الحجة، فالحجة عند أهل السنة والجماعة وجمهور المسلمين هي الكتاب والسنة، والحجة في أصول العقائد عند المتكلمين هي العقل، أو ما يسمونه الأدلة العقلية.

والمقلد الذي لا يفتأ المتكلمون يذمونه هو المتبع للكتاب والسنة، ومنهجه هو الواجب اتباعه والتقليد هنا هو عين الصواب وهو ليس من التقليد في شيء وإنما يسميه المتكلمون تقليدا تشويها لصورته وتنفيرا للناس عنه.

أما التقليد الذي توجبه طائفة المقلدين في الفروع فليس عليه دليل من الكتاب أو السنة، وتقديسهم ليس في موضعه، كما أن تشويه المتكلمين له ليس في محله.

وما أحسن من قال في ذم الطائفتين، وخاطبا المتكلمين، الذين تراهم ينصرون التقليد في الفروع، مع أنه مذموم وينفرون عنه في العقائد، مع أنه هو الواجب- على التفسير الذي سبق-:

واحذر من التقليد فهو مضلة

إن المقلد في سبيل الهالكً

تأبونه في العقل وهو مقالكم

في الدين يا له من ضلالي فاتكً

وصلى الله تعالى على خير خلقه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


د.عبد الله الأثري


تاريخ النشر: الاثنين 30/7/2007 

جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127