الشيخ عبدالله الأثري

التقليد في المذاهب الأربعة بين تقديس المتمذهبين وتشويه المتكلمين (1) الشيخ عبدالله الأثري

أضيف بتاريخ : 30 / 07 / 2008
                                



التقليد في المذاهب الأربعة بين تقديس المتمذهبين وتشويه المتكلمين (1)

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن استنَّ بسنتهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين، أما بعد:

فسأتحدث هناـ بإذن الله تعالىـ عن محورين نجد فيهما مفارقات جسيمة في مواقف الناس من (التقليد).

المحور الأول: تقديس المتمذهبين للتقليد

مصطلح (التقليد) يراد به في أصول الفقه: قبول قول الغير بلا حجة ولا دليل، والأصوليون يدرسونه من زوايا عدة، تشمل بيان أقسامه، ومواضعه، وأحكامه، وشروطه.

وهو نوعان: عام وخاص.

فالعام: أن يلتزم مذهبا معينا يأخذ به برخصه وعزائمه في جميع أمور دينه.

وهذا هو الذي يراد بالتقليد إذا أطلق، فالمقلد هو المتمذهب بمذهب معين، وغير المقلد: من لا يلتزم الدليل أينما كان ومع من كان.

والتقليد بهذه الصورة لم يكن في عصر الصحابة، ولا في عصر التابعين، بل حدث في عصر أتباع التابعين، وانتشر بعد ذلك.

وقد أسهمت عوامل عديدة في انتشاره، حتى ظن البعض أن الإسلام مرتبط بالتمذهب، وأن المسلم لا بد أن يكون في تعبده لله تعالى ملتزما لمذهب من المذاهب الأربعة المعروفة.

ومن هذا الباب صرّح كثير من العلماء من أتباع المذاهب بكون باب الاجتهاد قد أقفل بعد عصر الأئمة الأربعة، وبذلك حجَّروا واسعاً، وتقوَّلوا على الله تعالى دون أن يستندوا إلى قواطع الشرع.

وقد تفنن أتباع المذاهب في إثبات أحقية هذا المذهب أو ذاك، واستدلوا لذلك بما لا يُغني ولا يُسمنُ من جوع.

ولم يكتف كثيري منهم بذلك، بل تعدّى على من يلتزمُ الدليل ولا يقلد مذهبا معينا، فاتهمه بالتعالم، والخروج على مذاهب المسلمين، وأنه ممن يستخف بالأئمة... إلى غيرها من الاتهامات التي تُوجه إلى من يدعو إلى اتباع الكتاب والسنة، ونبذ من خالفهما، سواء في العقائد، أو في الأحكام.

وقد وصل الأمر ببعض هؤلاء فألّف رسالة أسماها (اللامذهبية: أخطر بدعةي تهدد الشريعة الإسلامية).

ومن الواضح: مدى تقديس هؤلاء للتقليد حتى بهذه الصورة التي لم ينزل الله بها من سلطان، فالالتزام بمذهب معين في جميع أمور الدين: من البدع المحدثة بعد القرون المشهود لها بالخيرية، ولذلك قال شيخ الإسلام: إن في القول بوجوب التقليدـ بهذا المعنىـ طاعة غير النبي صلى الله عليه وسلم في كل أمره ونهيه، وهو خلاف الإجماع.

ويقول أيضا: (إنه متى اعتقد أنه يجب على الناس اتباع واحدي بعينه من هؤلاء الأئمة الأربعة دون الآخر: فإنه يجب ان يُستتاب...

بل غاية ما يقال: إنه يسوغ، أو ينبغي، أو يجب على العامي أن يقلد واحداً لا بعينه، من غير تعيين زيدي ولا عمرو).

فلا شك أن هذا القول من أبطل الباطل، لأن هذا يستلزم أن تكون دلالات الكتاب والسنة الآن مقفلة، فالكتاب والسنة للأمم السابقة، أما المتأخرون: فقد أقفل عنهم باب الاستدلال مع أن الكتاب والسنة هدى وبيان للناس من بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم ونزول هذا الهدى إلى قيام الساعة، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «وقد تركت فيكم ما إن تمسكتم به، فلن تضلوا بعدي، كتاب الله» [رواه مسلم ح/1218].

والتقليد بهذا المعنى لا شك أنه مذموم، ومع ذلك نرى تقديس المتمذهبين له بإيجابهم له على أنفسهم وعلى الآخرين، وبنبذ مخالفيهم في ذلك بشتى التهم التي لا أساس لها.

هذا جانب من مواقف الناس مع (التقليد) وهو تقديسه حتى ولو كان على هذه الصورة المذمومة.

وسنتناول في العدد القادم بإذن الله تعالى المحور الثاني، والحمد لله رب العالمين.


د.عبد الله الأثري


تاريخ النشر: الاثنين 16/7/2007

جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127