الشيخ عبدالمحسن العباد البدر

بذل النصح والتذكير لبقايا المفتونين بالتكفير والتفجير - لفضيلة الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد البدر

أضيف بتاريخ : 10 / 08 / 2008
                                
بذل النصح والتذكير لبقايا المفتونين بالتكفير والتفجير - لفضيلة الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد البدر

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والعاقبة للمتَّقين، وأشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وقيُّوم السموات والأرضين، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله القائل: «مَن يُرد الله به خيراً يفقهه في الدِّين»، اللَّهمَّ صلِّ وسلِّم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين.

أمَّا بعد، فإنَّ الله خلق آدم أبا البشر عليه الصلاة والسلام من طين، وخلق قبل ذلك إبليس أبا الجنِّ من نار، قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ﴾، وقد أمر الله سبحانه ملائكتَه الذين خلقهم من نور ومعهم إبليس الذي خلقه من نار بالسجود لآدم تحيَّة وتكريماً، فسجد الملائكةُ وامتنع إبليس من السجود حسداً وعناداً واستكباراً، وقد ذكر الله قصَّة الأمر بالسجود لآدم في سبع سُور من القرآن، هي: البقرة والأعراف والحجر والإسراء والكهف وطه وص، قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾، وقد أقسم بعزَّة الله أن يغوي بني آدم إلَّا من سلَّمهم الله منه، قال الله عزَّ وجلَّ عنه: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾، فمَن كان من المسلمين من أهل التفريط والفسق والمجون دخل عليه الشيطان من طريق الشهوات، ومَن كان منهم سَلَك مَسلك العبادة دخل عليه من طريق الإفراط والغلوِّ في الدِّين، حتى يبتعد كلا الطرفين عن طاعة الله ويقع فيما حرَّم الله، قال ابن القيم في إغاثة اللهفان (1/116) لمَّا ذكر شيئاً من مكايد الشيطان: «قال بعضُ السلف: (ما أمر الله تعالى بأمر إلَّا وللشيطان فيه نزعتان: إمَّا إلى تفريط وتقصير، وإمَّا إلى مجاوزة وغلوٍّ، ولا يُبالي بأيِّهما ظفر)، وقد اقتطع أكثر الناس إلَّا أقلَّ القليل في هذين الواديين: وادي التقصير، ووادي المجاوزة والتعدِّي، والقليل منهم جدًّا الثابت على الصراط الذي كان عليه رسول الله صلَّى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه».

وقد بيَّن الله عزَّ وجلَّ في كتابه الكريم شدَّةَ عداوة الشيطان للإنسان، وحذَّر من الاستجابة له، قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾، وقال: ﴿ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾.

وكلُّ أهل البدع والأهواء دخل عليهم الشيطان من طريق الشبهات التي زيَّنها لهم، فصاروا إلى ما هم عليه، يحسبون أنَّهم على حقٍّ وهم على باطل، كما قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُم﴾، وقال: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾، وقال: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاًالَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾.

ومن أهل البدع الخوارج الذين زيَّن لهم الشيطان باطلَهم، فغرَّهم في دينهم فسلكوا مَسلكَ الإفراط والغلوِّ في الدِّين، وخرجوا على الصحابة الغرِّ الميامين؛ بسبب فهومهم الخاطئة وعدم فقههم في الدِّين، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «مَن يُرد الله به خيراً يفقهه في الدِّين» أخرجه البخاري (71) ومسلم (1037) من حديث معاوية رضي الله عنه.

وقد سار على مِنوالهم عصابات في أوقات مختلفة خرجوا على المسلمين بالفتن والإخلال بالأمن، ومِن هؤلاء بعض الشباب الذين خرجوا على الناس في بلاد الحرمين في أوائل عام (1424هـ)، فقاموا بالتفجير والتدمير وقتل الأبرياء من المسلمين وغيرهم، وزيَّن لهم الشيطان أنَّ ما فعلوه جهاد، وهو في الحقيقة إفساد في الأرض، وقد كتبتُ لهم نصيحة طُبعت قبل شهر رمضان من ذلك العام بعنوان: «بأيِّ عقل ودين يكون التفجير والتدمير جهاداً؟! ويحكم أفيقوا يا شباب!!»، ذكرتُ فيها أنَّ ما حصل منهم سببه الفهوم الخاطئة وعدم الرجوع إلى أهل العلم، وذكرتُ فيها مناظرة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما للخوارج، وأنَّه بالبيان لهم رجع منهم ألفان عمَّا كانوا عليه من الباطل، وذكرتُ أيضاً قصَّة النَّفر الذين وقع في نفوسهم رأي الخوارج وعزموا على إعلان خروجهم بعد الحجِّ، وأنَّ الله وفَّقهم لحضور مجلس جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمعوا منه ما يدلُّ على بطلان ما هَمُّوا به من الباطل فعدلوا عنه، وبيَّنتُ أنَّ في قصَّة رجوع ألفين من الخوارج بعد بيان ابن عباس رضي الله عنهما لهم، وعدول هؤلاء النَّفر عمَّا همُّوا به من الخروج لما سمعوه من جابر رضي الله عنه، بيَّنتُ أنَّ في الرجوع إلى أهل العلم الوصول إلى الحقِّ والسلامة من الباطل، وذكرتُ أنَّ حداثةَ السنِّ مظنَّةُ سوء الفهم، ومثَّلتُ لذلك بإخبار عروة ابن الزبير عن خطئه في فهم قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، وأنَّه برجوعه إلى عائشة رضي الله عنها تبيَّن له خطؤه، وكان إذاك حديثَ السنِّ، ثم أوردتُّ الأدلة من الكتاب والسنَّة على ما يلي:

ـ ما جاء في تعظيم أمر القتل وخطره في الشرائع السابقة.

ـ ما جاء في قتل المسلم نفسه عمداً وخطأ.

ـ ما جاء في قتل المسلم بغير حقٍّ عمداً وخطأ.

ـ ما جاء في قتل المعاهَد عمداً وخطأ.

وقلت في ختامها: اتَّقوا الله أيُّها الشباب في أنفسكم، لا تكونوا فريسةً  للشيطان، يجمع لكم بين خزي الدنيا وعذاب الآخرة، واتَّقوا الله في المسلمين من الشيوخ والكهول والشباب، واتَّقوا الله في المسلمات من الأمَّهات والبنات والأخوات والعمَّات والخالات، واتَّقوا الله في الشيوخ الرُّكَّع والأطفال الرُّضَّع، واتَّقوا الله في الدماء المعصومة والأموال المحترمة، ﴿فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾،﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾، ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾، ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾، أفيقوا من سُباتكم وانتبهوا من غفلتكم، ولا تكونوا مطيَّة للشيطان للإفساد في الأرض.

وقد مضى على صدور تلك الرسالة عام ونصف عام تقريباً، حصل بعد ذلك تفجيرات وأفعال سيِّئة من هؤلاء الشباب، قُتِّل فيها أبرياء، ورُمِّل فيها نساء ويُتِّم أطفال، وقُتل فيها كثير من هؤلاء الشباب، وقد قُبض على بعضهم، وسلَّم بعضُهم نفسَه، فأودِعوا في السجن، وأُخرج مَن أُخرج منهم، وبقي مَن بقي، وبذلك أَمِنوا على أنفسهم وأمن منهم غيرُهم، وارتاح أهلوهم وذووهم.

وهذه رسالة نصح أخرى إلى بقايا هؤلاء الشباب، أسأل الله تعالى أن ينفع بها، وأن يُوفِّقهم لترك ما هم عليه من الباطل لتحصل السلامة لهم ولغيرهم، إنَّه سميع مجيب.

* * *

جزيرة العرب معقل الإسلام، وليست وطناً لدين سواه

لقد بعث الله من العرب في جزيرة العرب إلى العالَمين خاتَم النبيِّين وسيد المرسلين، نبيَّنا محمداً عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم، قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، وقال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِين﴾، وقال: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾، وذكر تعالى عن إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾.

وهذه الدعوة هي المراد بدعوة إبراهيم في قوله صلى الله عليه وسلم: «أنا دعوةُ أبي إبراهيم، وبُشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي أنَّه خرج منها نور أضاءت له بُصرى، وبُصرى من أرض الشام» رواه الحاكم (2/600) وصححه ووافقه الذهبي، وانظر: «مسند الإمام أحمد» (17150) (17151) (22261)، و«السلسلة الصحيحة» للألباني (1545) (1546).

وأمَّا بشارة عيسى عليه الصلاة والسلام به، فقد قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾، ويدلُّ لعموم بعثته صلى الله عليه وسلم إلى العالمين قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾، وقوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، وفي «صحيح البخاري» (335) ومسلم (1163) عن جابر رضي الله عنه: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم  قال: «أُعطيتُ خَمساً لم يُعطهنَّ أحدٌ قبلي ...»، وفيه: «وكان النَّبيُّ يُبعث إلى قومه خاصَّة، وبُعثتُ إلى الناس عامَّة»، ويدلُّ لبعثته إلى الجنِّ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَولِيَاء أُوْلَئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، وقوله: ﴿ فَبِأَيِّ آلاَء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ في إحدى وثلاثين آية من سورة الرحمن.

وجزيرة العرب موطن الإسلام، وفيها قبلة المسلمين، وإلى المدينة فيها يأرز الإيمان (رواه البخاري 1876، ومسلم 147)، ومنها شعَّ نور الهدى، وانطلق الهُداة المصلحون إلى أنحاء الأرض للدعوة إلى الإسلام وإخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربِّهم، ولا يجوز أن تكون هذه الجزيرة وطناً لغير الإسلام من الأديان؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لأُخرِجنَّ اليهود والنصارى من جزيرة العرب؛ حتى لا أَدَعَ إلَّا مسلماً» أخرجه مسلم (1167) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وروى الإمام أحمد في «مسنده» (26352) بإسناد حسن عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان آخر ما عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال: لا يُترك بجزيرة العرب دينان».

جزيرة العرب موطن صلاح وإصلاح، وليست موطن إفساد

الصلاحُ والإصلاح مطلوبان في كلِّ مكان، وعلى الأخصِّ في جزيرة العرب، التي هي في الحقيقة جزيرة الإسلام؛ لأنَّها ليست وطناً لغيره من الأديان، ولا يجوز الإفساد في كلِّ مكان من الأرض، وعلى الأخصِّ هذه الجزيرة التي هي معقل الإسلام، قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا﴾ في موضعين من سورة الأعراف، قال ابن كثير في تفسير الموضع الأول: «ينهى تعالى عن الإفساد في الأرض، وما أضرَّه بعد الإصلاح؛ فإنَّه إذا كانت الأمور ماشيةً على السداد، ثم وقع الإفساد بعد ذلك كان أضرَّ ما يكون على العباد، فنهى تعالى عن ذلك»، وقد ذكر الله في كتابه أنَّ من أعمال المنافقين الإفساد في الأرض مع دعواهم الإصلاح، قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ﴾، وقد نقل ابن كثير في تفسير هذه الآية عن مجاهد أنَّه قال: «إذا ركبوا معصية الله، فقيل لهم: لا تفعلوا كذا وكذا، قالوا: إنَّما نحن على الهدى مصلحون».

وما أشبه الليلة بالبارحة؛ فإنَّ الشباب الذين خرجوا على الناس في هذه البلاد في الآونة الأخيرة وقاموا بالإفساد في هذه الجزيرة، وذلك بالتفجير والتدمير وقتل مَن لا يستحق القتل من المسلمين والمستَأمَنين، قد زيَّن لهم الشيطان أنَّ هذا الإجرام من الجهاد في سبيل الله! بل قد وُجد منهم الهمُّ بالسوء في أقدس بقاع الأرض؛ مكة والمدينة، حيث وُجدت معهم فيهما الأسلحة والمتفجِّرات، وقد قال الله عزَّ وجلَّ في المسجد الحرام: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، وقد نقل ابن كثير في تفسير هذه الآية عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّه قال: « ﴿بِظُلْمٍ﴾ هو أن تستحلَّ من الحَرم ما حرَّم الله عليك من إساءة أو قتل، فتظلم مَن لا يظلمك، وتقتل من لا يقتلك، فإذا فعل ذلك فقد وجب له العذاب الأليم».

وهذا الإفساد من هؤلاء الشباب حصل منهم في هذه الجزيرة التي هي في هذا الزمان خير البلاد تمسُّكاً بالإسلام ومحافظة على شريعته وأخذاً بأحكامه وآدابه، وحصول هذا العدوان منهم فيه إخلال بالأمن في بلاد هي معقل الإسلام في هذا الزمان، وقد احتوشت هؤلاء الشباب شياطينُ الجنِّ والإنس، فشياطينُ الجنِّ يوسوسون لهم ويُلقون في أذهانهم أنَّ ما يحصل منهم من الإفساد هو جهاد، وأمَّا شياطين الإنس فيُغْرونهم بالباطل، ويُؤجِّجون في قلوبهم الحقد والغيظ على أهل هذه البلاد الذين هم البقية الباقية، ومن العجيب الغريب أن يدَّعي الإصلاح في هذه الجزيرة مَن يسعى فيها بالفساد مِمَّن هربوا منها واحتضنتهم العاصمة الاستعمارية، فيَبثُّون سمومَهم للإفساد في هذه الجزيرة من طريق قناتهم الإفسادية، ومن العجيب أيضاً أن يكون هؤلاء يعيشون في بلاد الكفر، ثم لا يحصل من شباب تلك البلاد مَن يُعاملُهم معاملة بعض شباب هذه الجزيرة للمستأمَنين من تلك البلاد وغيرها، أفيكون شباب الكفَّار أرجحَ عقولاً وأحسنَ تصرُّفاً من بعض شباب هذه الجزيرة؟!

والله المسئول أن يحفظ هذه البلاد وسائر بلاد المسلمين من كيد الكائدين وعمل المفسدين.

حكم بقاء الكفَّار المستمر والمؤقَّت في جزيرة العرب

إنَّ بقاءَ الكفَّار في جزيرة العرب قسمان: دائمٌ ومؤقَّت، فأمَّا البقاء الدائم فيها فلا يجوز؛ لأنَّه لا يجوز أن تكون وطناً لغير المسلمين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لأُخرِجنَّ اليهود والنصارى من جزيرة العرب؛ حتى لا أَدَع إلَّا مسلماً»، وقول عائشة رضي الله عنها: «كان آخر ما عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال: لا يُترك بجزيرة العرب دينان»، وقد تقدَّم ذكرُهما قريباً وذكر من رواهما، فلهذين الحديثين وأمثالهما لا يجوز أن تكون هذه الجزيرة وطناً لغير الإسلام، ولا يجوز أن يوجد فيها أماكن للعبادة غير مساجد المسلمين.

وأمَّا البقاء المؤقَّت فجائز؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾، ولأنَّ الخليفتين أبا بكر وعمر رضي الله عنهما لم يُبادرا إلى إخراج الكفَّار من هذه الجزيرة، وأيضاً فإنَّ الذي قتل عمر رضي الله عنه ـ وتحقَّقت له الشهادة التي أخبر بها الرسول صلى الله عليه وسلم ـ كافر، فقد روى البخاري في «صحيحه» (3700) قصَّة مَقتل عمر وبيعة عثمان رضي الله عنهما، وفيها قول عمر رضي الله عنه: «الحمد لله الذي لم يجعل مِيتَتي بيد رجل يدَّعي الإسلام».

مَن الذي يتولَّى إخراج الكفَّار من جزيرة العرب؟

تواطأ العالَم في هذا الزمان على أنَّ كلَّ بلد يَدخله مَن ليس من أهله بإذن من دولة ذلك البلد، أُطلق على ذلك الإذن اسم (تأشيرة دخول)، ومَن دخل أيَّ بلد بهذا الإذن يكون له الأمان على نفسه ومالِه، ولا يحصل له خلاف ذلك إلَّا باعتداء عليه بغير حقٍّ، والدخول إلى جزيرة العرب لغير المسلمين لا يجوز إلَّا في زمن مؤقَّت، وينبغي أن يكون ذلك الدخول لِمَا تدعو الحاجة إليه، وما لا تدعو الحاجة إليه كالخدم والسائقين ينبغي أن يُقتصَر فيه على المسلمين.

والذي يتولَّى إخراج الكفَّار من جزيرة العرب بعد دخولهم إيَّاها ولاةُ الأمر فيها، فيتولَّى الإخراج مَن حصل منه الإذن بالدخول، ولا يجوز لأحد غيرهم القيام بشيء من ذلك.

وما حصل من بعض الشباب من الاعتداء على بعض هؤلاء المستأمَنين بالقتل والإيذاء بما هو دونه مخالف لهدي الإسلام، وهو من الإجرام والإفساد في الأرض والإساءة إلى سمعة الإسلام والمسلمين؛ يوضح ذلك أنَّ الصحابةَ رضي الله عنهم في عهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما لم يحصل من أحد منهم الاعتداء على أحد من الكفَّار بالقتل وما دونه، بزعم الإخراج من جزيرة العرب؛ لعلمهم أنَّ الذي يتولَّى الإخراج هم ولاة الأمور.

مقارنة بين أعمال الشباب المفتونين وأعمال الدعاة المصلحين

في هذا الزمان الذي حصل فيه دخول غير المسلمين إلى جزيرة العرب لمُدد مؤقَّتة، قام كثيرٌ من أهل هذه البلاد بدعوتهم إلى الإسلام، ومن ذلك إنشاء مكاتب في مدن المملكة العربية السعودية، أُطلق عليها اسم «توعية الجاليات»، وذلك من فترة طويلة، وقد دخل في الإسلام أعداد كبيرة، ففي التقرير الشامل لمركز توعية الجاليات بالقصيم في بريدة مثلاً، دخل في الإسلام خمسة عشر ألفاً، وذلك في المدة ما بين عام (1407هـ) ومطلع عام (1424هـ)، ومن تمام الهداية لهؤلاء الذين هداهم الله للإسلام أن يُوفَّقوا لدعاة ناصحين؛ يُفقِّهونهم في الدِّين على فهم السلف الصالح، بعيدين عن البدع ومحدثات الأمور.

وفي أوائل عام (1424هـ) ابتلي بعض الشباب في هذه البلاد بالخروج عن طاعة ولاة الأمر فيها والإقدام على قتل بعض المستأمنين بزعم إخراج الكفَّار من جزيرة العرب، وقد أساؤوا بذلك إلى أنفسهم ودينهم وأهليهم وأمَّتهم، وفي صحيفة القبس الكويتية العدد 11137، بتاريخ: 24 ربيع الآخر 1425هـ، مقال للدكتور حمد بن إبراهيم العثمان، بعنوان: «أضواء على الفكر التفجيري»، اشتمل على جُمل من كلام الشباب المفتونين من مجلتهم في شبكة المعلومات الانترنت، من هذه الجمل في العدد الخامس: «ليعلم الجميع أنَّ عليهم إذا أرادوا منَّا أن نتراجع عن مبادئنا التي من أجلها خُلقنا، وبها أُمرنا ومن أجلها دماءَنا سفكنا، فليُخرجوا محمداً صلى الله عليه وسلم من قبره ليقول لنا: (لا تخرجوا المشركين من جزيرة العرب)، ليُخرجوه ليقول: (لا تجاهدوا المشركين من جزيرة العرب)، ليخرجوه ليقول: (إنَّكم مخطئون متطرِّفون إرهابيُّون، لا بدَّ لكم أن تتراجعوا وتتوبوا)، عندها فقط سنسمع ونطيع له صلى الله عليه وسلم !!!».

ومَن يطَّلع على هذه الجملة المتناهية في السوء يظهر له شدَّة قسوة قلب قائلها وفظاظته وتحجُّر فكره، ولا أظن أنَّ كثيراً من الشباب المفتونين بالإفساد في هذه البلاد يستسيغون مثل هذا الكلام الذي يدعوهم إلى نهايات سيئة لهم ولغيرهم، وعليهم أن يثوبوا إلى رشدهم، ولا يلتفتوا إلى مثل هذا الكلام الساقط الذي ينادي على قائله بمنتهى الخبث والسوء والوقاحة والخسَّة.

وهذه مقارنة موجزة بين أعمال الشباب المفتونين وأعمال الدُعاة المصلحين:

1 ـ الشباب المفتونون يقتلون الكافر على كفره، فيُسرعون به إلى النار، ويُخرجونه من ظلام إلى ظلام وعذاب دائم، والدعاة المصلحون يَعملون على إخراج الكافر من الظلمات إلى النور، فيظفر بسعادة الدنيا والآخرة.

2 ـ الشباب المفتونون في قتلهم الكافر يصل إلى أهله في تابوت، فيمتلئون حقداً على الإسلام والمسلمين، وينسبون إلى الإسلام ما هو براء منه بسبب عمل هؤلاء المفتونين، والدعاة المصلحون بدعوتهم غيرهم إلى الإسلام يرجع الإنسان إلى أهله مسلماً قد أصبح من أهل الإسلام، فيدعو أهله وغيرَهم إلى الإسلام.

3 ـ الشباب المفتونون عرَّضوا أنفسهم للعقوبة الواردة في قوله صلى الله عليه وسلم: «مَن قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإنَّ ريحَها توجد من مسيرة أربعين عاماً» رواه البخاري (3166) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، والدعاة المصلحون يرجون بدعوتهم مضاعفة الأجور الموعود بها في قوله صلى الله عليه وسلم: «مَن دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور مَن تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً» رواه مسلم (2674) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

4 ـ الشباب المفتونون أهلوهم وذووهم في همٍّ وغمٍّ وحزن وأسى لحال أبنائهم السيِّئة، والدعاة المصلحون أهلوهم وذووهم في فرح وسرور وغِبطة وبهجة لحال أبنائهم الحسنة.

5 ـ الشباب المفتونون بأفعالهم القبيحة يَصدُّون عن الدخول في الإسلام ويُسيئون إلى سمعة الدِّين الحنيف، والدعاة المصلحون بأعمالهم الحسنة وترغيبهم في الإسلام يسعون لإخراج الكفَّار من الظلمات إلى النور.

6 ـ الشباب المفتونون لم يُوفَّقوا لجهاد أنفسهم، فأساؤوا إليها وإلى غيرهم، بأن وقعوا في إفسادٍ سمَّوه جهاداً، والدعاة المصلحون وُفِّقوا لجهاد أنفسهم، فسعوا إلى جهاد غيرهم بدعوته إلى الإسلام.

7 ـ الشباب المفتونون بأعمالهم الشنيعة مفاتيح شرٍّ مغاليق خير، والدعاة المصلحون بأعمالهم الحسنة مفاتيح خير مغاليق شرٍّ، وفي «سنن ابن ماجه» (237) عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشرِّ، وإنَّ من الناس مفاتيح للشرِّ مغاليق للخير، فطوبى لِمَن جعل اللهُ مفاتيح الخير على يديه، وويل لِمَن جعل الله مفاتيح الشرِّ على يديه»، وانظر: «السلسلة الصحيحة» (1332) للألباني.

8 ـ الشباب المفتونون من أهل الوعيد في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾، والدعاة المصلحون من أهل الوعد في قوله: ﴿إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾.

9 ـ الشباب المفتونون لهم نصيب مِمَّا جاء في قوله صلى الله عليه وسلم: «... ومَن خرج على أمَّتي يضرب برَّها وفاجرَها، ولا يتحاش من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده، فليس منِّي ولست منه» رواه مسلم (1848) عن أبي هريرة رضي الله عنه، والدعاة المصلحون لهم نصيب مِمَّا جاء في قوله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث خصال لا يغلُّ عليهنَّ قلب مسلم أبداً: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم الجماعة؛ فإنَّ دعوتهم تُحيط من ورائهم» رواه أحمد (21590) بإسناد صحيح من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه.

أأنتم المسلمون وغيركم مرتدُّون، ما لكم كيف تحكمون؟!

لم يقف الأمر عند هؤلاء الشباب المفتونين عند تتبُّع المعاهَدين في هذه البلاد وقتلهم، بل تعدَّى إفسادُهم بالتفجير والقتل إلى السعوديين، حيث قاموا بالتفجير عند مؤسسات حكومية العاملون فيها سعوديُّون يُحافظون على أمن الناس في هذه البلاد، وفي اعتبارهم أنَّ السلامة لا يستحقُّها إلَّا من كان على شاكلَتهم، يتَّضح ذلك بالنقول عنهم من مجلَّتهم في الانترنت في مقال الدكتور حَمد العثمان المنشور في «صحيفة القبس الكويتية» المشار إليه قريباً، ومن هذه النقول ما جاء في العدد الرابع (ص 15): «فمَن وقف في صفِّ المجاهدين فقد سلك سبيل الهدى وأفلح، وسعى في نجاة نفسه من عذاب الله، وقدَّم لنفسه، وحصل الرفعة والدرجات العلى في الدنيا والآخرة، ومَن وقف في صفِّ الصليبيين والمرتدِّين في هذه الحرب فقد خسر نفسه وارتدَّ عن دينه وكفر بربِّه وجحد نعمة الله عليه، ومَن وقف متفرِّجاً معتزلاً خاذلاً لإخوانه المسلمين فقد فوَّت على نفسه حظًّا عظيماً، ولم يسلم من إثم القعود والخذلان!!!».

وفي العدد السادس: «وحركة الجهاد لن تتوقَّف عند حدود ما يُسمَّى بالمملكة العربية السعودية، ولا اعتبار شرعي يمنع مثلاً من تحرُّك الجهاد خارج هذا الكيان إلى اليمن أو إلى تلك الدول المسمَّاة بالخليج!!».

وفي العدد الثامن: «هذا التصوُّر لهؤلاء المرتدِّين الذين أخذوا مقعد الحاكم الشرعي في بلاد المسلمين يجعل الحوار معهم مستحيلاً أصلاً، ولا حوار مع المرتدِّين شرعاً وسياسة إلَّا بالسيف والقتال في سبيل الله».

ولمَّا حصل التفجير عند مبنى الأمن العام في شارع الوشم في الرياض، وانتشر بين الناس أنَّ في ذلك قتلاً للمسلمين وليس للمشركين، جاء جوابهم في العدد السادس عشر: «وعندما جاء التفجير رفعوا عقائرهم بالصياح: (هل هذا من قتال الصليبيِّين؟! هل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخرجوا السعوديين من جزيرة العرب، ولا قال: أخرجوا الأمريكان من جزيرة العرب؟!) بل قال: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب)، ما استثنى سعوديًّا ولا غيره، هذا هو الجواب الواضح الصريح لهذا التساؤل البليد مِمَّن طرحه!!!».

وحول هذه الجمل الساقطة الهابطة أنبِّه على أمور:

الأول: أنَّ قائلَ هذا الكلام المتناهي في السقوط والقبح مستحكم الجهل موغل في الضلال، قلبه كالحجارة أو أشدُّ قسوة، ولا يصدر مثله إلَّا مِمَّن بلغ النهاية في الشذوذ والانحراف، ولا أظنُّ أنَّ الكثيرين من هؤلاء الشباب يستسيغون مثل هذا الكلام القبيح، فعليهم أن يُعرضوا عنه وعن قائله إعراضاً كليًّا، وأن يتوبوا إلى الله مِمَّا حصل منهم، ويسلِّموا أنفسهم لتحصل لهم ولغيرهم السلامة.

الثاني: أنَّ مقتضى هذا الكلام الساقط أنَّهم هم المسلمون في هذه الجزيرة، وأنَّ السعوديين سواهم حقيقون بالإخراج منها؛ لأنَّهم مشركون، وهذا نهاية في التصوُّر الخاطئ لم يصل إليه الخوارج الأوَّلون الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ومَن معه من الصحابة؛ فإنَّهم مع تكفيرهم للصحابة لم يُريدوا إخراجهم من ديارهم في الجزيرة وغيرها، فأيُّ غنيمة هذه ظفر بها الشيطان من هؤلاء الشباب؟! ويح هؤلاء الشباب؟! ما الذي دهاهم؟! بل أين ذُهب بعقولهم حتى وُجد فيهم مَن قال مثل هذه الجُمل الرعناء؟! لقد غرَّهم بالله الغرور، فزيَّن لهم أنَّهم هم المسلمون وأنَّ غيرَهم مرتدُّون!! وقد قال صلى الله عليه وسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه: «ومَن دعا رجلاً بالكفر، أو قال: عدو الله! وليس كذلك، إلَّا حار عليه» رواه مسلم (217)، وإذا كان هذا قول الرسول صلى الله عليه وسلم فيمَن كفَّر رجلاً واحداً، فكيف بِمَن كفَّر أمَّة حكَّامها ومحكوميها؟!

الثالث: أنَّ الخوارجَ الذين خرجوا على عليٍّ والصحابة رضي الله عنهم خرجوا على خير الناس في ذلك الوقت، وهؤلاء الشباب خرجوا على المسلمين في هذه الجزيرة، وأهلُها في هذا الوقت أشدُّ الناس تمسُّكاً بالإسلام وأكثر محافظة على أخلاقه وآدابه، فهم بأعمالهم القبيحة يُريدون القضاء على هذا الخير، ولا يحيق المكر السيِّئ إلَّا بأهله، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «ومَن خرج على أمَّتي يضرب برَّها وفاجرَها، ولا يتحاش من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده، فليس منِّي ولست منه» رواه مسلم (1848) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

في توبة الشباب المفتونين وتسليم أنفسهم الخير والسلامة لهم ولغيرهم

 يتنازع الشبابَ المفتونين بالتفجير في جزيرة الإسلام داعيان: داعي الشرِّ، وهم شياطين الجنِّ والإنس؛ الذين يزيِّنون لهم باطلهم ويحرِّضونهم على الاستمرار في الإفساد، وداعي الخير، وهم كلُّ ناصح لهم يُحبُّ الخير والسلامةَ لهم ولغيرهم، يقول لهم: انتهوا خيراً لكم، وسلِّموا أنفسَكم لتبقوا مدة في السجن، وجدير بهؤلاء الشباب قبول نصح الناصحين الذين يرجون لهم ولغيرهم السلامة، والإعراض عن دعاة الشرِّ الذين يدفعونهم إلى الهلاك والإهلاك، وأن يكون جوابهم لهم مثل جواب يوسف عليه الصلاة والسلام: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾، وهذه مقارنة بين بقائهم داخل السجن وخارجه:

ـ ففي بقائهم في السجن تحصل السلامة لهم ولغيرهم، وفي بقائهم خارجه يحصل منهم الإفساد، الذي فيه هلاكهم وهلاك غيرهم.

ـ وفي بقائهم في السجن يرتاح أهلوهم وذووهم، وفي بقائهم خارجه يبقى أهلوهم وذووهم في قلق وتخوف من نهايات سيئة لهم.

ـ وفي بقائهم في السجن يحصل الأمن والأمان لأمَّتهم، وفي بقائهم خارجه يحصل لها الرعب والذعر؛ لما يُخشى من إفسادهم.

إعراض الشباب المفتونين عن الرجوع إلى العلماء مكيدة شيطانية

من أعظم مكائد الشيطان لهؤلاء الشباب المفتونين بالتكفير والتفجير تزيينه في قلوبهم الابتعاد عن أهل العلم وعدم الرجوع إليهم في فهم الدِّين والفقه فيه، بل آل الأمرُ ببعضهم إلى رميهم وغيرهم بالرِّدَّة عن الدين، بزعم أنَّهم وقفوا في صفِّ المرتدِّين، كما في الجملة الأولى من جملهم الساقطة الهابطة، وبذلك تحقَّق للشيطان ما أراده منهم من تكفيرهم غيرهم من الحكام والمحكومين، ثم الخروج عليهم بالتفجير والتقتيل والتدمير، وبذلك أيضاً خالفوا ما كان عليه سلف الأمَّة من لزوم جماعة المسلمين والنصح لهم ولولاتهم وترك الخروج عليهم، وقد قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾، وأولو الأمر هم العلماء والأمراء، فيُسمع للعلماء ويُطاع فيما يُبيِّنونه من أمور الدِّين، ويُسمع للأمراء ويطاع فيما يأمرون به مِمَّا ليس معصية لله عزَّ وجلَّ، وقد رَجَّح تفسير ولاة الأمر بما يشمل العلماء والأمراء القرطبي وابن كثير في تفسيريهما، ويدلُّ لطاعة العلماء قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾، وقوله: ﴿لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾، وقوله: ﴿وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾.

وبالرجوع إلى العلماء تحصل السلامة من الوقوع في الفتن وما يترتَّب عليها من أضرار ومفاسد، وتقدَّمت الإشارة إلى رجوع ألفين من الخوارج عن باطلهم عندما ناظرهم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، ورجوع العصابة التي همَّت بالخروج على الناس بعد الحجِّ لَمَّا سمعوا من جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ما يبيِّن فساد رأي الخوارج بتخليد مرتكب الكبيرة في النار، وإظهار عروة بن الزبير رحمه الله خطأه في فهم قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ﴾ الآية؛ لَمَّا بيَّنت له خالته عائشة رضي الله عنها الفهم الصحيح لمعناها، وقد قال عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه كما في «مصنف عبد الرزاق» (20483): «لا يزال الناس صالحين متماسكين ما أتاهم العلم من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ومن أكابرهم، فإذا أتاهم من أصاغرهم هلكوا».

وروى مسلم في أول كتاب الإيمان من «صحيحه» (8) حديث جبريل المشهور بإسناده إلى يحيى بن يَعمر، قال: «كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجَّين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عمَّا يقول هؤلاء في القدر ...»، وفي هذا رجوع التابعين إلى الصحابة في معرفة حكم ما يقع من أمور مشكلة، سواء كان ذلك في العقائد أو غيرها، وهذا هو الواجب على كلِّ مسلم أن يرجع في أمور دينه إلى أهل العلم.

خروج الشباب المفتونين عن الطاعة ومفارقتهم الجماعة

استفاضت النصوص الشرعية وأقوال السلف في السمع والطاعة لأئمَّة المسلمين ولزوم جماعتهم وتحريم الخروج على الولاة ومفارقة الجماعة، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «مَن خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية، ومَن قاتَل تحت رايَّة عميَّة، يغضب لعصبة، أو يدعو إلى عصبة، أو ينصر عصبة، فقُتل، فقتلة جاهلية، ومَن خرج على أمَّتي يضرب بَرَّها وفاجرَها، ولا يتحاش من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده، فليس منِّي ولست منه» رواه مسلم (1848) عن أبي هريرة رضي الله عنه، وقوله صلى الله عليه وسلم: «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحبَّ وكره ما لم يُؤمَر بمعصية، فإذا أُمِر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» رواه البخاري (7142) ومسلم (1839) عن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما، وقوله صلى الله عليه وسلم: «عليك السمع والطاعة في يُسرك وعُسرك، ومَنشطك ومكرهك، وأثرة عليك» رواه مسلم (1836) عن أبي هريرة رضي الله عنه، وقوله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث خصال لا يغلُّ عليهنَّ قلب مسلم أبداً: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم الجماعة؛ فإنَّ دعوتهم تُحيط من ورائهم» رواه أحمد (21590) بإسناد صحيح من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه.

قال ابن القيم في «مفتاح دار السعادة» (ص 79) في معنى «لا يغلُّ عليهنَّ قلب مسلم»: «أي: لا يحمل الغلَّ ولا يبقى فيه مع هذه الثلاثة؛ فإنَّها تنفي الغلَّ والغشَّ وفساد القلب وسخائمه»، إلى أن قال: «وقوله: (ومناصحة أئمَّة المسلمين): هذا أيضاً منافٍ للغلِّ والغشِّ؛ فإنَّ النصيحة لا تجامع الغل؛ إذ هي ضده، فمن نصح الأئمة والأمَّة فقد برئ من الغلِّ، وقوله: (ولزوم جماعتهم): هذا أيضاً مِمَّا يُطِّهر القلب من الغلِّ والغشِّ؛ فإنَّ صاحبه للزومه جماعة المسلمين يُحبُّ لهم ما يُحبُّ لنفسه، ويكره لهم ما يكره لها، ويسوؤه ما يسوؤهم، ويَسرُّه ما يسرُّهم».

وقال الإمام أحمد في اعتقاده كما في «السنة» للالكائي (1/161): «ومَن خرج على إمام المسلمين وقد كان الناس اجتمعوا عليه وأقرُّوا له بالخلافة بأيِّ وجه كان: بالرِّضا أو بالغلبة؛ فقد شقَّ هذا الخارجُ عصا المسلمين وخالف الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية، ولا يحلُّ قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحد من الناس، فمَن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنَّة والطريق».

وقال الإمام الطحاوي في عقيدة أهل السنة والجماعة: «ولا نرى الخروج على أئمَّتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يداً من طاعتهم، ونرى طاعتَهم من طاعة الله عزَّ وجلَّ فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة». «العقيدة مع شرحها لابن أبي العز» (ص 540).

وما حصل من الشباب المفتونين بالتكفير والتفجير والتدمير في جزيرة الإسلام مباينٌ تمام المباينة لهذه الأحاديث والآثار، وهم يعلمون ويعلم غيرهم أنَّ آباءهم وأجدادهم عاشوا في هذه البلاد في ولاية هذه الدولة في أمن وأمان سامعين مطيعين للولاة في المعروف، وخروج هؤلاء الشباب عن النهج الصحيح الذي كان عليه آباؤهم وأجدادهم هو من عمل الشيطان وتزيينه الباطل في نفوسهم، وقد قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ﴾.

وجوه مخالفة الشباب المفتونين بالتكفير والتفجير للإسلام

لقد كثرت وجوه مخالفة الشباب المفتونين بالتكفير والتفجير للإسلام وتنوَّعت، وكلُّ واحد منها لو اقتُصر عليه كفى به لمن أتى به مصيبة، فكيف بها مجتمعة ومتنوِّعة؟! وهذه جملة من تلك المخالفات مع ذكر الأدلَّة الدَّالة على شدَّتها وخطورتها:

الأول: تكفير المسلمين: قال صلى الله عليه وسلم: «أيُّما امرئ قال لأخيه: يا كافر! فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال، وإلاَّ رجعت عليه» رواه البخاري (6104) ومسلم (216)، واللفظ له، وقال صلى الله عليه وسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه: «ومَن دعا رجلاً بالكفر، أو قال: عدوَّ الله! وليس كذلك، إلَّا حار عليه» رواه مسلم (217).

وإذا كان هذا الوعيد في تكفير رجل واحد، فكيف بتكفير أمَّة؟!

الثاني: قتل المسلمين بغير حقٍّ: قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا﴾، وقال: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾، وقال:  ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾، وقال صلى الله عليه وسلم: «أوّل ما يُقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء» رواه البخاري (6864) ومسلم (1678)، وقال صلى الله عليه وسلم: «لن يزال المؤمن في فُسحة من دينه ما لم يُصب دماً حراماً» أخرجه البخاري (6862)، وقال جندب بن عبد الله رضي الله عنه: «إنَّ أول ما ينتن من الإنسان بطنه، فمَن استطاع أن لا يأكل إلَّا طيِّباً فليفعل، ومَن استطاع أن لا يُحال بينه وبين الجنة بملء كف من دم هراقه فليفعل» رواه البخاري (7152)، قال الحافظ في «الفتح» (13/130) بعد أن ذكر له طريقاً مرفوعاً عند الطبراني: «وهذا لو لَم يرد مصرَّحاً برفعه لكان في حكم المرفوع؛ لأنَّه لا يُقال بالرأي، هو وعيد شديد لقتل المسلم بغير حقٍّ».

الثالث: قتلهم أنفسهم:قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرًا﴾، وقال صلى الله عليه وسلم: «من قتل نفسَه بشيء في الدنيا عُذِّب به يوم القيامة» رواه البخاري (6047) ومسلم (176).

الرابع: قتل المعاهدين: قال صلى الله عليه وسلم: «مَن قتل نفساً معاهداً لَم يرح رائحة الجنة، وإنَّ ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً» أخرجه البخاري (3166).

وأمَّا قتلهم خطأ، فقد قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾.

الخامس: ترويع الآمنين: قال صلى الله عليه وسلم: «مَن حمل علينا السِّلاحَ فليس منَّا» رواه البخاري (6874) ومسلم (161)، وروى الإمام أحمد (5/362) وأبو داود (5004) بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: «حدَّثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أنَّهم كانوا يسيرون مع النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فنام رجل منهم، فانطلق بعضُهم إلى حبل معه فأخذه، ففزع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يحلُّ لمسلم أن يروِّع مسلماً».

السادس: إتلافهم أموال غيرهم:قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ﴾، وقال صلى الله عليه وسلم: «مَن أخذ أموال الناس يريد أداءها أدَّى الله عنه، ومَن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله» رواه البخاري (2387)، وإذا كان هذا فيمن أخذ أموال الناس دَيْناً وهو لا يريد أداءها، فكيف بمَن أتلف أموالهم بالتفجير والتدمير؟!

السابع: استيلاؤهم على مراكب غيرهم بالتهديد بالسلاح إذا عُثر عليهم للهرب بها: قال صلى الله عليه وسلم: «لا يحلُّ لامرئ أن يأخذ مال أخيه بغير حقِّه» رواه أحمد (23605) بإسناد حسن، وقال صلى الله عليه وسلم في خطبته يوم النحر بمنى في حجَّة الوداع من حديث أبي بكرة رضي الله عنه: «إنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربَّكم» أخرجه البخاري (67) و(1741) ومسلم (1679).

الثامن: إخفاء بعضهم نفسه بارتدائه لبس النساء: قال ابن عباس رضي الله عنهما: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبِّهين من الرِّجال بالنساء، والمتشبِّهات من النساء بالرِّجال» أخرجه البخاري (5885).

ووقوع هؤلاء الشباب في هذه المخالفات وغيرها ناتج عن فهومهم الخاطئة للنصوص وعدم رجوعهم للعلماء، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «مَن يُرد الله به خيراً يفقهه في الدِّين»، فإنَّ مفهومه أنَّ من لم يُرد الله به خيراً لم يفقهه في الدِّين.

والواجب على هؤلاء الشباب أن يتَّقوا الله في إسلامهم وفي أنفسهم وفي أهلهم وفي أمَّتهم، وأن يتفقَّهوا في الدِّين، وأن يرجعوا إلى أهل العلم ليسْلموا من التخبُّط الذي أوقعهم في تلك المخالفات الكثيرة للإسلام، وأن يتركوا الظلم لأنفسهم ولغيرهم، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «اتَّقوا الظلم؛ فإنَّ الظلم ظلمات يوم القيامة» أخرجه مسلم (2578) من حديث جابر رضي الله عنه، وأن يحذروا أن يكونوا من أهل الإفلاس في الآخرة، الذين قال عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ المفلسَ من أمَّتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه، ثم طُرح في النار» أخرجه مسلم (2581) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

وإنَّ على هؤلاء الشباب أن يكونوا  مؤمنين مسلمين مجاهدين مهاجرين حقًّا، ففي «مسند الإمام أحمد» بإسناد صحيح (23958) عن فَضالة بن عُبيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجَّة الوداع: «ألا أخبرُكم بالمؤمن؟ مَن أمِنَه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمسلم مَن سلم الناس من لسانه ويده، والمجاهد مَن جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر مَن هجر الخطايا والذنوب»، فلو أنَّ هؤلاء الشباب جاهدوا أنفسهم في طاعة الله لَهَجروا الخطايا والذنوب، وسلِم المسلمون من ألسنتهم وأيديهم، وأمِنَهم الناسُ على أموالهم وأنفسهم، لكنَّهم ركبوا رؤوسهم وابتعدوا عن العلماء، فوقعوا فيما وقعوا فيه، مِن قتل الأبرياء وتدمير المباني وغيرها، وترميل النساء وتيتيم الأطفال، فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة، فإنَّ صبغةً واحدة في النار تُنسي كلَّ نعيم في الدنيا، ففي «صحيح مسلم» (2807) عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يُؤتى بأنعَم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيُصبَغ في النار صبغة، ثم يُقال: يا ابن آدم! هل رأيتَ خيراً قط؟ هل مرَّ بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب! ويُؤتى بأشدِّ الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة، فيُصبَغ صبغة في الجنة، فيُقال له: يا ابن آدم! هل رأيت بُؤساً قط؟ هل مرَّ بك شدَّة قط؟ فيقول: لا والله يا ربِّ! ما مرَّ بي بؤسٌ قط، ولا رأيتُ شدَّة قط»، وإن حرارة النار في الآخرة تفوق حرارة النار في الدنيا بسبعين ضعفاً، ففي «صحيح البخاري» (3265) ومسلم (2843) عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نارُكم جزء من سبعين جزءاً من نار جهنَّم، قيل: يا رسول الله! إن كانت لكافية، قال: فُضِّلت عليهنَّ بتسعة وستين جزءاً، كلُّهنَّ مثل حرِّها».

وأسأل الله عزَّ وجلَّ أن يثبِّت المهتدين من الشباب المسلمين على هداهم وأن يزيدهم هدى، وأن يتفضَّل بالهداية على مَن وقع منهم في الردى، ويُعيذهم من شرور أنفسهم ويُهيِّئ لهم من أمرهم رشداً، اللَّهمَّ مُنَّ عليهم بالصلاح، واجعلهم من أهل الإصلاح، وأعذهم من شياطين الجنِّ والإنس، ومن الفساد والإفساد، إنَّك على كلِّ شيء قدير.

ورغبة في أن يستفيد هؤلاء الشباب من نصحي أقول لهم عن نفسي: لقد أغناني الله من فضله، فلَم يدخل في مُلكي شبرٌ من الأرض إلَّا بالشراء مِمَّن يملكه شرعاً، ولم أتقاض شيئاً من أموال الدولة ـ وذلك جائز شرعاً لِمَن حصل له بدون إشراف نفس ـ والمرتبة التي كنت أتقاضى راتبها عند التقاعد سنة (1413هـ) حصلت عليها في عهد الملك فيصل سنة (1393هـ)، ولست بما قلتُه طامعاً ولا راغباً في حصول أي نفع ماديٍّ أو معنويٍّ.

وكما بذلتُ نصحي لهؤلاء الشباب في هذه الرسالة والتي قبلها فقد بذلته لولاة الأمر في رسائل خاصَّة كثيرة، أوَّلها للملك فيصل رحمه الله سنة (1383هـ)، فعلت ذلك امتثالاً لقوله صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمَّة المسلمين وعامَّتهم» رواه مسلم (196)، وقوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الله يرضى لكم ثلاثاً، ويَسخط لكم ثلاثاً؛ يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرَّقوا، وأن تناصحوا من ولاَّه اللهُ أمرَكم، ويَسخط لكم قيل وقال وإضاعة المال، وكثرة السؤال» رواه الإمامان: مالك في «الموطأ» (2/990)، وأحمد في «مسنده» (8799) واللفظ له، وهو حديث صحيح، وتعاوناً معهم على بقاء السفينة سالمة، والحيلولة دون خرقها مِمَّن يريد خرقها؛ لتحصلَ النجاة والسلامة من الهلاك؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضُهم أعلاها وبعضُهم أسفلها، فكان الذين في أسلفها إذا استقوا من الماء مرُّوا على مَن فوقهم، فقالوا: لو أنَّا خرقنا في نصيبنا خرْقاً ولم نؤذ مَن فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً» رواه البخاري (2493).

والواجب على أهل هذه البلاد ولاةً ورعيَّة المحافظة على ميراث الإمامَين الجليلَين محمد بن عبد الوهاب، ومحمد بن سعود ـ رحمهما الله ـ وهو الدولة التي أُسِّست واستمرَّت على العمل بالكتاب والسنَّة وما كان عليه سلف الأمَّة، فيُحافظ الولاةُ على القيام بما بُنيت الدولة عليه، وتتعاون معها الرعيَّة على كلِّ ما فيه خيرٌ للإسلام والمسلمين مع الدعاء والنصح لها، والسمع والطاعة في المعروف.

وأسأل الله عزَّ وجلَّ أن يحفظ لهذه البلاد أمنَها وإيمانها، ويَدحرَ كلَّ من أرادها بسوء، ويُعزَّ بولاتها الإسلامَ والمسلمين، ويقيها وسائر بلاد المسلمين شرَّ الأشرار وكيد الفجار والكفَّار، إنَّه سميع مجيب.

الآثار السيِّئة للتكفير والتفجير على المسلمين

لقد اشتدَّت غربةُ الإسلام في هذا الزمان، وزهد الكثيرون من أهله فيما فيه من الحقِّ والهدى الذي نزل من الحكيم الخبير، واعتاضوا بذلك أنظمة وضعها البشر، ونتيجة لذلك حلَّ بالمسلمين الضعف والهوان، وأحاطت بهم أنواع الفتن، ومِن ذلك ما وقع في البلاد الإسلامية وغيرها من تكفير وتفجير أُطلق عليه اسم الإرهاب، جرَّ على المسلمين الويلات والخطوب من أبنائهم وأعدائهم، وكانت بداية ذلك في أول الأمر اختطاف الطائرات، ثم تحوَّل إلى التفجير الذي فيه التقتيل وتدمير المباني وغيرها على مَن فيها، وقد عظُمت المصائب على المسلمين بعد تدمير عمارتين شاهقتين في الغرب أُطلق عليه أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ومن الآثار السيِّئة التي ترتَّبت على هذه الأحداث ما يلي:

1 ـ تدخل أصحاب العمارتين الشاهقتين في شؤون قطرَين من الأقطار الإسلامية، هما أفغانستان والعراق، وما نتج عن ذلك من فوضى قتَّل فيها أهلُ هذين القطرين بعضهم بعضاً، ولا شكَّ أنَّ القضاء على حزب البعث في العراق نعمة كبيرة على أهل العراق وغيرهم، ولكن المصيبة بعد ذلك في بقاء هذا التدخل، ونسأل الله عزَّ وجلّ َالذي خلَّص أهل العراق من البعثيين أن يُخلِّصهم من الذين قضوا عليهم، وأن يصلح أحوالهم ويجمع كلمتهم على الخير والهدى.

 2 ـ الإساءة إلى سُمعة الإسلام؛ وذلك بإضافة أعداء الإسلام الأعمال الإجرامية التي يقوم بها بعض شباب المسلمين إلى الإسلام، والإسلام دين الحقِّ والعدل وحفظ حقوق كلِّ ذي حق، من المسلمين وغيرهم، وهو بريء من كلِّ ما يُضاف إليه زوراً بسبب التصرُّفات الشاذَّة الطائشة من بعض أبناء المسلمين.

 3 ـ اتِّهام مناهج التعليم في المملكة العربية السعودية بأنَّها سبب التكفير وما تبعه من تفجير في هذه البلاد، وهذا من مكايد الشيطان لإخلاء المناهج مِمَّا فيها من الخير، وهذا النعيق بالاتِّهام جاء من الخارج ومِمَّن في قلوبهم مرض من الداخل، والمناهج ـ بحمد الله ـ بريئة من التُّهم، ومتهمها هو المتَّهَم، والذين ابتُلوا بالتكفير والتفجير في هذه البلاد لم يحصل ذلك لهم من المناهج الدراسية، بل دخل عليهم من أبواب شرٍّ لا صلة لها بالمناهج البتة، وقد اعترف بذلك بعض الذين قُبض عليهم منهم، والذي حصل من هؤلاء الشباب هو كالذي حصل من أهل التكفير والتفجير في الجزائر من قبل، لا صلة ولا علاقة لشذوذ وانحراف هؤلاء وهؤلاء بالمناهج الدراسية، ومناهج التعليم وُضعت في عهد الملك عبد العزيز رحمه الله، ولم يحصل لدارسيها إلَّا الخير، ولم تُتَّهم بشيء، فلماذا تأخَّر الاتِّهام إلى هذا الوقت؟! وكان للتعليم قبل إنشاء وزارة المعارف مديرية عامة، مقرُّها مكة المكرمة، وكان مديرها العام الشيخ العلامة محمد بن عبد العزيز بن مانع رحمه الله، وهو من أهل العلم والفضل، وقد وُضعت مناهج التعليم في ذلك الوقت، ولمَّا أُنشئت وزارة المعارف بعد وفاة الملك عبد العزيز رحمه الله في عهد الملك سعود رحمه الله، كان خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز ـ حفظه الله ـ أول وزير للمعارف، فأقرَّ مناهج التعليم، ثم تتابع على الوزارة بعده أربعة وزراء والمناهج التعليمية على ما هي عليه، لم يُوجَّه إليها تهمة في هذه العهود المتتابعة، وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما حصل بعدها من تفجير في بلاد الحرمين وغيرها، وُلد هذا الاتِّهام الذي كان قبل ذلك في عالم الأموات، وليست المصيبة في هذا الاتِّهام نفسه، وإنَّما المصيبة في أن يجد قبولاً وأن يُفكَّر في تغييرها.

 4 ـ التراجع الذي حصل لمسيرة الدعوة إلى الإسلام ونشر هدايته في الأرض، فبعد تلك الأحداث حصل تراجع وانحسار لتلك الدعوة التي فيها الخير للبشرية، فتوقف كثير من الأنشطة الدعوية المباركة لما وُجِّه إليها من تهمة دعمها للإرهاب، وفي الوقت الذي أخذت فيها الدعوة إلى الإسلام في الانحسار، فإنَّ دعوة النصارى إلى باطلهم آخذة في الانتشار.

5 ـ محاولة الضغط على الدول العربية وبالأخصِّ المحافظ منها على الإسلام، بما سمي إصلاحات نحو الأخذ بالديمقراطية المزعومة، ومن المعلوم أنَّ الأنظمة الديمقراطية الجهة التشريعية فيها فئة معينة من البشر، وأما الإسلام فإنَّ التشريع فيه من خالق البشر، وليس ذلك لأحد من البشر، والدستور في المملكة العربية السعودية الكتاب والسنة، بهما وعليهما قامت الدولة السعودية في عهودها الثلاثة، وقد مضى على ذلك أكثر من قرنين، فكيف يُفكَّر في تصدير الديمقراطية للأخذ بها بدلاً من شريعة خالق البشر؟! وما ذلك إلَّا من استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير.

ولا شكَّ أنَّ عزَّ المسلمين وفلاحهم وصلاحهم لا يكون إلَّا بالالتزام بشرع الله ونبذ كلِّ ما يخالفه، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾، وقال: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾، وقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم في أول وصيَّته لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «احفظ الله يحفظك» أخرجه الترمذي (2516)، وقال: «حديث حسن صحيح».

وغير خاف أنَّ الذنوب والخطايا سبب العقوبات العاجلة والآجلة للكفَّار والمسلمين، قال الله عزَّ وجلَّ عن قوم نوح: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا﴾، وقال تعالى: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، وقال: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾.

وإنَّ هدى الله هو الهدى، وماذا بعد الحقِّ إلَّا الضلال، وإنَّ تنازل المسلمين عن شيء من دينهم يُسخط ربَّهم ولا يُرضي أعداءَهم، قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ بَلِ اللّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾، وقال: ﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾.

والله جلَّ وعلا له ملك السموات والأرض، وهو على كلِّ شيء قدير، هو كاسر الأكاسرة، وقاصم القياصرة، ومُذِلُّ الجبابرة، ومُهلِك الفراعنة، وفي ألفاظ الأذان (الله أكبر) ست مرات، وفي كلِّ ركعة من ركعات الصلاة (الله أكبر) ست مرات، والله أكبر من كلِّ كبير، وأعظم من كلِّ عظيم، قدرته فوق كلِّ قدرة، وبطشه أشدُّ من كلِّ بطش، ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلاَدِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾، ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾، وعند الله من أنواع العقوبات العاجلة، ما لا يخطر ببال متكبِّر، كالصواعق المحرقة والفياضانات الكاسحة والرياح العاتية والزلازل المدمِّرة والأمراض المزمنة، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾، وقال: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾، وقال: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ﴾، وقال: ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِير﴾.

وأسأل الله القوي المتين العزيز القهار الجبار المتكبِّر أن يُعزَّ الإسلام والمسلمين، ويُذلَّ الشركَ والمشركين، ويُدمِّر أعداء الدِّين، اللَّهمَّ من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه، ورُدَّ كيدَه في نحره، واجعل في تدبيره تدميره، اللَّهمَّ من أراد بالإسلام والمسلمين سوءاً نطق به أو كتبه فأخرس لسانه وشلَّ بنانه، واجعله عبرة للمعتبرين، اللَّهمَّ سلِّط عليه جنداً من جنودك التي لا يعلمها إلَّا أنت، ربَّنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا، واغفر لنا ربَّنا إنَّك أنت العزيز الحكيم، اللَّهمَّ صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنَّك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنَّك حميد مجيد، وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله ربِّ العالَمين أوَّلاً وآخراً.

اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127