الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

أجيبوا نداء الحق (2) الشيخ عبدالرحمن العتيبي

أضيف بتاريخ : 07 / 08 / 2008
                                


أجيبوا نداء الحق (2)

عندما ينادي منادي الإيمان تخشع القلوب الحية، وتلتفت إلى ذلك المنادي فتتدبر ما يردد، وتذعن لما يقول، ثم يهب أصحابها للقيام بما أمرهم الله به، مجيبين لذلك المنادي بالقول والفعل، مؤملين النجاة والفوز بالجنة التي هي مصير من أجاب نداء الحق (الأذان)، وقد بيّنا صفة الأذان، والمعاني العظيمة لكلمات الأذان، وأن من يعلم معناها ويعمل بمقتضاها فهو المؤمن حقاً، وعلمنا أن الأذان متضمن لبيان التوحيد، والدلالة على العقيدة الصحيحة.

قال الشيخ عبد الله البسامـ رحمه اللهـ:(وهو على اختصار مشتمل على مسائل العقيدة، لأن التكبير يتضمن وجود الله وإثبات صفات الجلال والعظمة له، والشهادتان تثبتان التوحيد الخالص ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم وتنفيان الشرك، والدعاء إلى الفلاح يشير إلى المعاد و الجزاء) أ هـ [تيسير العلام شرح عمدة الأحكام].

الأحاديث الواردة في فضل الأذان

الجزاء المترتب على عبادة من العبادات أمر غيبي، فلا بد من دليل من الكتاب أو السنة يدل على فضيلة هذا العمل، ومما جاء في فضل الأذان أن المؤذن يشهد له كل من سمعه، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه قال له:"إني أراك تحب الغنم والبادية فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت للصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة، قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم" [رواه البخاري].

وعن معاوية رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة" [رواه مسلم]، ولو علم الناس عظم أجر الأذان لتنافس الجميع على تحصيله وتسابق الناس إلى الأذان ولم يتنازل عنه أحد إلا مع إجراء القرعة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه" [رواه البخاري ومسلم].

ولكثرة ما ورد في فضل الأذان طرح السؤال التالي أيهما أفضل الأذان أو الإمامة؟ وحصل الخلاف بين أهل العلم في ذلك فمنهم من قال إن الإمامة أفضل، ومنهم من رجح أن الأذان أفضل لما ورد من الأحاديث الدالة على عظم أجر المؤذن ولأن المؤذن يذهب مبكراً إلى المسجد ويتحمل المشقة في مراقبة الوقت للصلوات الخمس.

قولوا مثلما يقول المؤذن

من لم يصبح مؤذناً فإن الله ذا الرحمة الواسعة فتح له باب الأجر بأن يردد ما يقول المؤذن، وذلك يشمل الرجال والنساء ويجيب المؤذن على أي حالة كان إلا إذا كان في الخلاء أو على حاجته، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا سمعتم النداء فقولوا كما يقول المؤذن" [رواه البخاري ومسلم].

وقال صاحب سبل السلام محمد بن إسماعيل الصنعاني:(وليس المراد في المماثلة أن يرفع صوته كالمؤذن، لأن رفعه لصوته بقصد الإعلام ليس كالمجيب ولا يكفي إمراره الإجابة على خاطره فإنه ليس بقول).

فإذا قال المؤذن الله أكبر، قال من يسمعه: الله أكبر، فإذا قال أشهد أن لا إله إلا الله، قال مثله: أشهد أن لا إله إلا الله، وهكذا في باقي كلمات الأذان حتى يصل إلى قول (حي على الفلاح) قال: (لا حول ولا قوة إلا بالله)، لأن المؤذن ينادي للصلاة فحسن في حق السامع أن يقول (لا حول ولا قوة إلا بالله)، فما أكمل شريعة الإسلام وأحكمها، وقول (لا حول ولا قوة إلا بالله) عند سماع (حي على الصلاة) ثبُت في حديث مسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"فإذا قال حي على الصلاة قال لا حول ولا قوة إلا بالله، فإذا قال: حي على الفلاح قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة".

وعند تأمل نهاية الحديث فإن من يردد خلف المؤذن إن كان مخلصاً لله صادقاً فيما يقول فهو سبب لدخوله الجنة ومعنى لا حول ولا قوة إلا بالله، أي لا تحول لي من المعصية إلى الطاعة إلا بتوفيق الله ومعونته أو لا أستطيع أن أقول إلى الصلاة إلا بقوة من الله سواء كانت الهداية أو الصحة فهما الدافع لتحمل أعباء العمل.

قال الصنعاني:(فإن المعنى مناسب لإجابة الحيعلة من السامع بالحوقلة، فإنه لما دعي إلى ما فيه الفوز والفلاح والنجاة وإجابة الخير ناسب أن يقول هذا أمر عظيم لا أستطيع مع ضعفي القيام به إلا إذا وفقني الله بحوله وقوته، ولأن ألفاظ الأذان ذكر الله فناسب أن يجيب بها إذ هو ذكر له تعالى، وأما الحيعلة فهي دعاء إلى الصلاة والذي يدعو إليها هو المؤذن، وأما السامع فإنما عليه الامتثال إلى ما دعي إليه) أ هـ

وهناك ذكر عندما يقول المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله، فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من قال حين يسمع المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، رضيت بالله رباً وبمحمد رسولاً، وبالإسلام ديناً، غفر له ذنبه" [رواه مسلم].



ما يقال بعد نهاية الأذان

عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا عليّ فإنه من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة" [رواه مسلم]، وقال صلى الله عليه وسلم "من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة" [رواه البخاري].

يقول شيخنا محمد العثيمين رحمه الله:(فينبغي بعد الأذان أن تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم تقول( اللهم رب هذه الدعوة التامة....)، وفي شرحه للحديث يقول: (اللهم) منادى حذفت منه ياء النداء، وعوض عنها الميم وجعلت الميم بعد لفظ الجلالة تيمناً وتبركاً بلفظ الجلالة واختير لفظ الميم دون غيره من الحروف للدلالة على الجمع كأن الداعي يجمع قلبه على ربه عز وجل وعلى من يريد أن يدعو به.

(رب): رب هنا بمعنى صاحب الدعوة التي شرعها.

(الدعوة التامة) الدعوة التامة هي الأذان، لأنه دعوة، ووصفها بالتامة، لاشتمالها على تعظيم الله، وتوحيده والشهادة بالرسالة، والدعوة إلى الخير.

(والصلاة القائمة): أي ورب هذه الصلاة القائمة والمشار إليه ما تصور والإنسان في ذهنه، لأنك عندما تسمع الأذان تتصور أن هناك صلاة، والقائمة قال العلماء: التي ستقام فهي قائمة باعتبار ما سيكون.

(آت محمداً الوسيلة والفضيلة): آت بمعنى أعط، والوسيلة بينها الرسول صلى الله عليه وسلم أنها درجة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله قال (وأرجو أن أكون أنا) ولهذا نحن ندعو الله ليتحقق له ما رجاه عليه الصلاة والسلام، وأما الفضيلة فهي المنقبة العالية التي لا يشاركه فيها أحد.

(وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته): ابعثه يوم القيامة (مقاما) أي في مقام محمود الذي وعدته، وهذا المقام يشمل كل مواقف القيامة وأخص ذلك الشفاعة العظمى، وفي هذا الدعاء مسائل: الأولى أن النبي صلى الله عليه وسلم بشر لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، ووجهه أننا أمرنا بالدعاء له.

ثانياً: أن الرسول عليه الصلاة والسلام أفضل الخلق، لأن الوسيلة لا تحصل إلا له خاصة ومعلوم أن الجزاء على قدر قيمة المجزي) أ هــ [الشرح الممتع].



الأذان وسيلة للدعوة إلى الله

الأذان حجة على من سمعه فهو متضمن للدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله، والإقرار برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم (ما من يهودي ولا نصراني يسمع بي ولا يؤمن بي إلا دخل النار) وقد ذكر لنا أن أحد النصارى العرب في بلد عربي ذهب يشتكي إلى السلطات لكي تمنع مؤذن الحي الذي يسكن فيه من الأذان في مكبر الصوت، مدعياً أن جمال صوت المؤذن عندما يردد الشهادتين وينادي إلى الصلاة كاد أن يؤثر فيه فيترك دينه ويسلم، وهذا الموقف يذكرنا بهرقل ملك الروم عندما جاءه رسول من النبي صلى الله عليه وسلم يحمل رسالة من الرسول صلى الله عليه وسلم إليه يدعوه فيها إلى الإسلام ويقول له (اسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين) فقد جمع هرقل القساوسة فشاورهم في الأمر فلما رأى نفرتهم، قال: إنما كنت اختبركم فاختار أن يبقى على ملكه، وخشي أن يعلن إسلامه فينقلبوا عليه، وهناك الكثير ممن يعلمون أن ديانتهم باطلة، أو أن مذهبهم منحرف عن دين الإسلام، وهم يخشون إن بدلوا ما هم عليه أن يقابلهم قومهم بالرفض، أو أن تتغير مكانتهم ويخسروا مكاسبهم المادية، وكان الواجب عليهم أن يخرجوا من الباطل ويدخلوا في الحق وهو دين الإسلام الخالي من الشرك والبدع، وإن صدقوا مع الله وطلبوا العون منه فسينصرهم على من عاداهم ويعوضهم في أي خسارة يتعرضون لها، قال تعالى (وَمَن يَتَّقً اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مًنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسًبُ) [الطلاق:3ـ2]، وقال تعالى (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهً فَهُوَ حَسْبُهُ) [الطلاق:3]، وليخش العبد ربه وليرجع إليه ويعترف بالحق ويعمل به وفي ذلك سعادته في الدنيا والآخرة وليعلم أن من يخشاهم ويترك الحق لأجلهم فإنهم لن ينفعوه في قبره ولا عند حشره يوم يقوم الناس لرب العالمين، ويسأل الناس عن عقائدهم وأعمالهم ويفوز المحق ويخسر المبطل، نسأل الله العافية وللموضوع تكملة، والله الموفق.

عبد الرحمن بن ندى العتيبي



تاريخ النشر: الاثنين 26/11/2007

جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127