الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

أجيبوا نداء الحق (1) الشيخ عبدالرحمن العتيبي

أضيف بتاريخ : 07 / 08 / 2008
                                


أجيبوا نداء الحق (1)

تتعالى الأصوات في البيع والشراء للفت أنظار رواد الأسواق، وذلك لتصريف السلع وتحصيل الكسب المادي، وتعلو الأصوات عند الجدال، وفي المطالبة ببعض المصالح الدنيوية، وهناك من ينادي بالباطل حتى يكثر أنصاره وينتشر باطله، سواء كان هذا الباطل شركاً أو بدعة أو فسقاً وعهراً وفجوراً وإباحية تهدم المجتمع، وتفسد الدين والأخلاق، وخلافاً لهذه الأصوات وهذه النداءات، هناك منادي يرفع صوته منادياً إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وإلى متابعة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ومنبهاً من الغفلة، وداعياً إلى الوحدة والجماعة، إنه نداء الحق (الأذان) وقد كانوا في الغزو عندما يسمع في بلاد يمتنع من قتال أهلها، فهو شعار لبلاد الإسلام.

عَنْ أَنَسً بْنً مَالًكي قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهً صلى الله عليه وسلم يُغًيرُ إًذَا طَلَعَ الْفَجْرُ، وَكَانَ يَسْتَمًعُ الأَذَانَ، فَإًنْ سَمًعَ أَذَاناً أَمْسَكَ، وَإًلاّ أَغَارَ، فَسَمًعَ رَجُلاً يَقُولُ: الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ: فَقَالَ رَسُولُ اللّهً صلى الله عليه وسلم: "عَلَى الْفًطْرَةً" ثُمّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إًلَهَ إًلاّ الله أَشْهَدُ أَنْ لاَ إًلَهَ إًلاّ الله. فَقَالَ رَسُولُ اللّهً صلى الله عليه وسلم: "خَرَجْتَ مًنَ النّارً" فَنَظَرُوا فَإًذَا هُوَ رَاعًي مًعْزىً. [رواه مسلم].

فالمؤذن ينادي في اليوم والليلة خمس مرات، معلنا مع كل أذان وقت دخول صلاة من الصلوات الخمس، حاثاً على عبادة الله بأداء فريضة الصلاة الركن الثاني من أركان الإسلام والقيام بها في وقتها المحدد شرعاً، قال تعالى (إًنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمًنًينَ كًتَاباً مَّوْقُوتاً) [النساءـ103]، والمؤذن عندما يرفع الأذان فصوته محبب إلى كل مؤمن ومؤمنة، ويبعث على الراحة والطمأنينة فهو ذكر لله، وذكر الله فيه الطمأنينة، قال تعالى (أَلاَ بًذًكْرً اللّهً تَطْمَئًنُّ الْقُلُوبُ) [الرعدـ28].

والأذان خير معين على طاعة الله، فعند سماعه يتم التوقف عن مشاغل الدنيا، ويبدأ الاستعداد للصلاة بالتوجه للوضوء الذي به تحصل الطهارة الحسية بغسل أعضاء الوضوء، قال تعالى (إًذَا قُمْتُمْ إًلَى الصَّلاةً فاغْسًلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدًيَكُمْ إًلَى الْمَرَافًقً وَامْسَحُواْ بًرُؤُوسًكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إًلَى الْكَعْبَينً) [المائدةـ6].

فالمصلي دائماً طاهر ونظيف لكثرة وضوئه، وبذلك تتحقق الطهارة الحسية، وأما الصلاة فهي طهارة له من الآثام الناتجة عن الغفلة والمعاصي، عن أبي هريرةـ رضي الله عنهـ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟" قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال "فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا". [رواه البخاري ومسلم].

وهذه الصلاة إذا أديت باستمرار وعلى الوجه المشروع مع تحري الخشوع فيها، فإنها ستكون حاجزاً عن الوقوع في المعاصي المذلة في الدنيا الموجبة للنار في الآخرة، قال تعالى (إًنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنً الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرً) [العنكبوتـ45]، فالصلاة أكبر زاد للآخرة إذا حقق العبد التوحيد وسلم من الشرك ورجا رحمة ربه، وحرص على محبته والعمل بما يرضيه، ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم ومتابعته، فإذا علمنا بأن نداء الحق (الأذان) هو إعلام بدخول وقت الصلاة، فإنه يطيب لنا أن يكون لنا وقفة مع هذا النداء من حيث الأحاديث الواردة في مشروعيته وفضله والأحكام الفقهية المتعلقة بالأذان مع بيان لمعاني كلماته، ودلالته على العقيدة الصحيحة.

مشروعية الأذان

شرع الأذان في السنة الأولى للهجرة في المدينة، عن عبدالله بن عمر» أنه قال: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون، فيتحينون الصلوات، وليس ينادي بها أحد، فتكلموا يوما في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: قرنا مثل قرن اليهود، فقال عمر: أولا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا بلال! قم، فناد بالصلاة".[رواه مسلم].

وقد رأى الصحابي عبد الله بن زيد رؤيا منامية فيها الدلالة على الطريقة التي ينادى بها للصلاة، فأخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم فأقرها الرسول صلى الله عليه وسلم.

عن عبد اللّه بن زيد قال:لما أمر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بالناقوس يعمل ليضرب به للناس لجمع الصلاة طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوساً في يده، فقلت: يا عبد اللّه» أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلُّك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت له بلى، قال: تقول: اللّه أكبر، اللّه أكبر، اللّه أكبر، اللّه أكبر، أشهد أن لا إله إلا اللّه، أشهد أن لا إله إلا اللّه، أشهد أن محمداً رسول اللّه، أشهد أن محمداً رسول اللّه، حَيَّ على الصلاة، حي على الصلاة، حَيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، اللّه أكبر، اللّه أكبر، لا إله إلا اللّه، قال: ثم استأخر عني غير بعيد، ثم قال: ثم تقول إذا أقمت الصلاة: اللّه أكبر، اللّه أكبر، أشهد أن لا إله إلا اللّه، أشهد أن محمداً رسول اللّه، حيّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، اللّه أكبر اللّه أكبر، لا إله إلا اللّه. فلما أصبحت أتيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما رأيت فقال: "إنها لرؤيا حقّ إن شاء اللّه، فقم مع بلالي فألق عليه ما رأيت فليؤذًّن به، فإًنه أندى صوتاً منك" فقمت مع بلال، فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به، قال: فسمع ذلك عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه وهو في بيته، فخرج يجرّ رداءه ويقول: والذي بعثك بالحق يا رسول اللّه لقد رأيت مثل ما رأى. فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "فللَّهً الحمد".

صفة الأذان

الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر

أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله

أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله

حي على الصلاة حي على الصلاة

حي على الفلاح حي على الفلاح

الله أكبر الله أكبر

لا إله إلا الله

وهذه الصفة للأذان واردة في الأحاديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم وقد أجمع جمهور العلماء على أن هذه هي صفة الأذان المشروعة، وفي صلاة الفجر زيادة (الصلاة خير من النوم) بعد حي على الفلاح، وفي الإقامة يؤتى ذكر الأذان نفسه وتراً، ويقال بعد حي على الفلاح (قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة) ففي الأذان ورد الذكر شفعاً وفي الإقامة وتراً.

معاني كلمات الأذان

الله أكبر: دالة على تعظيم ذات الإله فهو أكبر من كل شيء وهو الإله الذي تتجه إليه القلوب بالمحبة والتعظيم، ويلهج اللسان بذكره، ويجب ألا يشغل شاغل عن عبادته لا الدنيا ولا غيرها من الأهل والأصحاب.

أشهد: أقر واعترف، أن لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله وحده لا شريك له.

أشهد أن محمداً رسول الله: الإقرار بأن محمداً رسول من الله مبعوث للعالمين كافة، ويلزم من ذلك إتباعه والسير على هديه صلى الله عليه وسلم.

حي على الصلاة: (حي) اقبلوا وتعالوا، (على الصلاة) إلى أداء فريضة الصلاة، حي على الفلاح: (الفلاح) لغة الفوز، قال في الصحاح: (الفلاح) الفوز والنجاة، حي على الفلاح: أي اقبل على النجاة والفوز، لأن الإقبال على الصلاة سبب لرضا الله والفوز بالجنة، والنجاة من النار.

دلالة الأذان على العقيدة الصحيحة

بمعرفة معاني كلمات الأذان يتضح لنا أنه متضمن للعقيدة الصحيحة التي يجب على البشر معرفتها واعتناقها والعمل بمقتضاها، وإعلانها على مسامع الناس كافة، فالأذان بدأ بتعظيم الله ثم بالشهادتين، قال النووي في كتابه [شرح صحيح مسلم]:( قال القاضي عياض: "وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَذَان كَلًمَة جَامًعَة لًعَقًيدَةً الْإًيمَان مُشْتَمًلَة عَلَى نَوْعَيْهً مًنْ الْعَقْلًيَّات وَالسَّمْعًيَّات، فَأَوَّله إًثْبَات الذَّات، وَمَا يَسْتَحًقّهُ مًنْ الْكَمَال وَالتَّنْزًيه عَنْ أَضْدَادهَا وَذَلًكَ بًقَوْله : ( اللَّه أَكْبَر )، وَهَذًهً اللَّفْظَة مَعَ اًخْتًصَار لَفْظهَا دَالَّة عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، ثُمَّ صَرَّحَ بًإًثْبَاتً الْوَحْدَانًيَّة وَنَفْي ضًدّهَا مًنْ الشَّرًكَة الْمُسْتَحًيلَة فًي حَقّه سُبْحَانه وَتَعَالَى، وَهَذًهً عُمْدَة الْإًيمَان وَالتَّوْحًيد الْمُقَدَّمَة عَلَى كُلّ وَظَائًف الدًّين، ثُمَّ صَرَّحَ بًإًثْبَاتً النُّبُوَّة وَالشَّهَادَة بًالرًّسالة لنبينا صَلَّى الله عَلَيْهً وَسَلَّمَ وَهًيَ قَاعًدَة عَظًيمَة بَعْد الشَّهَادَة بًالْوَحْدَانًيَّةً، وَمَوْضًعهَا بَعْد التَّوْحًيد ; لًأَنَّهَا مًنْ بَاب الْأَفْعَال الْجَائًزَة الْوُقُوع، وَتًلْكَ الْمُقَدًّمَات مًنْ بَاب الْوَاجًبَات، وَبَعْد هَذًهً الْقَوَاعًد كَمُلَتْ الْعَقَائًد الْعَقْلًيَّات فًيمَا يَجًب وَيَسْتَحًيل وَيَجُوز فًي حَقّه سُبْحَانه وَتَعَالَى، ثُمَّ دَعَا إًلَى مَا دَعَاهُمْ إًلَيْهً مًنْ الْعًبَادَات فَدَعَاهُمْ إًلَى الصَّلَاة وَعَقَّبَهَا بَعْد إًثْبَات النُّبُوَّة لًأَنَّ مَعْرًفَة وُجُوبهَا مًنْ جًهَة النَّبًيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهً وَسَلَّمَ لَا مًنْ جًهَة الْعَقْل، ثُمَّ دَعَا إًلَى الْفَلَاح وَهُوَ الْفَوْز وَالْبَقَاء فًي النَّعًيم الْمُقًيم، وَفًيهً إًشْعَار بًأُمُورً الْآخًرَة مًنْ الْبَعْث وَالْجَزَاء، وَهًيَ آخًر تَرَاجًم عَقَائًد الْإًسْلَام، ثُمَّ كَرَّرَ ذَلًكَ بًإًقَامَةً الصَّلَاة لًلْإًعْلَامً بًالشُّرُوعً فًيهَا، وَهُوَ مُتَضَمًّن لًتَأْكًيدً الْإًيمَان وَتَكْرَار ذًكْره عًنْد الشُّرُوع فًي الْعًبَادَة بًالْقَلْبً وَاللًّسَان، وَلًيَدْخُل الْمُصَلًّي فًيهَا عَلَى بَيًّنَة مًنْ أَمْره وَبَصًيرَة مًنْ إًيمَانه، وَيَسْتَشْعًر عَظًيم مَا دَخَلَ فًيهً وَعَظَمَة حَقّ مَنْ يَعْبُدهُ، وَجَزًيل ثَوَابه") أ هـ.

لو تأملنا هذه المعاني العظيمة لكلمات الأذان عند سماع الأذان لكانت حافزاً إلى تنقية العقيدة مما يشوبها من تعلق بغير الله أو مخالفة لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت باعثاً إلى القيام بأداء الصلاة بخفة ونشاط وهمة مع شعور بالمغنم ورجاء لعظيم الجزاء المترتب على عبادة الله والاستجابة لأمره، ونحن ندرك أن كثيراً من المسلمين والمسلمات يعظمون هذا النداء ويفرغون أنفسهم للاستجابة له، والقيام بما أوجب الله عليهم زادهم الله عزاً وشرفاً بطاعته وبلغهم ما يؤملون، وبإذن الله يكون للموضوع تكملة والله الموفق.



عبد الرحمن بن ندى العتيبي



تاريخ النشر: الاثنين 19/11/2007

جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127