الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

مساجد الضرار (2) الشيخ عبدالرحمن العتيبي

أضيف بتاريخ : 07 / 08 / 2008
                                


مساجد الضرار (2)

الحمد لله عالم السر وأخفى والصلاة والسلام على نبيه محمد المصطفى وبعد:

فقد بيّنا فيما سبق قصة مسجد الضرار المذكورة في قوله تعالى (وَالَّذًينَ اتَّخَذُواْ مَسْجًداً ضًرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرًيقاً بَيْنَ الْمُؤْمًنًينَ) [التوبةـ107] إلى قوله تعالى (وَاللّهُ عَلًيم حَكًيم) الآية 110 من سورة التوبة، ومسجد الضرار الذي بناه المنافقون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان هدفهم من بنائه تفريق صف المؤمنين وليصبح مكاناً يجتمع فيه أهل النفاق لمحاربة الإسلام وأهله، فنهى الله نبيه عن الصلاة فيه، واستئصالاً للشر هدم مسجد الضرار، وما زلنا في دراسة العبر والأحكام من الآيات الواردة في مسجد الضرار.

يقول ابن سعديـ رحمه اللهـ: (وفي هذه الآيات عدة فوائد:

منها: أن اتخاذ المسجد الذي يقصد به الضرار لمسجد آخر بقربه، أنه محرم وأنه يجب هدم مسجد الضرار الذي أطلع على مقصود أصحابه.

ومنها: أن العمل وإن كان فاضلاً تغيره النية، فينقلب منهياً عنه كما قلبت نية أصحاب مسجد الضرار عملهم إلى ما ترى.

ومنها: أن كل حالة يحصل بها التفريق بين المؤمنين، فإنها من المعاصي التي يتعين تركها وإزالتها.

كما أن كل حالة يحصل بها الجمع بين المؤمنين وائتلافهم، يتعين اتباعها، والأمر بها والحث عليها.

ومنها: أن النهي عن الصلاة في أماكن المعصية، والبعد عنها وعن قربها.

ومنها: أن المعصية تؤثر في البقاع كما أثرت معصية المنافقين في مسجد الضرار، ونهي عن القيام فيها.

ومنها أن كل عمل فيه مضارة لمسلم، أو فيه معصية لله، أو فيه معاونة لمن عادى الله ورسوله، فإنه محرم ممنوع.

ومنها: أن العمل المبني على الإخلاص والمتابعة، هو العمل المؤسس على التقوى الموصل لعامله إلى جنات النعيم، والعمل المبني على سوء القصد، وعلى البدع والضلال، هو العمل المؤسس على (شفا جرف هاري، فانهار به في نار جهنم) أ هــ [تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان].



المنافقون ومسجد الضرار



سميت سورة التوبة التي وردت قصة مسجد الضرار فيها بــ (الفاضحة) لأنها فضحت المنافقين، وكشفت نواياهم السيئة، وكيدهم للمسلمين وتربصهم به، ومن ذلك بناؤهم لمسجد الضرار، وهذا الصنف من الناس يظهر الإسلام، ويبطن الكفر، وهنا مكمن الخطر، قال تعالى (وَإًذَا لَقُواْ الَّذًينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإًذَا خَلَوْاْ إًلَى شَيَاطًينًهًمْ قَالُواْ إًنَّا مَعَكْمْ إًنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزًئُونَ) [البقرةـ14].

وأهل النفاق يمكن أن يوجدوا في أي زمن خاصة إذا كانت الرفعة للإسلام، فليحتط منهم حتى لا يتمكنوا من تنفيذ مخططاتهم ضد المسلمين، وهم يتسترون تحت المطالبة بحرية التعبير، والتيسير على الناس حتى يتحللوا من أحكام دين الإسلام، والقول في الإسلام لأهل العلم الشرعي الذين يعرفون أحكامه، وليس القول فيه لأهل الأهواء الذين فتنوا بالكفار فأخذوا يقلدونهم، وبدأوا يحرفون دين الإسلام بحسب ما تراه عقولهم القاصرة، مخالفين العبودية لله التي هي الاستسلام لأمر الله دون مراجعة، وذلك مقتضى الإيمان الصادق، قال تعالى (وَمَا كَانَ لًمُؤْمًن وَلَا مُؤْمًنَة إًذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخًيَرَةُ مًنْ أَمْرًهًمْ) [الأحزابـ36]، فأهل النفاق يريدون هدم الإسلام وهناك من يوافقهم دون أن يشعر أنه مثلهم، ومن خلال متابعة أقوالهم وأفعالهم يمكن أن يعرفوا، قال تعالى (وَلَتَعْرًفَنَّهُمْ فًي لَحْنً الْقَوْلً وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ) [محمدـ30]، فالإسلام عليهم ثقيل ولا يتحمسون لنصرته، ويجب على المسلمين صدهم عن غيهم وبيان سوء عاقبتهم عسى ذلك أن يحدث لهم توبة تنفعهم عند الله، ولعلهم يكفوا عن الغمز واللمز والاستهزاء بتعاليم دين الإسلام أو أهله العاملين به الداعين إليه، فأهل النفاق لهم أشد العقوبة عند الله، قال تعالى (إًنَّ الْمُنَافًقًينَ فًي الدَّرْكً الأَسْفَلً مًنَ النَّارً) [النساءـ145]، وكفى بهذا الوعيد رادعاً لمن كان في قلبه إيمان نسأل الله السلامة والعافية.



الغيرة على دين الله



كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يغضب لنفسه، فإذا انتهكت محارم الله اشتد غضبه وأنكر المنكر وبين الحق ولم يجامل ولم تأخذه في الله لومة لائم، وكل من رأى منكراً وجب عليه إنكاره بحسب استطاعته، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) [رواه مسلم].

ويراعى عند الإنكار ضوابط الإنكار المؤدية إلى المصلحة وإلى إزالة المنكر ومنعه، ومما يجب إنكاره بناء مساجد الضرار، فلا يجوز الإذن للفرق الباطلة ببناء مساجد مخالفة لمساجد المسلمين، لأن ذلك يؤدي إلى تفريق صف المسلمين وإلى ممارسة شعائر مخالفة لدين الإسلام، وهنا شبهة يتعلق بها غلاة التكفير وهي اعتبارهم للمساجد التي تشرف عليها الدولة أنها مساجد ضرار، فيتخلفون عن الصلاة في المساجد بهذه الحجة وهذا فهم خاطئ ناتج عن سوء تلقي للعلم الشرعي، وجهل بكتاب الله، وجرأة في إصدار الأحكام، وشذوذ عن جماعة المسلمين، وأما مساجد الضرار على الحقيقة فقد علمنا صفتها، وغيرة لدين الله يجب هجرها وعدم الإذن ببنائها، والمساهمة في إزالتها وكل ينكر بحسب استطاعته، حمى الله المسلمين من أهل الباطل وكيدهم.



البناء والأساس المتين



بيّن الله تبارك وتعالى أن مسجد الضرار لم يؤسس بنيانه على تقوى من الله، فلذلك انهار بأصحابه في نار جهنم، فالاهتمام بأساس البنيان ضروري، سواء كان البنيان مادياً كمن يبني منزلاً أو كان بنياناً نفسياً يحصل فيه الفرد على عقيدة صحيحة راسخة وإيمان قوي لا تؤثر فيه الشهوات أو الشبهات، ولابن القيم كلام تربوي في الحث على الاعتناء بقوة أساس البنيان النفسي المؤدي إلى قوة الإيمان وقد ذكره في كتاب (الفوائد) يقول فيه:(من أراد علو بنيانه فعليه بتوثيق أساسه وإحكامه وشدة الاعتناء به، فإن علو البنيان على قدر توثيق الأساس وإحكامه، فالأعمال والدرجات بنيان وأساسها الإيمان ومتى كان الأساس وثيقاً حمل البنيان واعتلى عليه، وإذا كان الأساس غير وثيق، لم يرتفع البنيان ولم يثبت، وإذا تهدم شيء من الأساس سقط البنيان، فالعارف همته تصحيح الأساس وإحكامه، والجاهل يرفع في البناء من غير أساس فلا يلبث بنيانه أن يسقط، قال تعالى (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مًنَ اللّهً وَرًضْوَان خَيْر أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُف هَار فَانْهَارَ بًهً فًي نَارً جَهَنَّمَ) فالأساس لبناء الأعمال كالقوة لبدن الإنسان فإذا كانت القوة قوية، حملت البدن ودفعت عنه كثيراً من الآفات وإذا كانت القوة ضعيفة ضعف حملها للبدن، وكانت الآفات إليه أسرع شيء، فاحمل بنيانك على قوة أساس الإيمان وهذا الأساس أمران: صحة المعرفة بالله وأمره وأسمائه وصفاته.

والثاني تجريد الانقياد له ولرسوله دونما سواه، فهذا أوثق أساس أسس العبد عليه بنيانه، وبحسبه يعتلي البناء ما شاء، فاحكم الأساس واحفظ القوة.

فإن كمل البناء فبيضه بحسن الخلق والإحسان إلى الناس، ثم حطه بسور من الحذر لا يقتحمه عدو، ثم أقفل الباب الأعظم بالسكون عما تخشى عاقبته، ثم ركب له مفتاحاً من ذكر الله، به تفتحه وبه تغلقه، فتكون حينئذ قد بنيت حصناً تحصنت به من أعدائك، ثم تعاهد بناء الحصن كل وقت، فإن العدو إذا لم يطمع في الدخول من الباب نقب عليك النقوب من بعيد بمعاول الذنوب، فإن أهملت أمره وصل إليك النقب، فإذا العدو معك في داخل الحصن فيصعب عليك إخراجه، وهذه حال أكثر النفوس مع هذا العدو، ولهذا تراهم يسخطون ربهم برضا أنفسهم، بل برضا مخلوق مثلهم، لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً، ويضيعون كسب الدين بكسب الأموال ويهلكون أنفسهم بما لا يبقى لهم، ويحرصون على الدنيا وقد أدبرت عنهم ويزهدون في الآخرة وقد هجمت عليهم ويخالفون ربهم باتباع أهوائهم ويتكلون على الحياة ولا يذكرون الموت ويفرحون بالدنيا ولا يفرحون بالإيمان فرحهم بالدرهم والدينار، ويفسدون حقهم بباطلهم) أ هـ

ومن خلال قصة مسجد الضرار تظهر لنا عظمة كتاب الله وأنه شامل، وقد فضح مخططات أعداء الإسلام ونبه إلى الحذر منه، وبين فضل تقوى الله وأنه الأساس المتين فكتاب الله أنزل ليقرأ بتدبر وتمعن ويستفاد مما فيه، ويعمل به، وفق الله المسلمين إلى تحكيم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في جميع شؤون حياتهم وحفظ الله البلاد والعباد من كيد الأعداء والحمد لله رب العالمين.



عبد الرحمن بن ندى العتيبي



تاريخ النشر: الاثنين 12/11/2007

جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127