الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

مساجد الضرار (1) الشيخ عبدالرحمن العتيبي

أضيف بتاريخ : 07 / 08 / 2008
                                


مساجد الضرار (1)

المساجد هي دور العبادة التي يجب أن يكون القصد من بنائها ابتغاء مرضاة الله، وأن تقام فيها فريضة الصلاة، وألا يحدث فيها ما ينافي عبادة الله لا في القول ولا في العمل، قال تعالى (وَأَنَّ الْمَسَاجًدَ لًلَّهً فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهً أَحَداً) [الجنـ18]، فإذا كان الغرض من بنائها تفريق صف المسلمين وإقامة طقوس منافية لعبادة الله المشروعة أصبحت هذه المساجد مشابهة لمسجد الضرار الذي بناه المنافقون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ونهى الله نبيه عن الصلاة فيه، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بهدمه، قال تعالى (وَالَّذًينَ اتَّخَذُواْ مَسْجًداً ضًرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرًيقاً بَيْنَ الْمُؤْمًنًينَ وَإًرْصَاداً لًّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مًن قَبْلُ) [التوبةـ107].

قال ابن كثيرـ رحمه اللهـ: سبب نزول هذه الآيات أنه كان بالمدينة قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم إليها رجل يقال له أبو عامر الراهب وكان قد تنصر في الجاهلية وكان فيه عيادة وله شرف في الخزرج كبير، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجراً وأظهرهم الله يوم بدر، بارز أبو عامر بالعداوة وظاهر بها، وخرج فاراً إلى كفار مكة، يمالئهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدموا عام أحد، فكان من أمر المسلمين ما كان، وامتحنهم الله وكانت العاقبة للمتقين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعا أبو عامر قبل فراره فأبى أن يسلم وتمرد، فلما فرغ الناس من أحد ورأى أمر الرسول صلى الله عليه وسلم في ارتفاع وظهور، ذهب إلى هرقل ملك الروم يستنصره على النبي صلى الله عليه وسلم فوعده ومنّاه وأقام عنده فكتب إلى جماعة من قومه من الأنصار من أهل النفاق يعدهم ويمنيهم أنه سيقدم بجيش يقاتل به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويغلبه ويرده عما هو فيه، وأمرهم أن يتخذوا له معقلاً يقدم عليهم فيه من يقدم من غيره لأداء كتبه ويكون مرصداً له إذا قدم عليه بعد ذلك، فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء فبنوه وأحكموه وفرغوا منه قبل خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك وجاءوا فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي إليهم فيصلي في مسجدهم ليحتجوا بصلاته فيه على تقريره وإثباته، وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية، فعصمه الله من الصلاة فيه وقال (إنا على سفر ولكن إذا رجعنا إن شاء الله) فلما قفل عليه السلام راجعاً إلى المدينة من تبوك ولم يبق بينه وبينها إلا يوم نزل عليه جبريل بخبر المسجد وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك المسجد من هدمه قبل مقدمه إلى المدينة.



تفسير الآيات التي ذكر فيها مسجد الضرار

قال تعالى (وَالَّذًينَ اتَّخَذُواْ مَسْجًداً ضًرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرًيقاً بَيْنَ الْمُؤْمًنًينَ وَإًرْصَاداً لًّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مًن قَبْلُ وَلَيَحْلًفَنَّ إًنْ أَرَدْنَا إًلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إًنَّهُمْ لَكَاذًبُونَ لاَ تَقُمْ فًيهً أَبَداً لَّمَسْجًد أُسًّسَ عَلَى التَّقْوَى مًنْ أَوَّلً يَوْم أَحَقُّ أَن تَقُومَ فًيهً فًيهً رًجَال يُحًبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحًبُّ الْمُطَّهًّرًينَ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مًنَ اللّهً وَرًضْوَان خَيْر أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُف هَار فَانْهَارَ بًهً فًي نَارً جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدًي الْقَوْمَ الظَّالًمًينَ لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذًي بَنَوْاْ رًيبَةً فًي قُلُوبًهًمْ إًلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللّهُ عَلًيم حَكًيم) [التوبة:107ـ110]، المنافقون هم الذين بنوا مسجد الضرار وقاموا ببنائه (ضراراً) أي مضارة للمسلمين فقد بني لأهداف مشبوهة (وَكُفْراً وَتَفْرًيقاً بَيْنَ الْمُؤْمًنًينَ) المطلع على السرائر هو الله فبين سبحانه أهدافهم وهي شق صف المسلمين وإحداث الفرقة بينهم، فقد بنوا مسجدهم بجانب مسجد قباء، والحامل هلم على هذا العمل هو الكفر (وَإًرْصَاداً لًّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مًن قَبْلُ) قبل هو أبو عامر الراهب فإنهم أرادوا أن يكون المسجد قاعدة له في المدينة يجتمع فيه أنصاره (وَلَيَحْلًفَنَّ إًنْ أَرَدْنَا إًلاَّ الْحُسْنَى) عندما قالوا أردنا ببنائه مراعاة حال الضعفاء ولليلة الشاتية المطيرة وهم لا يأبهون بعظمة القسم فيحلفون على الكذب لإثبات باطلهم (وَاللّهُ يَشْهَدُ إًنَّهُمْ لَكَاذًبُونَ) فيما قالوا فقد بنوه لمآرب أخرى (لاَ تَقُمْ فًيهً أَبَداً) نهى الله نبيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في مسجد الضرار ولا تقم أي لا تصلي فيه لأنه يقال قام إلى الصلاة أو قام يصلي ومنه قيام الليل أي صلاة الليل (لَّمَسْجًد أُسًّسَ عَلَى التَّقْوَى مًنْ أَوَّلً يَوْم أَحَقُّ أَن تَقُومَ فًيهً) قيل مسجد قباء وقيل مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا يعني أن مسجد الضرار لم يؤسس على التقوى، (فًيهً رًجَالي يُحًبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ) الطهارة المعنوية من الكفر والنفاق والشرك، والطهارة الحسية من النجاسات، (وَاللّهُ يُحًبُّ الْمُطَّهًّرًينَ) إثبات صفة المحبة لله كما يليق بجلاله، ولا يستوي من أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان مع من أسس بنيانه على (شفا) حافة (جُرُف هَار فَانْهَارَ بًهً فًي نَارً جَهَنَّمَ) ضعيف فسقط به في نار جهنم ومن كان ظالماً وتأصل النفاق في نفسه تكون الهداية بعيدة عنه، (لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذًي بَنَوْاْ رًيبَةً فًي قُلُوبًهًمْ) لأنهم عندما هدمه النبي صلى الله عليه وسلم حقدوا عليه (إًلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ) قبل بالموت، (وَاللّهُ عَلًيم حَكًيم) لا تخفى عليه السرائر ولا يستطيع أهل النفاق خداعه سبحانه وبحمده.



المسجد الذي أُسس على التقوى

قيل أنه مسجد قباء بما يناسب الآية الكريمة من سورة التوبة وقصة مسجد الضرار، ومسجد قباء ورد في فضله أحاديث منها ما يدل على أن الصلاة فيه بأجر عمرة وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقصده للصلاة فيه، ويسن لمن ذهب إلى المدينة النبوية أن يذهب إليه للصلاة فيه، وقيل أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم الذي في جوف المدينة، وقد أمر ببنائه النبي صلى الله عليه وسلم عندما قدم إلى المدينة وفي حديث مسلم لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن المسجد الذي أسس على التقوى قال (مسجدكم هذا) وللجمع بين القولين فإن مسجد قباء أسس على التقوى وقصد ببنائه وجه الله، والقيام بعبادة الله فيه، ومن يرتاده هم أناس اتقياء، فإذا كان الأمر كذلك بالنسبة لمسجد قباء فمسجد الرسول صلى الله عليه وسلم من باب أولى فقد تم بناؤه بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الذي تولى إمامة الناس فيه ومن يرتاده هم الصحابة الأتقياء وعلى هذا يكون لا منافاة بين القول إن مسجد قباء أسس على التقوى وأن مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم أسس على التقوى.



مساجد المسلمين

من يبني مسجداً يجب أن يكون الدافع له هو ابتغاء الأجر والثواب من الله فإن من يبني مسجداً يبنى له بيت في الجنة.

عن عبيد الله الخولاني أن سمع عثمان بن عفانـ رضي الله عنهـ يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من بنى مسجداً يبتغي به وجه الله بنى الله الله له مثله في الجنة) [رواه البخاري ومسلم].

وعلى من أراد بناء مسجد أن يراعي الهدف المنشود من إنشاء المساجد للمسلمين وهو عبادة الله وحده وإقامة ذكر الله فمساجد المسلمين هي المساجد التي تقام فيها الصلوات الخمس جماعة وصلاة الجمعة وخطبتها وغيرها من أنواع الصلوات الأخرى كصلاة الكسوف وصلاة الاستسقاء والعيد، وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على جنازة في المسجد، وهذه المساجد تقام فيها حلق القرآن لتلاوة كتاب الله وحفظه وتعقد فيها المحاضرات ودروس العلم الشرعي ليتفقه الناس في دينهم وتلقى في المساجد المواعظ المستمدة من كتاب الله ومن الأحاديث النبوية التي بذكر هذه الأحاديث تتم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ولهذه المواعظ الأثر الفعال في حث الناس على العمل للآخرة والرغبة بما فيها من جنات، والرهبة مما فيها من عقوبة شديدة لمن خالف أمر الله وعصاه، والمواعظ هي المحفز لباقي الأعمال المشروعة من عبادة أو طلب علم، وأما الدروس العلمية فهي الطريق الموصل إلى فهم دين الإسلام الفهم الصحيح، وترسيخ عقيدة التوحيد ونبذ ما يخالفها من الشرك والكفر والنفاق، وأي عمل شرعي يمكن أن ينطلق من المسجد وفيه يتم التآلف بين أهل الحي والاجتماع على ما ينفع فشأن المسجد في الإسلام عظيم، والمساجد لعبادة الله وحده ولا يجوز أن تقام فيها أي طقوس شاذة وبعيدة عن دين الإسلام مستقاة من الأديان الأخرى أو موروث لأمم قد أسلمت وبقي معها شيء من رواسب ماضيها وعاداتها وتريد أن تجعله من دين الإسلام، ويحرم أن تقام في المساجد البدع المحدثة من قبل الجهلة والضلال، ولا يجوز أن يدفن فيها الأموات لأن ذلك يؤدي إلى أن يقصد الجهال القبر ويصبح التعظيم والدعاء منصرف لصاحب القبر وفي هذه الحالة يفقد المسجد دوره في كونه مكاناً لعبادة الله وحده، ولذلك ندعو إلى أن تكون المساجد لعبادة الله وحده لا شريك له، والمحافظة على المساجد من أن يدنسها أي بدعة أو أي عمل فيه شرك أو ما كان ذريعة إلى الشرك وإن شاء الله نكمل الحديث عن مساجد الضرار في العدد القادم ونعرض لما يتعلق بالموضوع من جوانب أخرى، والله الموفق.



عبد الرحمن بن ندى العتيبي



تاريخ النشر: الاثنين 5/11/2007

جريدة الوطن الكويتية

اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127