الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

افرح أيها الصائم - الشيخ عبدالرحمن العتيبي

أضيف بتاريخ : 07 / 08 / 2008
                                


افرح أيها الصائم



الحمد لله الذي بلغنا رمضان وجعلنا من صوامه وقوامه والصلاة والسلام على خير من صلى وصام نبينا وآله وصحبه وسلم.

نبارك لكم هذا الشهر الكريم، إن الفرح هو السرور والبهجة وهو أمر محبب لكل نفس.



للصائم فرحتان



قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «للصائم فرحتان فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه» [رواه البخاري].

«الفرح عند فطره»، قال القرطبي: معناه فرح بزوال جوعه وعطشه حيث أبيح له الفطر وهذا فرح طبيعي وقيل إن فرحه بفطره إنما هو من حيث تمام صومه وإعانة الله له على هذه العبادة ورجاء ثوابها.

وقال ابن حجرـ رحمه اللهـ: ففرح كل أحد بحسبه لاختلاف مقامات الناس في ذلك فمنهم من يكون فرحه مباحا وهو الطبيعي، ومنهم من يكون فرحه مستحبا، وهو فرح من يفرح بفوزه بهذه العبادة.

«الفرح الثاني» وإذا لقي ربه فرح بصومه أي يفرح بجزاء صومه وثوابه وقيل سروره بربه وبالجزاء الذي ترتب على صومه.



افرح أيها الصائم لأنك قد بلغت رمضان



الأعمار بيد الله ولا يعلم نهاية الأجل ومكانه إلا الله، قال تعالى }وما تدري نفس بأي أرض تموت)، لكن من يعبد الله يفرح بالمهلة في الدنيا لكي يزداد في الطاعة وخاصة في الأزمنة الفاضلة التي يتضاعف فيها الأجر، وشهر رمضان معظّم، قال تعالى }شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) [البقرةـ 185].

تأملوا كم من نفس رحلت عن الدنيا في شعبان فمن بلغ رمضان فليفرح به وليزدد من الطاعة والخير ولنستغل هذه الأعمار فإنها محدودة ونتزود بما يقرب إلى الله وينفع في الآخرة.

تزود لنفسك قبل الرحيل

فلا زاد للمرء مثل التقى

ومن يفتقد في غدي زاده

يجد باب نعمائه مغلقا



افرح أيها الصائم فالصوم جُنّة



عن أبي هريرةـ رضي الله عنهـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الصيام جُنَّة وإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل» [رواه البخاري].

«جُنَّة» وقاية وستر من النار، أو ستر من المعاصي فإن النفس مع الصوم تضعف شهوتها وبذلك يبتعد صاحبها عن المعاصي.

«الرفث» الكلام الفاحش أو الجماع أو المعاصي وكلها على الصائم أن يتجنبها، فمنها ما يفسد الصوم ومنها ما ينقص أجره.



افرح أيها الصائم فالصوم كفارة للذنوب ورمضان سبب لمغفرتها



فكل منا يحتاج إلى أن تكفر ذنوبه وتمسح من صفحته وتستر عليه، وكذلك الصوم كفارة لها، قال عمرـ رضي الله عنهـ: من يحفظ حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم في الفتنة؟ قال حذيفة: أنا سمعته يقول فتنة الرجل في أهله وماله وجاره تكفرها الصلاة والصيام والصدقة. [رواه البخاري].

وعند مسلم من حديث أبي هريرةـ رضي الله عنهـ عن النبي صلى الله عليه وسلم «الصلوات الخمس ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر».

وقال صلى الله عليه وسلم :«من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» [رواه البخاري].

«إيمانا واحتسابا» إيمانا بالله وامتثالا لأمره وإيمانا بوعده واحتسابا للأجر وليس عادة أو مع الناس بل لله.



افرح فالصيام جزاؤه عظيم لا يعلمه إلا الله



قال تعالى }إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب)، والصيام من الصبر، بل هناك من فسر «الصابرون» بالصائمين وإن كانت الآية عامة.

جاء في الحديث القدسي الذي أخرجه البخاري عن أبي صالح الزيات أنه سمع أبا هريرةـ رضي الله عنهـ يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«قال الله: كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به».

«فإنه لي» قال ابن حجر: وقد اختلف العلماء في قوله تعالى «إلا الصيام فإنه لي» مع أن الأعمال كلها له وهو الذي يجزي بها على أقوال، أحدها: أن الصوم لا يقع فيه الرياء كما يقع في غيره، ثانيها: انفرد بعلم مقدار ثوابه، قال القرطبي: إن الأعمال قد كشفت مقادير ثوابها للناس الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله إلا الصيام فإن الله يثيب عليه بلا تقدير.

ومن العلماء من قال إضافة تشريف، فقال الله «إلا الصيام فإنه لي» وعلى ذلك نفرح لعظم الأجر المترتب على الصيام ولا ننسى أن الصيام يستغرق جميع النهار من الفجر حتى المغرب فهذا الوقت كله للصائم عبادة سواء كان مستيقظا أو نائما (ولكن لا يكون نائما عن الصلاة في وقتها) سواء كان متحدثا أو صامتا كله عبادة، لأنه متلبس بالصيام وهكذا يكون قد استغل أغلب يومه في طاعة الله وهذا مكسب ومزية للصيام.



افرح أيها الشاب فإن الصيام حماية



قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء»، وهنا يحث النبي صلى الله عليه وسلم إلى علاج طيب نافع في الدنيا ويجد ثوابه في الآخرة من لم يستطع الزواج فعليه بالصوم، والوجاء هو الخصاء ومن يفعل ذلك تنقطع شهوته أو تضعف.

ومعناه أن الصوم قامع لشهوة النكاح فمن يخف على نفسه العزوبة وما ينشأ عنها من إرادة الوقوع في العنت فعليه بالصوم فإنه علاج مؤقت حتى ييسر الله الأمور ويتزوج.

افرح ففي رمضان تسلسل الشياطين وتغلق أبواب جهنم

نجد في رمضان تمتلئ المساجد ويزداد فعل الخير وهذا دليل على قلة حركة الشياطين فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم «إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين» [رواه البخاري].

إذاً الشياطين يقل إغواؤهم للناس وللمسلمين خاصة لانشغالهم بالصيام و الطاعة، فإن كان هناك من لم يستفد من هذه المزية لرمضان لأنه قد انتهت منه الشياطين فهو زائغ منحرف في عداد شياطين الإنس التي تفسد ولا تصلح.



افرح ففي رمضان تفتح أبواب الجنة



وللصائمين باب خاص اسمه « الريان» عن أبي هريرةـ رضي الله عنهـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

«إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة» وعن سعد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن في الجنة بابا يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد» [رواه البخاري].



«خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك»



عن أبي هريرةـ رضي الله عنهـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» [رواه البخاري].

«خلوف فم الصائم» تغير رائحة فم الصائم بسبب الصيام وهذا يدل على فضيلة الصيام وقيل في معناه: أن الله يجزيه في الآخرة فتكون نكهته أطيب من ريح المسك، كما يأتي المكلوم «الذي جرح في سبيل الله» لونه لون الدم وريح جرحه تفوح مسكا.

أقسم النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الخير الذي يحصل للصائم فكيف لا نفرح وأن يكون تطهيرا للنفوس من المعاصي والآثام وزيادة في الإيمان وعمل الطاعات والاستمرار على هذا الخير بعد هذا الشهر وعبادة الله في رمضان وغير رمضان وترك ما يغضبه.



افرح أيها الصائم ففي رمضان ليلة القدر



كانت الأمم السابقة تعيش أزمنة طويلة وهذه الأمة جعلت آخرها ولكن جعل الله لها أزمنة يتضاعف فيها الأجر وتكون شريفة ومنها ليلة القدر قال تعالى }ليلة القدر خير من ألف شهر) [القدرـ 3] وألف شهر ما يقارب ثلاثا وثمانين سنة فهي ليلة في السنة ذات قدر وشرف وعظيمة ولا تكون إلا في شهر الصومـ رمضانـ فيسن إحياؤها بصلاة القيام والدعاء فيها، فلنتحرها ونفرح بها وبشهر هي فيه ونفرح بكل ما يقرب إلى الله فالمؤمن من سرته حسنته وساءته معصيته.

نسأل الله أن يقبلنا في هذا الشهر الكريم فإنه جواد كريم وأن يجعلنا من الفرحين بما آتاهم الله من فضله وأن ينزل على قبور الأموات من المسلمين الفرح والبهجة والسرور وأن يجعله شهر نصر للإسلام ويغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والأموات.



عبد الرحمن بن ندى العتيبي



تاريخ النشر: الاثنين 25/9/2006

جريدة الوطن الكويتية

اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127