الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

العيد..وتأمّل في الحياة - الشيخ عبدالرحمن العتيبي

أضيف بتاريخ : 07 / 08 / 2008
                                


العيد..وتأمّل في الحياة

الحمد لله الذي أنعم علينا بإتمام الصيام وجعل لنا بعده العيد الذي يظهر فيه المسلم فرحه بما حصل له من قيام بتلك العبادة، وهكذا عيد الفطر تكون فيه مواساة الفقير بدفع زكاة الفطر إليه حتى يشارك إخوانه المسلمين الفرح، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن في ذلك إغناء لهم عن السؤال في يوم العيد وكذلك عيد الأضحى يكون فيه فرح بعد أداء ركن من أركان الإسلام وهو الحج، ولذلك لا يجوز صيام أول يوم من أيام عيد الفطر ولا يوم النحر وأيام التشريق بعده، وهي أيام عيد الأضحى، وقال النبي صلى الله عليه وسلم عنها: »أيام أكل وشرب« وكانت الحبشة تلعب في العيد ويسمح النبي صلى الله عليه وسلم لعائشةـ رضي الله عنهاـ برؤيتهم ويقول: »ليعلم أن في ديننا فسحة«.

ودين الإسلام جاء بالخير والرحمة للبشرية وجاء بالأفراح وإزالة الهموم فعن أبي هريرةـ رضي الله عنهـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: »من نفَّسَ عن مؤمن كربة من كُرب الدنيا نفّّسَ الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه« [رواه مسلم].

والكربة والفضيحة والحاجة تجلب الهم والغم، فحث الإسلام على مساعدة الآخرين في ذلك حتى تزول الهموم عن الجميع ومن يسعى بهذه الأعمال فله الجزاء الحسن في الدنيا بإزالة همه وفي الآخرة بالمثوبة، ولا يجوز حضور حفلات الرقص والطرب باسم الفرح، فهذا محرم، أو لعب القمار والسفر إلى أماكن يعصى الله فيها، فهذا ليس من شكر النعمة، بل مما يجلب النقمة، ومن طهره الله من الذنوب وغفرها له حري به ألا يعود إليها فلنفرح بما هو مباح وندخل السرور على غيرنا، فإدخال السرور على المسلم تؤجر عليه إذا كان عملك لله، وكما قال صلى الله عليه وسلم: »تبسمك في وجه أخيك صدقة«.

حاول التعود على إظهار التبسم لإخوانك المسلمين وللصغار خاصة، لأنهم سريعا ما يألفون من يبتسم لهم ويتخذونه قدوة لهم، وهم محل الشفقة والرحمة لبراءتهم، مع أنهم غالبا ما يتعرضون للتأنيب ممن حولهم وكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم مداعبة الصغار، فقد مر على صغير فسأله: »يا أبا عُمير ما فعل النُغير؟« (النغير: اسم طائر صغير لهذا الطفل).

ويكون في العيد التواصل بين الأرحام والسؤال عنهم لأن ذلك من الدين، قال تعالى (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله) [محمدـ 22].

فالقرابة هم أولى الناس بالصلة والمعروف ثم يتعدى المعروف لغيرهم، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن صلة الرحم توسع في الرزق.

الاعتبار في الحياة أمر الله به لكي نصل إلى تعظيم الخالق جل وعلا وحتى نستفيد مما حصل لغيرنا لتهون الدنيا علينا، قال تعالى (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت) [الغاشية: 17ـ20]، وحث ربنا على الاعتبار بما حصل للأمم السابقة وكيف أبيدت حضاراتهم وديارهم، قال تعالى (أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من واق) [غافرـ 21].

ومن هذا المنطلق ينبغي أخذ العبرة مما حولنا مما يساهم في زيادة الإيمان والمبادرة إلى العمل الصالح.

في بعض الأحيان أقيد بعض الفوائد التي أقرأها للعبرة والعظة وكان مما استوقفني قصيدة قالها صاحبها بمناسبة مرور العيد عليه وهو في حالة لم يكن عليها من قبل فقد خسر مملكته التي كان يحكمها وأسر وأدخل السجن ومر عليه العيد سجينا، وهذا الملك هو المعتمد بن عبادـ رحمه اللهـ وكان يحكم إحدى الدويلات الإسلامية التي كانت في الأندلس، تلك البلاد التي كانت للمسلمين، كان المعتمد بن عباد ملكا فأصبح أسيرا وجئن بناته يوما لزيارته فقال هذه القصيدة المؤثرة:



فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا

فساءك العيد في أغمات مأسورا

ترى بناتك في الأطمار جائعة

يغزلن للناس لا يملكن قطميرا

برزن نحوك للتسليم خاشعة

أبصارهن حسيرات مكاسيرا

يطأن في الطين والأقدام حافية

كأنها لم تطأ مسكا وكافورا

قد كان ظهرك إن تأمر ممتثلا

فردك الدهر منهيا ومأمورا

من بات بعدك في ملك يسر به

فإنما بات بالأحلام مغرورا



هكذا آلت به الحال وتغيرت عليه أجواء العيد وفي هذا العصر بعد أن رأينا الأحداث المتتالية لأحد الحكام ينتقل من حال الملك والجاه والمنصب والأموال إلى أن يمر عليه العيد وهو في ضيق السجن بعد سعة القصور الواقعة على الأنهار.

استوقفتني القصيدة مرة أخرى وعرضتها على أحد مشايخي وقلت: ألا توافق هذه القصيدة حال هذا الحاكم، إن ما أصابه عبرة لكل ظالم، ألا تظن أن ما أصابه بسبب الدعاء، دعاء من؟ دعاء المسلمين، دعاء أهل المساجد وفيما حصل عبر كثيرة منها:

[1] من أعطاه الله القوة والتمكين وأراد البطش بالآخرين فلا ينسى قوة الله (إن ربك لبالمرصاد).

[2] إن الملك الحقيقي هو لله وهو لا يغفل عما يجري في الأرض، قال تعالى (ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون) [إبراهيمـ 2]، وملوك الدنيا يسلب منهم الملك بالموت أو باعتداء الآخرين عليهم.

فالملك لله ولم يتخل عن ملكه، قال تعالى (لمن الملك اليوم لله الواحد القهار) [غافرـ 16].

وفي صحيح مسلم عن ابن عمرـ رضي الله عنهماـ عن النبي صلى الله عليه وسلم »يطوي الله السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟«، ويجعل الله المتكبرين كأمثال الذر يطأهن الناس بأقدامهم والله على كل شيء قدير، والجزاء من جنس العمل.

[3] على العبد أن يعرف ربه حال الرخاء حتى يساعده الله في حال الشدة.

[4] أهمية الدعاء والحذر من دعاء الآخرين وخاصة دعوة المظلوم ففي الحديث »ليس بينها وبين الله حجاب«، وعدم الاستعجال في الدعاء بأن يقول: دعوت فلم يستجب لي، قد لا تأتي الاستجابة إلا بعد سنوات لكن لا ييأس الداعي ويعلم أن الله سميع مجيب.

[5] أن يستفاد مما حدث بالأمس فالتاريخ امتداد للبشرية وفيه العبر وأن نعمل اليوم على بصيرة ويخطط للغد والمستقبل والتوفيق من الله.

[6] على من حدث نفسه وقت المحنة بأنه سيرجع إلى ربه ويزداد من العمل الصالح ويترك ما كان عليه من تقصير، عليه أن يعمل بما حدث به نفسه أو مضى فيه فالفرص لا تعوض والتجارة مع الله صفقة رابحة، قال تعالى (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) [التوبةـ 111].

فلا يغرنكم رغد العيش ويصرفكم عن طاعة ربكم والمصيبة أكبر في حال من كان متمسكا بدينه ثم انتكس وقد رأى هذه العبر وهوان الدنيا وليخشى أن ينطبق عليه قوله تعالى (ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم) نعوذ بالله من الخذلان، وكان الواجب أن يزداد تمسكا بالخير فإنه يستمر معه وينال ثمرته في الدنيا والآخرة.

هذه تأملات في الحياة، أتم الله لكم المسرات في الدنيا وأنزلكم فسيح الجنات في الآخرة ورحم الله المعتمد بن عباد وجعل ما حصل له تكفيرا لذنوبه ولعل الآخر يعتبر بما حصل له ويتوب فيما بقي فالله يقبل التوبة الصادقة من كل مذنب رزقنا الله العبرة والعظة وزادنا طاعة وإيمانا وعملا صالحا وكل عام وأنتم بخير.



عبد الرحمن بن ندى العتيبي



تاريخ النشر: الاثنين 30/10/2006

جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127