الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

أحكام الأضحية - الشيخ عبدالرحمن العتيبي

أضيف بتاريخ : 07 / 08 / 2008
                                


أحكام الأضحية

 الحمد لله الذي تفضل وأنعم علينا بنعمه الكثيرة وشرع لنا العبادات المتعددة التي نتقرب إليه بها، والعبادة من أنواعها الذبح، ويجب أن يكون الذبح لله، قال تعالى (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين) [الأنعام- 162]، والنسك فسر بالعبادة وبالذبح.

قال ابن سعدي في تفسيره: (قل إن صلاتي ونسكي) أي: ذبحي، وذلك لشرف هاتين العبادتين ودلالتهما على محبة الله تعالى وإخلاص الدين له، والتقرب إليه بالقلب واللسان والجوارح، وبالذبح الذي هو بذل ما تحبه النفس، من المال، لما هو أحب إليها وهو الله تعالى. أ هـ

وقال تعالى (فصل لربك وانحر) [الكوثر- 2]، ولا يجوز صرف هذه العبادة لغير الله فلا يذبح لولي ولا عند قبر، ولا يذكر غير اسم الله عند الذبح وقد قال صلى الله عليه وسلم «لعن الله من ذبح لغير الله» [رواه مسلم]، ومما يذبح لله الأضحية.



سبب التسمية بالأضحية



قال ابن حجر في الفتح: لعل سبب تسميتها بهذا الاسم نسبة إلى الوقت الذي تذبح فيه فهي تذبح ضحى يوم النحر.



حكم الأضحية



جمهور العلماء على أنها سنة مؤكدة لا ينبغي للموسر تركها وبعض أهل العلم يرى وجوبها على الغني، وقد ضحى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين وقال عند ذبحهما (باسم الله والله أكبر) [رواه مسلم والبخاري]، ومن يعمل هذه الشعيرة فله الأجر من الله وكلما كانت الأضحية أفضل كان الأجر أعظم.



ماذا يجب على من أراد أن يضحي؟



يجب عليه أن يمسك عن الأخذ من شعره أو ظفره أو بشرته (ظاهر الجلد) وذلك من بداية العشر لذي الحجة حتى يضحي، فعن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره شيئا، وفي رواية (ولا من أظفاره شيئا) [رواه مسلم]، وهذا الحكم يختص بمن نوى الأضحية وسيقوم بشرائها وذبحها عنه وعن أهل بيته، فيلزمه هو فقط هذا النهي أما من يعولهم من أسرته فلا يشملهم النهي عن الأخذ من الشعر والأظافر والبشرة ويجوز لهم ذلك.



وقت ذبح الأضحية



يبدأ وقت الذبح للأضحية من بعد صلاة العيد في اليوم العاشر لذي الحجة، ويستمر حتى غروب شمس اليوم الثالث عشر من ذي الحجة فالذبح يوم النحر وأيام التشريق الثلاثة، ويشمل وقت الذبح الليل والنهار، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يذبحن أحد حتى يصلي» [رواه مسلم]، فدل هذا على أن ذبح الأضحية يبدأ بعد دخول وقت صلاة العيد وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم من ذبح قبل هذا الوقت أن يعيد الذبح ويكون الأول صدقة وليس بأضحية.



السن المعتبرة في الأضحية



لا بد أن تكون ثنية أو جذعة من الضأن، قال صلى الله عليه وسلم «لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم فاذبحوا جذعة من الضأن» [رواه مسلم]، قال النووي رحمه الله: المسنة هي الثنية من كل شيء من الغنم والبقر والإبل وعلى هذا يكون سن الأضحية كالتالي:

1- الإبل ما له خمس سنوات فما فوق.

2- البقر ما له سنتان فما فوق.

3- الماعز ما له سنة فما فوق.

4- الضأن ما له ستة أشهر فما فوق.



ويجوز أن يشترك سبعة أشخاص في بدنة أو بقرة لكل منهم جزء عن أضحيته وأما الغنم فعن شخص واحد، ويفضل أن يتولى ذبحها بنفسه ويسمي ويكبر كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم فقد قال عند الذبح «باسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد» [رواه مسلم].

وبهذه الأضحية يكون أهل بيته شركاء له في الأجر إن شاء الله وكذلك والداه سواء أحياء أو أموات، وله أن يوكل غيره في الذبح، وله أن يأكل منها وليحرص على إطعام الآخرين منها وخاصة الفقراء.



العيوب التي تمنع الأضحية من الإجزاء:

1 - العرجاء البين عرجها، وكذلك التي لا تسير مع القطيع.

2 - العوراء البين عورها ويمكن معرفة ذلك بملاحظة طريقتها في الرعي ولا تجزئ العمياء.

3 - المريضة التي اتضح مرضها، مثلا بامتناعها عن الأكل أو ظهر عليها آثار المرض كجروح وغيرها.

4 - العجفاء وهي الهزيلة جدا حتى أنها لا تستطيع الوقوف أو السير لهزالها فهذه العيوب تمنع الإجزاء في الأضحية فلا يصح التضحية بمثل ما فيها هذه العيوب، وهناك عيوب تصح معها الأضحية ولكنها عيوب نقص للكمال فقط، ومثلها كأن تكون مكسورة القرن أو في أذنها قطع فهذه يجوز التضحية بها.



توافق في العبادة



أيام العشر من ذي الحجة أيام عظيمة، ففي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام، قالوا: يا رسول الله: لا والجهاد؟ قال: ولا الجهاد إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع بشيء».

وفي العشر التهليل والتكبير والصيام في يوم عرفة والحج والأضحية وكلها عبادات يتقرب بها إلى الله، ونلاحظ أن المضحي يوافق المحرم بعدم الأخذ من الشعر والأظافر، لأن المحرم يمتنع حتى يتحلل والمضحي يمتنع من أول العشر حتى يضحي، وهو يوافق المتمتع والقارن في الذبح، وهذا من عظمة الإسلام حيث انه لم يحرم أحداً من التقرب إلى ربه جلّ وعلا، فمن كان مقيما في بلده فله أعمال يعملها وينال بها الأجر والمثوبة من الله، مع وجود التفاضل في الأعمال وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.



حدث في عيد الأضحى



ذكر أن أحد ولاة المسلمين ممن عندهم غيرة على دين الله، صلى بالناس صلاة عيد الأضحى وخطب فيهم وقال: ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني سأضحي بالجعد بن درهم فإنه يزعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولا موسى كليما، وجعل هذا الوالي من هذا المنحرف عبرة لكل من تسول له نفسه الخبيثة بأن يتطاول على دين الله بانه سيجد من يقف له ويردعه عن باطله، وهذا الوالي هو خالد بن عبد الله القسري- رحمه الله- وندعو ولاة أمور المسلمين إلى أن يمنعوا كل صاحب باطل من نشر باطله أو أن يعبث بدين الأمة، وأن يقيموا شعيرة إنكار المنكر على السفهاء الذين يعملون على محاربة الإسلام وإفساد عقيدة المسلمين ويسعون لنشر الرذيلة بين المسلمين قال تعالى (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر)[الحج- 41]، وهذه أمانة سيسألون عنها.



تقبل الله منا ومنكم وحفظ علينا ديننا وأمننا.



قصة الذبيح... وما يستفاد منها



أخبرنا الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز عن قصة إسماعيل مع أبيه إبراهيم التي لأجلها تم افتداء إسماعيل بذبح عظيم كما قال تعالى (وفديناه بذبح عظيم) [الصافات- 107]، وهو ذبح عظيم لأنه فداء لإسماعيل وعظيم لأن إبراهيم ذبحه تقربا إلى الله، وهذه القصة هي أن نبي الله إبراهيم عليه السلام تأخر في الإنجاب جدا حتى أصبح شيخا كبيرا وليس له ذرية، ومن في سنه لا ينجب وقد بشرته الملائكة بأنه سيرزق بمولود، وكان الاستغراب لهذا الأمر شديدا من قبل زوجته فقالت (أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب) [هود- 72]، والشيخ يقال للرجل كبير السن.

نادتني بشيخ ولست بشيخ..

إنما الشيخ من دب دبيبا

ويقال للمرأة كبيرة السن عجوز، ولكن رب العالمين لا يعجزه شيء فهو قادر على أن يرزق من يشاء ما يشاء، فالأنظمة الكونية يمكن أن تتغير أمام قدرة الله جل وعلا (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) [يس- 82].

رزق الله إبراهيم الذرية فأنجب على كبر وسمى أحد أبنائه إسماعيل وذهب به وأمه إلى أرض مكة وكانت أرضا جرداء لا ماء ولا نبات (فوضعهما هنالك ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء ثم قفى إبراهيم منطلقا فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم آلله الذي أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا ثم رجعت) [رواه البخاري عن ابن عباس].

ولما نفد الماء وخافت أم إسماعيل على نفسها وعلى وليدها الصغير نزل جبريل وحرك الأرض فخرج الماء، وصدقت أم إسماعيل فالله متكفل برزق عباده ولا يضيع من توكل عليه، وكبر إسماعيل وأصبح غلاما يسعى مع أبيه في خدمته، قال تعالى (فلما بلغ معه السعي) وهنا رأى إبراهيم أنه يذبح ابنه إسماعيل لله، وهذه الرؤيا في المنام ورؤيا الأنبياء حق، وهي نوع من أنواع الوحي، فالوحي له عدة طرق:

1- عن طريق الملك جبريل.

2- الوحي عن طريق الإلهام كما حصل لأم موسى عليه السلام.

3- الوحي عن طريق الرؤيا في المنام كما حصل لإبراهيم- عليه السلام.

وهذا خاص بالأنبياء والمرسلين أما غيرهم فرؤياهم ليست وحيا، فإن كان صالحا ورأى رؤيا يفرح بها ويستأنس بها على أنها دليل خير، ويخبر بها من يحب ولا يصح ترجمتها إلى واقع يعمل به.

أبلغ إبراهيم ابنه بما رأى في منامه قال تعالى (قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى) [الصافات- 102]، هكذا تم إخبار إبراهيم لابنه الذي أصبح غلاما وأصبح والده شديد التعلق به وأصبح حاضر المنفعة وبذلك سيصعب الفراق على إبراهيم، ولكنه الابتلاء الصعب، وهذا الولد كان قمة في الإيمان والبر بوالده والتسليم لحكم الله، فانظر إجابته لوالده، قال تعالى (قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين) [الصافات- 102]، أي أمتثل أمر الله وهذه هي العبودية لله دونما اعتراض وعلق الصبر بالمشيئة فلم يمدح ويتباهى بأنه سيتحمل الذبح بل قال (إن شاء الله من الصابرين)، ولأنه لا يستطيع الصبر إلا بمعونة من الله وبمشيئته وبتقويته له.

ثم ذكر تعالى ما حصل فيما بعد، قال تعالى (فلما أسلما) استسلم الأب والابن لأمر الله وعقد العزم إبراهيم على ذبح ابنه لله، قال تعالى (وتله للجبين)، قال أهل التفسير وطرحه على الأرض، وهنا تم افتداء إسماعيل، قال تعالى (وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم) [الصافات: 104-107]، والذبح كبش ذبحه إبراهيم عن إسماعيل.

ما يستفاد من هذه القصة العظيمة:

1- أن الله على كل شيء قدير فقد رزق إبراهيم الذرية على كبر سنه.

2- قوة إيمان إبراهيم بربه ونجاحه في الابتلاء.

3- قوة إيمان إسماعيل مع صغر سنه، فمن تربى على الإيمان بالله والأخلاق الفاضلة ينشأ مطيعا لربه، مطيعا لوالديه، متحملا ما يترتب على هذه الطاعة من تعب ومشقة محتسبا الأجر على الله، ورادا لجميل ما فعله معه والداه وهو صغير، والطاعة للوالدين لا تعني أن الابن لو قال له والده اقتل نفسك لفعل ذلك، بل هنا لا تجوز الطاعة لأن ذلك معصية والنبي صلى الله عليه وسلم يقول «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»، وما حصل من إبراهيم مع ولده فهو أمر من الله، وابتلاء من الله لإبراهيم، وأثبت إبراهيم أن ربه أحب إليه من ابنه لذلك شرع في ذبحه حتى فداه الله.

4- فضيلة الصبر وأنه معه ينال العبد رضا ربه وبالصبر يكون الظفر.

5- أهمية الصدق مع الله وأن الصدق سبب للنجاة فلما صدق إبراهيم عليه السلام مع ربه أبقى له ولده ورضي عنه.

6- إن الفرج قريب بإذن الله، فلما تحمل إبراهيم وابنه هذا الكرب وسعيا في امتثال أمر الله حصل الفرج بالفداء.

7- الاهتمام بتربية الأبناء، فهذا إسماعيل لما لم يترب على الترف والنعومة كان موقفه حازما، وكلامه بليغا وقويا يدل على التماسك وهو صغير في السن.

8- أن الحياة ميدان ابتلاء واختبار قال تعالى (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا) [الملك- 2]، وعلى المؤمن أن يعد نفسه لهذا الابتلاء بالعلم النافع والإيمان بربه وأن يتحلى بالحلم والصبر ويسأل ربه السلامة من الفتن ويطلب من ربه أن ينجح في هذا الاختبار في هذه الدنيا.

9- فضل الأنبياء وفضل أولي العزم من الرسل ومنهم إبراهيم عليه السلام.

10- تقديم أمر الله على كل محبوب من نفس أو أهل أو مال.

11- المبادرة إلى فعل ما أمر الله به واجتناب ما نهى الله عنه، فذلك سيجلب الخير العظيم في الدنيا والآخرة.

12- حسن العاقبة لأولياء الله فهذا إبراهيم عليه السلام وابنه إسماعيل جعل الله لهما حسن العاقبة فلهما الذكر الطيب في العالمين، وأصبحا قدوة في الخير، وجعل الله في ذريتهما النبوة، وعاقبة كل متق حميدة بإذن الله، بخلاف أولياء الشيطان فإن عاقبتهم سيئة وفي النهاية ينالون الخيبة والخسران، والسمعة السيئة.

ندعو الله أن يجعلنا من أوليائه الممتثلين ما أمر الله به، المجتنبين لما نهى الله عنه الراجين رحمته الخائفين من سخطه وعقابه، الفائزين برضوانه وجنانه والصلاة والسلام على نبينا الهادي محمد وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثره إلى يوم القيامة.



عبد الرحمن بن ندى العتيبي



تاريخ النشر: الاثنين 1/1/2007

جريدة الوطن الكويتية

اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127