الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

العام الهجري الجديد (2/2) الشيخ عبدالرحمن العتيبي

أضيف بتاريخ : 07 / 08 / 2008
                                


العام الهجري الجديد (2/2)

الاحتفال بالهجرة النبوية

هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ومكث فيها عشر سنوات قبل وفاته ولم يذكر أنه أقام احتفالا سنويا بمناسبة الهجرة أو مولده، وكذلك الخلفاء الراشدون الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم تولوا قيادة المسلمين بعد نبيهم ولم يقيموا احتفالا بمناسبة الهجرة ولا لمولد النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك الصحابة الكرام فهم أكثر الناس محبة لنبيهم وأحرصهم على إتباع نهجه ومع ذلك لم يقيموا احتفالات لهذه المناسبات، إذا هذا أمر محدث لم يأمر الشرع المطهر به قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد» [متفق عليه]، وما أجمل الإسلام كما هو من دون شوائب محدثة، ولا يصح أن يزعم من يقيم احتفالا بهذه المناسبة أنه يتقرب إلى الله، وهو يهجر دين الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فيعطل شرع الله ويغفل من دين الله وعن الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم إلا في مثل هذه المناسبات العابرة، إن احتفالنا بالهجرة النبوية ينبغي أن يترجم إلى مسلك في سيرة حياتنا على مدار العام بالاقتداء بصاحب الهجرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الاقتداء به في عبادته لربه في أخلاقه في معاملاته مع الخلق في نظرته للدنيا وحرصه على الآخرة، هذا النبي الكريم الذي إن حصل لنا نجاة من النار فهو بسببه وإن حصل فوز بالجنة فهو بسببه، وهذه الهجرة تضحية منه صلى الله عليه وسلم ومخاطرة وبسببها وصل إلينا الإسلام، فما أعظم حق النبي محمد صلى الله عيه وسلم علينا، قال صلى الله عليه وسلم «لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما».



ماذا ادخرت في العام الماضي؟



الأيام والليالي هي كالخزانة ذات الأبواب المتعددة فمن يضع في هذه الخزانة أشياء ثمينة ومفيدة من أنواع الطيب والألبسة والأطعمة فإذا فتح أبواب الخزانة فيما بعد لا يجد إلا ما سره وينفعه ولا يمكن يفتح بابا ويندم على ما أودع فيه، ويستمتع بما يجد مما أدخره سلفا، أما إن كانت هذه الخزانة فارغة وكلما فتح بابا لم يجد شيئا وضاق صدره أنه لم يدخر من قبل أو أنه إذا فتح بابا خرج عليه شيء لا يسره لندم أشد الندم، وهذا مثال لما يحصل للعبد في الآخرة فإن أيام الدنيا ستجرد عليه وتفتح خزانة أعماله فإن وجد في كل يوم صلاة وعبادة وأعمال البر الأخرى فرح وسر إذ ستنفعه بإذن الله يومئذ وتثقل بها موازينه ويكون مع من يقال لهم (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنًيئاً بًمَا أَسْلَفْتُمْ فًي الْأَيَّامً الْخَالًيَةً ) [الحاقة- 24]، وأما إن كانت خزائن أيامه خالية من الأعمال الصالحة لأنه آثر الكسل والنوم على العبادة والصلاة والطاعة أو أنه يجد فيها ما يسوؤه من فجور وارتكاب للمحرمات، فيا خيبته ويا حسرته وربما يكون ممن أخبر الله عنهم بقوله ( قَالَ رَبًّ ارْجًعُونً لَعَلًّي أَعْمَلُ صَالًحاً فًيمَا تَرَكْتُ) [المؤمنون: 99-100].

فيا عباد الله انتهزوا الفرصة قبل فوات الأوان فإن عاما ودعناه لن يعود إلى يوم القيامة وما عملنا فيه فقد أحصي علينا، قال تعالى (يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء والله على كل شيء قدير) [المجادلة- 6]، وسيجدون يوم القيامة ما عملوا، قال تعالى (ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا) [الكهف- 49].



رحيل عام وقدوم عام



رحل عنا عام بأكمله وبرحيل هذه الأعوام ترحل عنا أنفس عزيزة شعرنا بفقدهم في هذه الدنيا حيث كان بهم الأنس وبرؤيتهم الفرح والسرور ولكنها الدنيا وأفضل ما نقول في هذه الحال (إنا لله وإنا إليه راجعون)، ونحن نرجو من الكريم المنان أن يجمعنا بهم ويمتعنا باللقاء بهم في جنات النعيم تفضلا منه وجودا علينا وعليهم، والإنسان في هذه الحياة وخلال هذه الأعوام المتعاقبة عليه تم تشبيهه بالقمر، فهو يبدأ أول الشهر صغيرا على شكل هلال ثم إذا انتصف الشهر كان بدرا مستديرا كاملا يضيء الصحارى في ظلمة الليل ثم يتراجع حتى يصبح نهاية الشهر صغيرا مختفيا، وهذا كحال الإنسان يولد ضعيفا صغيرا فإذا كبر وكملت قوته وانتصف عمره بدأ بعدها في التراجع إلى أن يصل إلى سن الهرم وهذا مما يدل على قلة شأن الدنيا.

والمرء كهلال عند طلعته يبدو ضئيلاً ثم يتسق

والمسلم مدعو إلى أن يتفكر في مثل هذه الأمور حتى تتضح له الصورة في الحال والمستقبل ويعمل بما ينفعه في دنياه وآخرته، قال تعالى (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) [الذاريات- 21].



التاريخ الهجري



الخليفة الموفق عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- هو الذي اختار أن يكون حساب المسلمين من تاريخ الهجرة النبوية المباركة وبهذا يحصل تميز للمسلمين عن غيرهم من الأمم، فإن لكل أمة حساب تسير عليه بحسب حدث مهم في تاريخ هذه الأمة.



التفاؤل بالعام الجديد



على المسلم أن يكون متفائلا محبا للخير، نافعا للخلق كحال نبينا صلى الله عليه وسلم «كان يعجبه الفأل»، ومع بداية هذا العام فإن كان العبد من أصحاب الخير وأهل الطاعة فليعد نفسه بالاستمرار ويطلب الثبات من الله على ما هو عليه من خير ويحمد ربه على نعمه عليه وخاصة نعمة الهداية ويستبشر لما أمامه ففي الحديث «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه»، وليزداد من الخير ويعلم أن ما أودعه في العام المنصرم محفوظ له، قال تعالى (وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا) [المزمل- 20]، وإن كان العبد ممن أسرف على نفسه وابتعد عن طاعة ربه أو قصر فيها في عامه السابق فليبادر بالتوبة الصادقة فإن العام الجديد مهلة له في هذه الدنيا وليفرح لأن الله يقبل التوبة من عباده، قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا) [التحريم- 8]، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال؟. «إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها» [رواه مسلم].

إن الله كريم غفور رحيم فأقبلوا عليه مع هذا العام الجديد وأحدثوا توبة صادقة فإن الله يقبلها، قال تعالى (وهو يقبل التوبة عن عباده) [التوبة- 104]، ومن أسرف على نفسه فما عليه إلا أن يجدد حياته وينزع عنه ثوب المعصية ويلبس ثوب الطاعة ليصفو قلبه وتسعد نفسه بعد شقائها بالمعاصي وشؤم المعاصي، وليقل لنفسه أيتها النفس قد مكنك الله من عام جديد فأريه منك ما يرضيه عنك ويسرك يوم لقائه، إذ لا بد من لقاء رب العالمين، قال تعالى (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه) [الانشقاق- 6].

ولنتفاءل بالخير لهذه الأمة في هذا العام الجديد فالتفاؤل طيب ويبعث في النفس الابتهاج والسرور حتى إن لم يحصل ما كان يطلبه الشخص، ولنعلم أن الدنيا التي تنقضي بتعاقب هذه الأعوام ليست هي آخر المطاف، فالمسلم على خير، إن لم يحصل له الظفر والتمكين فستحصل له الجنة، قال تعالى (تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار).

اللهم اغفر لنا ولجميع المسلمين ما حصل من تقصير فيما مضى من الأعوام، اللهم واجعل عامنا الجديد عام خير وبركة ونصر للمسلمين وأحسن الله خاتمتنا في الدنيا واجعل عاقبتنا إلى جناتك جنات النعيم.



عبد الرحمن بن ندى العتيبي



تاريخ النشر: الاثنين 29/1/2007

جريدة الوطن الكويتية

اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127