الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

ثمَّ ماذا بعد؟ الشيخ عبدالرحمن العتيبي

أضيف بتاريخ : 07 / 08 / 2008
                                


ثمَّ ماذا بعد؟

يأمل الصغير أن يكبر، والكبير يرجو أن تنجح أعماله ويرتقي في عمله، والتاجر يرغب في زيادة أمواله والشاب يتطلع إلى زواجه، ومن يبني منزلاً ينتظر تمامه، والطلاب والطالبات يترقبون نجاحهم، وهناك من يتطلع إلى الرياسة والمناصب والشهرة. سبحان الله العظيم الذي خلقهم فأصبح لكل منهم شغل يشغله في الدنيا، قال تعالى (ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر) [التكاثر: 1-2]، ونحن ندعو الله أن يوفق كل مسلم، ومسلمة إلى ما فيه خيرهم وصلاحهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة.

ثم ماذا بعد؟

هب أنك أيها المتطلع إلى تحقيق أحلامك حققت جميع ما تحلم به، فملكت القصر الواسع الذي فيه ما لذ وطاب من المباحات اطرح على نفسك السؤال التالي: ثم ماذا بعد؟

إن القصر سيؤول إلى الخراب، قال تعالى (فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين) [القصص- 58]، فإن لم يخرب ذلك القصر عاجلا فسيرحل عنه صاحبه وينتزعه الموت من قصره، قال تعالى (أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة) [النساء- 78].

فسيرحل الموت دون استئذان ويخرج صاحب القصر من قصره وينهي أحلامه باستمرار هذا العيش الرغيد الهانئ، قال أبو العتاهية:

عش ما بدا لك سالما في ظل شاهقة القصور يسعى عليك بما اشتهيت لدى الرواح أو البكور

فإذا النفوس تقعقعت في ظل حشرجة الصدور فهناك تعلم موقفنا ما كنت إلا في غرور

ذكر الله في قصة فرعون ومن معه أنهم كانوا في عيش رغيد أعدوه لأنفسهم في الدنيا وغفلوا عن الآخرة ولكنهم تركوه رغما عنهم، قال تعالى (كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوما آخرين) [الدخان: 25-28]، ثم ماذا حصل تحطمت أحلامهم وأعمالهم واستمرت الحياة في سيرها، قال تعالى (فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين) [الدخان- 29]، هكذا انتهى بهم المطاف.

يا من بنى القصر في الدنيا وشيّده أسست قصرك حيث السيل والغرق

ثم ماذا بعد؟

قال تعالى (فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق) [البقرة- 20]، فهذا الصنف من الناس يدعو بالتوفيق والعافية في هذه الدنيا وينسى الآخرة فليس له نصيب من الخير فيها، وهذا خطأ منه لأنه يتطلع إلى الدنيا فقط ويغفل عن آخرته، قال تعالى (يعملون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون) [الروم- 7]، وخير من هذا الصنف هو من يدعو ربه بخير الدنيا والآخرة، قال تعالى (ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) [البقرة- 201]، فهذا يطلب الخير والعافية التي يعبد بها ربه ويطلب الجنة في الآخرة والنجاة من النار، ومن يرغب في الدنيا فقط ويعمل لها فقد يأخذ حظه منها ويخسر الآخرة التي لها الدوام، قال تعالى (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون) [هود: 15-16] فلنقتدي بنبينا صلى الله عليه وسلم ولنتطلع إلى الآخرة أكثر مما نتطلع إلى الدنيا ولا يعني ذلك إهمال أمر الدنيا بل المقصود هو الاهتمام بالآخرة والعمل في الدنيا بما يشرف ويسعد في الآخرة.

ثم ماذا بعد؟

الآمال والأحلام لا تنتهي فخيال الإنسان واسع، وعلى العاقل أن يتعامل مع آماله بواقعية، لأن العمر محدود لا يحتويها جميعا في هذه المدة الزمنية القصيرة، قال تعالى (كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فأسأل العادين قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعملون) [المؤمنين: 112-114].

فينبغي توجيه هذه الآمال والأحلام الوجهة الصحيحة بما يعود على الشخص بما فيه خيره في الدنيا والآخرة، وقد مثل النبي صلى الله عليه وسلم أمل الإنسان بمثال جميل يبين فيه أن الأمل يحول دون تحقيقه سهام المنايا الكثيرة التي تنهي حياته في الدنيا، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: خط النبي صلى الله عليه وسلم خطا مربعا، وخط خطا في الوسط خارجا منه، وخط خططا صغارا إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط، فقال: «هذا الإنسان، وهذا أجله محيط به، وهذا الذي هو خارج أمله وهذه الخطط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا وإن أخطأه هذا نهشه هذا» [رواه البخاري].

التطلع إلى الرياسة والشهرة

هب أنك أصبحت ملكا ومسموعا لك ومطاع، وأصبحت مشهورا ومن أثرياء العالم، اطرح على نفسك هذا السؤال ثم ماذا بعد؟

إما أن يطيح بك أعداؤك أو حسادك فإن سلمت من هؤلاء، فأين أنت من الموت الذي سيكون سببا في زوالك عن الملك وتنتقل أموالك إلى غيرك، وينسى اسمك مع الأيام.

تمنيت حتى نلت ثم تركتها تنقل بين الوارثين مناكا

في مذكرات أحد الملوك الذين طالت مدة ملكهم، قال عن نفسه: لقد حققت جميع ما أحلم به وأتطلع إليه إلا شيئا واحدا لا أظن أنني حققته وهو السعادة.

ثم ماذا بعد؟

إن من الأجدر بكل مسلم ومسلمة أن يسأل نفسه هذا السؤال الذي هو بمثابة زاجر وواعظ النفس لكي تصحح سيرها في الدنيا لأن الموعظة لها الأثر الكبير قال ابن رجب- رحمه الله-: المواعظ سياط تضرب بها القلوب، ففي الناس من يغفل عن الآخرة ولا يعمل لها كما يعمل للدنيا مع أن العمل للآخرة، هي الأولى، قال تعالى (والآخرة خير وأبقى).

ومن الناس من عنده الاستعداد لكي يتنازل عن شيء من دينه لأجل المال أو المنصب، لو حصلت هذه الآمال من حل دون تنازل عن شيء من الدين الغالي ثم بذلت الوجاهة والمال في طاعة الله فأنعم بها فهي خير في الدنيا والآخرة.

لكن أن تطلب على حساب التقصير في طاعة الله وترتكب لأجلها المعاصي فهذا لا ينبغي من مسلم عاقل، افرض أنك أصبحت رئيسا أو وزيرا أو ثريا، ثم ماذا بعد؟

ما حصلت عليه سيذهب عنك بعد مدة، أو تذهب عنه ويبقى الحساب من أين؟ وفيما؟

يا مغرما بوصال عيش ناعم ستصد عنه طائعا أو كارها

إن النهاية إما إلى كبر السن والشيخوخة أو الموت، وأي فرح بعيش مدكر بالموت والهرم، فلنجتهد في طلب الآخرة وعبادة الله بما يرضيه عنا ولا نغفل عن طاعة ربنا لأجل الدنيا فإن الرجوع والنهاية إلى الله جل وعلا، قال تعالى (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون)، فلا ننسى ذلك اليوم والاستعداد له بالعمل الصالح الذي هو سبيل السعادة الحقيقية المنشودة التي لا يعتريها نغص أو زوال ولنعلم أن التقرب إلى الله هو الموصل إلى الراحة والطمأنينة، وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه.



عبد الرحمن بن ندى العتيبي



تاريخ النشر: الاثنين 2/4/2007

جريدة الوطن الكويتية

اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127