الشيخ حمد بن إبراهيم العثمان

فقه الجهاد - الشيخ حمد بن ابراهيم العثمان

أضيف بتاريخ : 30 / 07 / 2008
                                

فقه الجهاد

كتب:د. حمد بن ابراهيم العثمان

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فلا شك في فرضية الجهاد، وانه من أجلّ العبادات والطاعات، والجهاد بمفهومه الحقيقي الشرعي اعم من مجرد حمل السيف في وجه العدو، ولذلك احببت ان ابين جملة من المسائل المتعلقة بالجهاد ليعرف المسلم حقيقة ما هو عليه، وما ينبغي ان يقوم به اذا نزلت بالمسلمين نازلة.


اولاً: مفهوم الجهاد


لاشك ان الجهاد من لوازم الايمان، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق»، رواه مسلم، ولذلك لا يتحقق ايمان العبد حتى يؤمن بالجهاد ويعتقد وجوبه، ويحدث نفسه بالقيام به اذا وُجد بشروطه الشرعية.

ويخطئ اقوام في مفهوم الجهاد ومعنى الوعيد في هذا الحديث، فالبعض ربما ظن ان من لم يحمل السيف ليس بمجاهد، ولربما توهم نفاقه والعياذ بالله.

وبسبب هذا القصور في مفهوم الجهاد قامت جماعة ما يسمى بالجهاد بمصر بتأليف كتاب «الفريضة الغائبة» يعني ان الجهاد لم يكن موجوداً، ثم احيوه باغتيال السادات.

والحقيقة ان الجهاد لم يكن معطلاً قط في تاريخ الاسلام، لان النبي صلى الله عليه وسلم اخبر عن الطائفة المنصورة بلفظ يدل على المداومة والاستمرار الى يوم القيامة بقوله صلى الله عليه وسلم «لاتزال طائفة من امتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم» ومن اعظم وظائف الطائفة المنصورة حفظ الدين والقيام بشرائعه ومن اعظمها الجهاد في سبيل الله.

يقول شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله مبيناً المفهوم العام الحقيقي للجهاد ما نصه: «فالجهاد تحقيق كون المؤمن مؤمناً، ولهذا روى مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: «من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق»، وذلك ان الجهاد فرض على الكفاية، فيخاطب به جميع المؤمنين عموماً، ثم اذا قام به بعضهم سقط عن الباقين.

ولابد لكل مؤمن من ان يعتقد انه مأمور به، وان يعتقد وجوبه، وان يعزم عليه اذا احتيج اليه، وهذا يتضمن تحديث نفسه بفعله، فمن مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو نقص من ايمانه الواجب عليه بقدر ذلك، فمات على شعبة نفاق»، جامع المسائل (361/9)

فتأمل المعنى العام لمفهوم الجهاد حيث قال عنه شيخ الاسلام: «الجهاد تحقيق كون المؤمن مؤمناً»، فهذا هو المعنى الحقيقي الواسع للجهاد، فقيامه بشرائع الاسلام وتحقيق وصف الايمان فيه هو من الجهاد في سبيل الله.

وهذا الذي قاله شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله في ان الجهاد تحقيق كون المؤمن مؤمناً مضى عليه سلف الامة، قال عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: «ان سبيل الله كل عمل صالح» رواه البخاري في الادب المفرد 192/1 واسناده حسن.

وكذلك قال عباية بن رفاعة: ادركني ابو عبس وانا ذاهب الى الجمعة، فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار»، رواه البخاري كتاب الجمعة باب المشي الى صلاة الجمعة 453/2، وكذلك رواه في كتاب الجهاد باب من غبرت قدماه في سبيل الله 29/.6

فانظر الى ابي عبس كيف نزل المشي الى صلاة الجمعة على انه اغبرار للقدمين في سبيل الله، قال بدر الدين ابو محمد العيني، رحمه الله: «مطابقته للترجمة من حيث ان الجمعة تدخل في قوله «سبيل الله» لان السبيل اسم جنس مضاف فيفيد العموم، ولان ابا عبس جعل السعي الى الجمعة حكم الجهاد».

والاحاديث كثيرة في تقريرها هذا المعنى، ففي صحيح مسلم من حديث ابي مالك الاشعري رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «وانتظار الصلاة الى الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط» وعن انس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «افضل الشهداء عند الله المقسطون» رواه ابو نعيم في فضيلة العادلين من الولاة ص130، وقال السخاوي: «رجاله ثقات الا سعيد بن بشير فهو صدوق»، وفي السنن ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الساعي على الصدقة بالحق كالمجاهد في سبيل الله» الى غير ذلك من الادلة الكثيرة، ولذلك قال العلامة عبدالرحمن السعدي رحمه الله مبيناً هذا المعنى العام للجهاد: «اليس التعلم والتعليم والصبر على ذلك من اكبر الجهاد، اليس الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة للخلق من الجهاد؟

اليس تنفيذ الحق ونصره، ورد الباطل وقمعه من الجهاد؟ اليس تعليم الجاهلين، وتنبيه الغافلين، وايقاظ المعرضين، ومعارضة المعارضين، ومجادلتهم من الجهاد؟

هل تتم الامور بدون الجهاد؟ وهل يستقيم الهدى والاهتداء ويحصل الصعود والارتقاء الا بالجهاد؟ طوبى لاهل العلم، والدين والجهاد»، الرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة ص 183ـ.2.182


ثانيا: جهاد النفس


العدو الباطن هو نفسك التي بين جنبيك، ولذلك تكلم العلماء في نوعي الجهاد: الظاهر، والباطن، لأهمية النوعين خصوصا الباطن، حتى لايمني العبد نفسه بما ليس في تناوله، وهو في الواقع قد اهلكه وأرداه عدوه الباطن.

قال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله: (... وهذا في جهاد العدو الظاهر وهو جهاد الكفار، وكذلك جهاد العدو الباطن، وهو جهاد النفس والهوى، فإن جهادهما من اعظم الجهاد، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم «المجاهد من جاهد نفسه في الله».

وقال عبدالله بن عمر لمن سأله عن الجهاد: ابدأ بنفسك فجاهدها، وابدأ بنفسك فاغزها.

وقال بقية بن الوليد: اخبرنا إبراهيم بن ادهم حدثنا الثقة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: أول ما تنكرون من جهادكم جهادكم انفسكم.

ويروى من حديث سعد بن سنان عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس عدوك الذي اذا قتلته ادخلك الجنة، واذا قتلته كان لك نوراً، اعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك».

وقال ابو بكر الصديق لعمر رضي الله عنهما حين استخلف: «ان اول ما احذرك نفسك التي بين جنبيك. فهذا الجهاد يحتاج ايضا إلى صبر، من صبر على مجاهدة نفسه وهواه وشيطانه غلبه وحصل له النصر والظفر، وملك نفسه، فصار عزيزا ملكا، ومن جزع ولم يصبر على مجاهدة ذلك، غلب وقهر وأسر، وصار عبدا ذليلا اسيرا في يدي شيطانه وهواه». جامع العلوم والحكم (460ـ489/1) باختصار.

وقال ابو محمد عبدالله بن ابي مرة رحمه الله: «الجهاد الأصغر وهوجهاد العدو، وكذلك الأمر في الجهاد الأكبر وهو جهاد النفس، وقد اشار مولانا جل جلاله لذلك بقوله (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله)، فمهما كبر الامر جعل الفرج فيه اكبر، لأن امر الشيطان والنفس اكبر، فجعل في الشيطان والظفر به نفس الملجأ كما اخبر عزوجل، وجعل في النصرة على النفس الاخذ في مجاهدتها على لسان العلم، فقال عز وجل (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)، وجعل سبب العون على مجاهدتها حقيقة الاستعانة به عز وجل بقوله تعالى (إياك نستعين) بهجة النفوس (71ـ70/2).

وأما بالنسبة للحكم في جهاد العدوين الظاهر والباطن، فقد قال القاضي ابو بكر بن العربي رحمه الله: «قال علماؤنا رضي الله عنهم: جهاد العدو الظاهر فرض من فروض الكفاية وهم الكفار، وجهاد العدو الباطن فرض من فروض الاعيان، وهوالشيطان» القبس في شرح موطأ مالك (579/2).


ثالثا: العلم والدعوة من الجهاد في سبيل الله


مضى بيان مفهوم الجهاد العام وهو تحقيق كون المؤمن مؤمنا، ومن اعظم ذلك العلم، فعن انس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع» رواه الترمذي (29/5).

وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: «تعلموا العلم فإن تعلمه لله حسنة، وطلبه عبادة ومدارسته تسبيح والبحث عنه جهاد». رواه ابن عبدالبر في جامع بيان العلم وفضله ص .94

لذلك قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله، معلقا على اثر معاذ «فجعل البحث عن العلم من الجهاد، ولابد في الجهاد من الصبر».مجموع الفتاوى (39/10).

وقال ابو الدرداء رضي الله عنه: «من رأى الغدو والرواح الى العلم ليس بجهاد فقد نقص عقله ورأيه». رواه ابن عبدالبر في جامع بيان العلم وفضله ص .60

قال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله: «وكذلك من يشتغل بالعلم، لأنه احد نوعي الجهاد، فيكون اشتغاله بالعلم كالجهاد في سبيل الله والدعوة إليه». الحكم الجديرة بالاذاعة (244/1) مجموع رسائل ابن رجب.

وقال العلامة عبدالرحمن السعدي رحمه الله: «ومن اعظم الجهاد سلوك طريق التعلم والتعليم، فإن الاشتغال بذلك لمن صحت نيته لا يوازيه عمل من الاعمال، لما فيه من احياء العلم والدين، وارشاد الجاهلين، والدعوة الى الخير والنهي عن الشر، والخير الكثير الذي لا يستغني العباد عنه» الفتاوى السعدية ص.45

وقال والدنا العلامة محمد العثيمين رحمه الله: «إن المتفقهين في دين الله يوازون تماما المجاهدين في سبيل الله».

فالمتفقه في دين الله وهو يتصفح كتبه ويحضر الى مجالس العلم هو كالذي يتفقد قوسه ورمحه مجاهدا في سبيل الله.

والذي يعرض بصره وفكره وقلبه لادراك المسائل العلمية كالذي يعرض رقبته لأعداء الاسلام ليقاتلهم اعداء الاسلام حتى تكون كلمة الله هي العليا، ولست اقول ذلك مجازفة او محاباة لكم، ولكني اقول ذلك مستندا الى كتاب الله عز وجل، فقد قال الله تبارك وتعالى (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون) (التوبة: 122).

فاللام في قوله (ليتفقهوا في الدين) ليست تعليلا للفرقة النافرة، ولكنها تعليل للفرقة الباقية (ليتفقهوا) أي القاعدون الذين لم ينفروا للجهاد، (ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون)، فأنتم الآن ومن في ميدان القتال سواء» وصايا وتوجيهات لطلبة العلم (176/175/1).


رابعا: الذب عن السنة افضل انواع الجهاد


الذب عن السنة وحراسة العقيدة، ورد بدع وضلالات اهل الاهواء، ونفي انتحال الغالين وتأويل الجاهلين افضل انواع الجهاد، والسر في ذلك ان الذب عن السنة حفظ رأس مال الاسلام،وهو مقدم على قتال المشركين لان فيه طلب ربح في الاسلام، كما قال الوزير ابن هبيرة رحمه الله.

الافصاح عن معاني الصحاح «280/1».

وهذا امر معلوم مشهور متداول عند علمائنا، قال محمد بن يحيى الذهلي: سمعت يحيى بن معين يقول: الذب عن السنة افضل من الجهاد في سبيل الله، فقلت ليحيى: الرجل ينفق ماله، ويتعب نفسه، ويجاهد، فهذا افضل منه؟! قال: نعم، بكثير سير اعلام النبلاء «518/10».

وقال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله: «من الحكايات المشهورة التي بلغتنا ان الشيخ ابا عمرو بن الصلاح امر بانتزاع مدرسة معروفة من ابي الحسن الامدي، وقال: اخذها منه افضل من اخذ عكا» نقض المنطق ص 156، قال الشيخ حامد الفقي معلقا «من الافرنج ايام احتلالهم لبعض بلاد الشام ومصر في المائة السادسة» فتأمل كيف كان ائمتنا يرون ان انتزاع مدرسة من مبتدع اعظم من انتزاع عكا من الافرنج.

وقال ابن القيم رحمه الله «فالدعوة الى الله تعالى هي وظيفة المرسلين واتباعهم، وهم خلفاء الرسل في اممهم والناس تبع لهم، والله سبحانه قد امر رسوله صلى الله عليه ان يبلغ ما انزل اليه، وضمن له حفظه وعصمته من الناس، وهكذا المبلغون عنه من امته لهم من حفظ الله وعصمته اياهم بحسب قيامهم وتبليغ سنته الى الامة افضل من تبليغ السهام الى نحور العدو، لان ذلك التبليغ يفعله كثير من الناس، واما تبليغ السنن، فلا يقوم به الا ورثة الانبياء وخلفاؤهم في اممهم - جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه»جلاء الافهام ص 582ـ.581

وقال العلامة عبدالرحمن السعدي رحمه الله مقررا هذا الاصل: «الجهاد نوعان:جهاد يقصد به صلاح المسلمين، واصلاحهم في عقائدهم واخلاقهم وجميع شؤونهم الدينية والدنيوية، وفي تربيتهم العلمية والعملية وهذا النوع هو اصل الجهاد وقوامه، وعليه يتأسس النوع الثاني، وهو جهاد يقصد به دفع المعتدين على الاسلام والمسلمين، من الكفار والمنافقين والملحدين وجميع اعداء الدين ومقاومتهم» وجوب التعاون بين المسلمين ص 8ـ.7

وقال ابن حزم رحمه الله مبينا المفاضلة بين انواع الجهاد «الجهاد ينقسم اقساما ثلاثة: احدها: الدعاء الى الله تعالى باللسان والثاني: الجهاد عند الحرب بالرأي والتقدير والثالث: الجهاد باليد في الطعن والضرب.

فوجدنا الجهاد باللسان لا يلحق فيه احد بعد النبي صلى الله عليه وسلم ابا بكر ولا عمر، اما ابو بكر فان اكابر الصحابة اسلموا على يديه، فهذا افضل عمل وليس لعلي من هذا كثير حظ، واما عمر فانه من يوم اسلم عز الاسلام وعبدالله علانية، وهذا اعظم الجهاد، وقد انفرد هذان الرجلان بهذين الجهادين اللذين لا نظير لهما، ولا حظ لعلي في هذا.

وبقى القسم الثاني، وهو الرأي والمشورة، فوجدناه خالصا لابي بكر ثم لعمر.

بقي القسم الثالث وهو الطعن والضرب والمبارزة فوجدناه اقل مراتب الجهاد، ببرهان ضروري، وهو ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا شك عند كل مسلم في أنه المخصوص بكل فضيلة فوجدنا جهاده صلى الله عليه وسلم انما كان في اكثر اعماله واحواله بالقسمين الاولين من الدعاء الى الله عز وجل والتدبير والارادة وكان اقل عمله الطعن والضرب والمبارزة لاعن جبن، بل كان اشجع اهل الارض قاطبة نفسا ويدا، واتمهم نجدة، ولكنه كان يـؤثر الافضل فالافضل من الاعمال، فيقدمه ويشتغل به، ووجدناه يوم بدر وغيره كان ابو بكر لا يفارقه ايثارا من النبي صلى الله عليه وسلم له بذلك واستظهارا برأيه في الحرب، وأنسا بمكانه، ثم كان عمر ربما شُورك في ذلك، وقد انفرد بهذا الحل دون علي ودون سائر الصحابة الا في الندرة،

ثم نظرنا مع ذلك في هذا القسم من الجهاد، الذي هو الطعن والضرب والمبارزة، فوجدنا عليا لم ينفرد بالسيوف فيه، بل قد شاركه فيه غيره شركة العيان، كطلحة والزبير وسعد، ومن قتل في صدر الاسلام كحمزة، وعبيدة بن الحارث بن عبدالمطلب، ومصعب بن عمير، ومن الانصار سعد بن معاذ، وسماك بن خرشة، يعني ابا دجانه، وغيرهما، ووجدنا ابا بكر قد شاركاه في ذلك بحظ حسن، وان لم يلحقا بحظوظ هؤلاء وانما ذلك لشغلهما بالافضل من ملازمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومؤازرته في حين الحرب، وقد بعثهما على البعوث اكثر مما بعث عليا، وقد بعث ابا بكر الى بني فزارة وغيرهم، وبعث عمر الى بني فلان، وما نعلم لعلي بعثا الا الى بعض حصون خيبر ففتحه.

فحصل ارفع الجهاد لابي بكر وعمر، وقد شاركا عليا في اقل انواع الجهاد مع جماعة غيرهم».

الفصل في الملل والاهواء والنحل «211/4 ـ 212».


خامسا: بلاد المسلمين كلها ثغور


كلما نزلت بالمسلمين نازلة في احد النواحي نرى بعض شبابنا يسارع للذهاب لتلك النواحي ظانا ان هذا هو الواجب عليه، وانه لا تبرأ ذمته الا بذلك وهذا لا شك انه خطأ، وسببه يعود الى نقص علمه بمفهوم الجهاد، ونقص ادراكه لحقيقة ما يعتري بلده من أخطار عظيمة تزاحم، وربما تزيد على الاخطار التي تحيط بتلك النواحي التي نزل بها العدو.

نعم، اذا نزل العدو بلدنا وجب علينا رده، وان تنصرف جهودنا كلها لدحره، فكل مقام له ما يقتضيه، قال العلامة المقريزي رحمه الله: «أفضل العبادة العمل على مرضاة الرب سبحانه وتعالى، واشتغال كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته، فأفضل العبادات في وقت الجهاد الجهاد، وان آل الى ترك الأوراد من صلاة الليل وصيام النهار، بل من ترك اتمام صلاة الفرض كما في حالة الأمن، والأفضل في وقت حضور الضيوف القيام بحقه والاشتغال به، والافضل في وقت السحر الاشتغال بالصلاة والقرآن والذكر والدعاء، والأفضل في وقت الاذان ترك ما هو فيه من الأوراد والاشتغال بإجابة المؤذن..» تجريد التوحيد المفيد ص 44ـ.43

فاذا نزل العدو بساحتنا قمنا كلنا في وجهه، واذا نزل العدو بناحية اخرى من نواحي المسلمين، فلا ينبغي ولا يعقل ان نترك ساحتنا لنذهب لساحة غيرنا، لأنه قد نزل بساحتنا نوع آخر من انواع الغزو لعله اخطر وأشد فتكا وضررا على بلادنا من العدو الخارجي الذي نزل بجنوده وآلاته العسكرية بناحية اخرى من نواحي المسلمين.

ومازال العلماء ينبهون على حقيقة خطر الغزو الفكري الثقافي، ويبينون عظم شره، وضرره في افساد ديار المسلمين من الداخل.

قال والدنا العلامة محمد الصالح العثيمين رحمه الله: «ان العلم نوع من الجهاد في سبيل الله، ولأن طالب العلم يحاجُّ اعداء الشريعة بالحق ليدحض به باطلهم، وأحيانا يكون الغزو الفكري اعظم فتكا من الغزو المسلح كما هو مشاهد، فان الغزو الفكري يدخل كل بيت باختيار صاحب البيت بدون ان يجد معارضة او مقاومة، لكن الغزو العسكري لا يدخل البيت، بل ولا يدخل البلد الا بعد قتال مرير ومدافعة شديدة، فأعداء المسلمين يتسلطون عليهم ـ احيانا ـ بالغزو المسلح بالقتال، وهذا يمكن التحرز منه، وأحيانا بالغزو الفكري وهو اشد وأنكى من الغزو المسلح، لأنه يصيب المسلمين في قعر بيوتهم ولا يعلمون به، ربما يخرجون من الاسلام ويُمسح الاسلام من أفئدتهم مسحا كاملا، وهم لا يشعرون، لانهم يغرون المسلمين بالشهوات، والقلب اذا انغمس بالشهوات، نسي ما خلق له، نسي عبادة الله، ولم يكن في قلبه تعلق بالله ـ عز وجل ـ، فتجد الانسان في حال قيامه وقعوده وذهابه ومجيئه لا يفكر الا بهذه الشهوات، ولا يسعى الا لهذه الشهوات، وكأنه لم يُخلق لغيرها.

كذلك يُغذّون في نفوس الضعفاء تعظيم هؤلاء الكفار، وأنهم أكثر تقدما وأشد حضارة وأقوم طريقا وما شابه ذلك.

فينصهر المسلم في حرائق هؤلاء القوم، وهذا لا شك انه موجود، وان كثيرا من البلاد الاسلامية زالت معنوياتها وهلكت شخصيتها بسبب هذا الغزو الفكري.

انهم لو غزوا البلاد الاسلامية غزوا عسكريا لحلوا بأبدانهم البلاد، ولكن قلوب الناس نافرة مبغضة لهم، لكن المشكل ان يغزوا الناس بصفاتهم وأخلاقهم وعقائدهم وهم جالسون في بيوتهم قد فتحوا لهم القلوب هذا هو المشكل، وهذا هو الدمار، ولهذا كان الغزو بالسلاح العلمي المستمد من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم مساويا ان لم يكن انفع وابلغ من الغزو العسكري، فأنا احثكم بارك الله فيكم ـ وأحث نفسي على ان نعد العدة لمكافحة اعدائنا الذين يريدون ان يغزونا في بيوتنا بأفكارهم الخبيثة وأخلاقهم الملوثة، وبأفكارهم المنحرفة حتى نحمي المسلمين من شر هؤلاء، لأن سلاحهم اعظم فتكا وأشد من سلاح الحديد والنار، كما هو ظاهر».


(1) تفسير سورة الصافات ص 38ـ37


سادسا: العلماء أفضل من الشهداء


القيام بالعلم وتحصيله ونشره هي وظيفة المرسلين وهو أفضل أنواع الجهاد، ولا شيء يعدل هذه الوظيفة، فضلا عن حلاوتها التي يجدها القائمون بها.

وكلام السلف كثير في تقرير هذا الأصل، قال أبو هريرة رضي الله عنه «لأن أعلم بابا من العلم في أمر ونهي أحب إلي من سبعين غزوة في سبيل الله» الفقيه والمتفقة (16/1)

وعن يحيى بن أبي كثير الأزدي قال: سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن الجهاد، فقال: «ألا أدلك على خير من الجهاد؟ فقلت: بلى، قال: تبني مسجداً، وتعلم فيه الفرائض والسنة والفقه في الدين». جامع بيان العلم وفضله ص60، ص.105

وقال الحسن البصري رحمه الله: «ما من شيء مما خلق الله أعظم عند الله في عظيم الثواب من طلب علم، لا حج، ولا عمرة، ولا جهاد، ولا صدقة، ولا عتق، ولو كان العلم صورة لكانت صورته أحسن من صورة الشمس والقمر والنجوم والسماء والعرش». مجموع رسائل ابن رجب (36/1).

وقال مسروق: «لأن أقضي يوما بحق أحب إلي من أن أغزو سنة في سبيل الله عز وجل»، مصنف ابن ابي شيبة (540/4).

وقال الامام الشافعي رحمه الله: «ليس بعد الفرائض شيء أفضل من طلب العلم، قيل له: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله»، المدخل إلى السنن ص.310

وقال ابن المبارك لأصحابه وهو في الغزو «هل تعلمون عملا أفضل من هذا؟ قالوا: لا نعلمه، قال: بلى أنا أعلمه، رجل متعفف محترف أبو عيال، قام من الليل، فوجد صبيانه مكشفين فغطاهم، وثار إلى صلاته». شرح حديث جبريل لشيخ الإسلام ابن تيمية ص.610

وهذه النقولات الكثيرة دالة على توافق أئمة السلف في معرفة مقاصد الشريعة، ومن أعظم الأدلة على تفضيل العلماء على الشهداء، قوله تعالى (ومن يُطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا)، فقد جعل الله منزلة العلماء فوق منزلة الشهداء في الجنة، وهذا العلامة ابن بطال رحمه الله لما ساق قوله عليه السلام في جوابه لما سئل: أي الناس أفضل؟ فقال عليه السلام «مؤمن يجاهد في سبيل الله» علق بقوله: «ليس على عمومه، ولا يريد أنه أفضل الناس قاطبة، لأن أفضل منه من أوتي منازل الصديقين، وحمل الناس على شرائع الله وسنن نبيه، وقادهم إلى الخيرات، وسبب لهم أسباب المنفعة في الدين والدنيا، لكن إنما أراد عليه السلام - والله أعلم - أفضل عامة الناس، لأنه قد يكون في خاصتهم من أهل الدين والعلم والفضل والضبط بالسنن من هو أفضل منه». شرح صحيح البخاري (8ـ7/5).

وقال ابن بطال رحمه الله مبينا فضل العلماء على المجاهدين والشهداء: «إن طلب العلم ينبغي ان يكون أفضل من الجهاد وغيره، لأن الجهاد لا يكون إلا بعلم حدوده وما أحل الله منه وحرم، ألا ترى أن المجاهد متصرف بين أمر العالم ونهيه، ففضل عمله كله في ميزان العالم الآمر له بالمعروف والناهي له عن المنكر والهادي له إلى السبيل، فكما ان أجر المسلمين كلهم مذخور للنبي عليه السلام من أجل تعليمه لهم وهدايته إياهم سبيل العلم، فكذلك يجب ان يكون أجر العالم فيه أجر من عمل بعلمه» شرح صحيح البخاري (50ـ49/5).

وقال أبو العباس القرافي رحمه الله في وجه تفضيل العلماء على الشهداء: «بسبب طاعة العلماء لله بضبط شرائعه، وتعظيم شعائره التي من جملتها الجهاد، وهداية الخلق إلى الحق، وتوصيل معالم الأديان إلى يوم الدين، ولولا سعيهم في ذلك من فضل الله تعالى لانقطع أمر الجهاد وغيره، ولم يبق على وجه الأرض من يقول: الله، وكل ذلك من نعمة الله تعالى عليهم». الفروق (375/2).


سابعا: الفضل بزيادة الطاعات لا بمجرد الشهادة فقط


الجهاد وسيلة وليس مقصودا لذاته، فإن الشريعة انما جاءت بحفظ النفوس، فالجهاد وسيلة لان تكون كلمة الله هي العليا، قال تعالى ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين الله)البقرة (193) ولسان حال بعض الشباب هو طلب الموت فقط والبحث عنه، وكأن هذا البعض يريد الخلاص من هذه الدنيا لمجرد الخلاص.

وقد كتبت في مقال سابق ان مقصود الجهاد هو اقامة الدين وحفظ النفوس، والادلة كثيرة تبين ان بقاء المسلم في الدنيا لعمارتها وهداية الخلق فيها خير من مجرد الموت لأجل الموت فهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما زار سعد بن ابي وقاص رضي الله عنه وهو مريض، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ولعلك تخلّف حتى ينفع بك اقوام ويُضر بك اخرون» رواه البخاري ومسلم.

وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «واجعل الحياة زيادة لي في كل خير» رواه مسلم. وموسى عليه السلام لما جاءه ملك الموت ليقبض روحه فقأ عينه، رواه البخاري ومسلم. وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من احب لقاء الله احب الله لقاءه»، ومن كره لقاء الله كره الله لقاء، قالت عائشة او بعض ازواجه: إنا نكره الموت، قال «ليس ذلك، ولكن المؤمن اذا حضره الموت بُشر برضوان الله و كرامته، فليس شيء احب اليه مما امامه، فأحب لقاء الله فأحب الله لقاءه، وان الكافر اذا حضر، بشر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء اكره اليه مما امامه، فكره لقاء الله فكره الله لقاءه» رواه البخاري ومسلم، فتأمل قول امهات المؤمنين رضي الله عنهن: «إنا نكره الموت»، وتأمل كذلك اقرار النبي صلى الله عليه وسلم لهن على ذلك.

وأصرح من ذلك قول الله تبارك وتعالى: في الحديث القدسي: «ما ترددت في شيء ترددي في قبض روح عبدي، يكره الموت وأكره اساءته» رواه البخاري.

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «لان اموت على فراشي صابرا محتسبا احب الي من ان اقدم على القوم، ولا اريد الا ان يقتلوني، أوليس الله يأتيه بالشهادة؟ والرجل عظيم الغناء عن اصحابه مجزيا لمكانه» رواه ابو اسحاق الفزاري في السير ص213 واسناده صحيح وقال ثابت البناني رحمه الله: «ان لله عبادا يضن بهم في الدنيا عن القتل والاوجاع، يطيل اعمارهم ويحسن ارزاقهم، ويميتهم على فرشهم، ويطبعهم بطابع الشهداء» جامع العلوم والحكم «385/2».

وقال عمر بن ذر: كتب سعيد بن جبير الى ابي كتابا اوصاه بتقوى الله، وقال: «ان بقاء المسلم كل يوم غنيمة، فذكر الفرائض والصلوات وما يرزقه الله من ذكره». سير اعلام النبلاء (326/4).

وبعض الشباب يستدل بما نُقل عن بعض السلف من تمني الموت، فأقول ان النبيين عليهم السلام أكمل هديا، ولم يسألوا الله الوفاة، قال ابن الملقن رحمه الله: «قال ابن عباس رضي الله عنهما: ولم يتمن نبي الموت غير يوسف عليه السلام، وقال غيره: إنما تمنى الوفاة على الاسلام لا الموت». الاعلام بفوائد عمدة الاحكام (272/10 - 274).

بل قد ذكر بعض العلماء عن النبيين كراهية الموت، قال الحسن البصري رحمه الله: «لما كرهت الانبياء الموت، هوَّن الله عليهم بلقاء الله، وبكل ما احبوا من تحفة او كرامة حتى ان نفس احدهم تُنزع من بين جنبيه وهو يحب ذلك، لما قد مُثَّل له». جامع العلوم والحكم (357/2).

وربما اعتقد بعض الشباب التلازم بين الولاية وتمني الموت لقوله تعالى (قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتهم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين) (الجمعة: 6)، ودفع هذا التوهم الحافظ ابن كثير رحمه الله حيث قال: «لا يلزم من كونهم يعتقدون انهم صادقون في دعواهم ان يتمنوا الموت فانه لا ملازمة بين وجود الصلاح وتمني الموت، وكم من صالح لا يتمنى الموت، بل يود ان يُعمّر يزداد خيرا وترتفع درجته في الجنة كما جاء في الحديث «خيركم من طال عمره وحسن عمله،» وجاء في الصحيح النهي عن تمني الموت، وفي بعض الفاظه:«لا يتمنين احدكم الموت لضر نزل به اما محسنا فلعله ان يزداد، واما مسيئا فلعله ان يستعتب». تفسير القرآن العظيم (337/1).

والمقصود من هذا كله بيان ان الرجل قد يُعمر ويموت على فراشه ويكون خيرا عند الله ممن قُتل شهيدا، والدليل على ذلك حديث عبيد بن خالد وكان من اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين رجلين فاستشهد احدهما، وبقي الاخر بعده عاما، ثم مات فاتبعنا جنازته ومعنا النبي صلى الله عليه وسلم، فجعلنا ندعو الله ونرغب اليه ان يُلحقه بصاحبه!».

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أيهما تعدُّون افضل؟ فقلنا: الله ورسوله اعلم!

ثم قلنا: الشهيد افضلهما! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الا تعدون لهذا فضيلته: صلاته، وعمله بعد عمله!

لما بينهما ابعد مما بين السماء والارض». رواه احمد وابن ماجة وصححه ابن حبان والالباني.

فهذان رجلان كل واحد منهما قضى نحبه ووافى ربه باعمال صالحة، ومنزلة من قُتل شهيدا في سبيل الله دون منزلة صاحبه الذي عمّر اكثر منه بعام فقط، فكيف بمن عمّر اكثر من ذلك.

قال محمد بن جرير الطبري رحمه الله: «والذي فيه من ذلك الابانة عن فضل صالح الاعمال، وان الفاضل من الناس انما يفضل غيره يفضل زيادة اعماله الصالحة على عمل من فَضَلَهُ وذلك ان النبي صلى الله عليه وسلم لما ذُكر له امر الرجلين اللذين استشهد احدهما، وعاش الاخر بعده سنة، قال في الذي عاش بعد صاحبه: «أليس قد ادرك رمضان وصامه، وصلى كذا وكذا سجدة، فلما قالوا له: بلى! قال: «فلما بينهما ابعدُ مما بين السماء والارض»!.

وذلك من قوله صلى الله عليه وسلم نظير الاخبار الواردة عنه، انه قال: اذ قيل له: اي الناس خير؟ قال: «من طال عمره وحسن عمله». تهذيب الآثار (الجزء المفقود ص373ـ372).

وفق الله الجميع لما يُحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين.


تاريخ النشر: الاثنين 31/7/2006

جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127