الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

محاسن الصدع بالحق (3) الشيخ عبدالرحمن العتيبي

أضيف بتاريخ : 07 / 08 / 2008
                                
محاسن الصدع بالحق (3)

عندما بيّنا معنى الصدع بالحق ذكرنا بعده فوائد ومحاسن هذا الصدع، ووضحنا أن الصدع بالحق هو امتثال لأمر الله القائل(فاصدع بما تؤتمر) وها نحن نستعرض كيفية الصدع بالحق والآداب التي تنبغي مراعاتها عند الصدع بالحق.

ـ1 العلم وضده الجهل، فالداعية إلى الله لابد أن يكون عالماً بالحق حتى يدعو إليه، قال تعالى:(قُلْ هَذًهً سَبًيلًي أَدْعُو إًلَى اللّهً عَلَى بَصًيرَة أَنَاْ وَمَنً اتَّبَعَنًي). (يوسف 108).

ولا نقصد بالعلم أن يتوقف عن الدعوة والصدع بالحق حتى يكون من العلماء ، وإنما نعني أن يكون متمكناً من فهم دينه، وعلى علم واطلاع تام بالخصلة التي يدعو إليها ، ويكون متثبتاً من نسبتها إلى الشرع حتى يقدم على نشرها والإنكار على من يخالفها ومن تحقق له ذلك فلينشر الخير، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (بلغوا عني ولو آية).

ـ2 العمل بما يعلم ، فالداعية قدوة في عمله قبل قوله، فإن كان عاملاً بما يعلم كان تأثيره على المدعو قوياً ، وإن كان عمله يخالف قوله أصبح محل انتقاد وازدراء، قال تعالى:(أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بًالْبًرًّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكًتَابَ أَفَلاَ تَعْقًلُونَ ) (البقرة: 44). والعمل هو ثمرة العلم فمن يحمل العلم ولا يعمل به كان كما قال الله تعالى:(كَمَثَلً الْحًمَارً يَحْمًلُ أَسْفَارًا). (الجمعة: 5).

ـ3 الحكمة، قال تعالى:(ادْعُ إًلى سَبًيلً رَبًّكَ بًالحًكْمَةً وَالموْعًظَةً الحسَنَةً وَجَادًلْهُم بًالَّتًي هًيَ أَحْسَنُ) (النحل: 125)، وهذه الآية الكريمة في نصارى وفد نجران، عندما أتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ـ فبالحكمة والحوار الهادئ يمكن توضيح الحق للآخرين وكسبهم، والأخلاق الحسنة صفة مهمة ينبغي أن يتحلى بها من يصدع بالحق ويعامل الآخرين بالمعاملة الحسنة من طيب كلام وحسن جوار وتقديم المساعدة للغير، وإن وجده على منكر فينكر برفق ولين قال تعالى:(فَبًمَا رَحْمَة مًّنَ اللّهً لًنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلًيظَ الْقَلْبً لاَنفَضُّواْ مًنْ حَوْلًكَ) (آل عمران: 159)، فاللين واسلوب الحكمة مدعاة للقبول، ومن الحكمة انزال الناس منازلهم عند مخاطبتهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما بعث رسالة إلى هرقل يدعوه وقومه إلى الإسلام، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، فوصفه بمنزلته العالية في قومه ولم يقلل من شأنه لأجل أنه كافر، ويستفاد من ذلك إنزال الناس منازلهم وحسن العرض عند مخاطبة الآخرين حتى يقبلوا الحق.

ـ4 الإخلاص، فمن يصدع بالحق عليه أن ينوي بعمله التقرب إلى الله وأن يقوم بنفع الناس، ولا يقصد بعمله حب الظهور أو مآرب دنيوية، فإنه، ربما ببركة الإخلاص لله في العمل يحصل التأثير.

ـ5 صدق اللهجة، فعندما يعرض الداعية ما يدعو إليه ينبغي أن يتحمس إليه ويتفاعل معه حتى يشعر السامع بأن الأمر جد، وأن الداعي مهتم بما يقول ولا يكون طرح الموضوع من باب إظهار المعرفة ورغبة في المشاركة، وقديما قالوا ليست الثكلى كالنائمة، فالداعي عليه أن يصدق في اهتمامه بما يدعو إليه من الحق، ويتحمس حتى يسري ذلك الحماس إلى غيره فيؤثر فيه.

ـ6 حُسن العرض، فالداعي يلتقي بأنواع مختلفة من البشر، منهم العامي والمثقف وسريع الفهم وبطيئو الفهم ولذلك يحتاج الداعية إلى تنوع في أسلوب العرض، فيكون معه من الأدلة والبراهين ما يقنع من يطلب ذلك، ويتحدث بالأسلوب السهل الواضح، الذي لا يشكل على أحد، حتى يسهل على الناس فهم الإسلام دون تكلف... وهناك وسائل كثيرة لعرض فينظر فيها إن لم تكن بها مخالفات شرعية، فلا بأس باستخدامها لنشر الخير، ويستعمل اسلوب ذكر القصة والمثل فقد جاءت في القرآن وهي محببة إلى النفوس وأدعى للإصغاء للداعي، ولكن عليه أن يستخدمها في حدود الضوابط الشرعية دون مبالغة فيها أو الاكثار منها، ويبقى الأصل وهو القوة العلمية للداعية وعمله بعلمه وتوجيهه وتعليمه لمن يلتقي بهم من الناس في أي مكان وهذه هي دعوة الأنبياء مع أقوامهم.

ـ7 الرفق والتأني، ومن يصدع بالحق يحتاج إلى الرفق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه". أرسل الله موسى وأخاه هارون عليهما السلام إلى فرعون وأمرهما باللين في القول معه، قال تعالى:(اذْهَبَا إًلَى فًرْعَوْنَ إًنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيًّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) (طه: 43 ـ 44)، فاسلوب العنف والتجريح يجب ألا يستعمل إلا في حالات خاصة يغلب على الظن نفعه معها، لأن اسلوب العنف قد يواجه من المدعو بمثله فيدخل العناد وتذهب الثمرة، التي هي رجاء هداية الشخص أو رجوعه إلى الحق أو تركه المنكر، وليحرص الداعية على التأني في قراراته أو في إصدار الأحكام على الناس، من حيث موافقتهم للحق أو مخالفتهم له، والتأني أقرب لسلامة الرأي وصحة التصرف، والعرب كانوا يحبون الرأي المعالج خلال أيام ويكرهون الرأي السريع الحاضر المتخذ من دون أن يأخذ نصيبه من الوقت الذي يمكن سبره فيه، وقد حث ديننا على التأني، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس إن فيك خصلتين يحبهما الله الحلم والأناة".

ـ8 الصبر، قال تعالى:(وَتَوَاصَوْا بًالْحَقًّ وَتَوَاصَوْا بًالصَّبْرً) (العصر:3)، التواصي بالحق هو الدعوة إلى الخير والصدع بالحق ومن حصل منه ذلك يحتاج إلى التواصي بالصبر، وبالصبر يكون الظفر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يوصي أصحابه بالصبر عندما تعرضوا للاضطهاد في مكة، وعلى الداعي أن يدعو ولا يستعجل في طلب استجابة الناس، بل يكرر الدعوة ولا ييأس، ويمكن أن يحصل من الناس جفوة وتعد واعتراض على دعوته، وهو هنا يحتاج إلى الصبر، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يوم القيامة يأتي النبي ومعه الرهط والنبي ومعه الرهيط ويأتي النبي وليس معه أحد، فما على الرسول إلا البلاغ، والهداية والتوفيق بيد الله عز وجل. قال تعالى:(إًنَّكَ لَا تَهْدًي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكًنَّ اللَّهَ يَهْدًي مَن يَشَاء) (القصص: 56)، ومن صفات المؤمنين أنهم يصبرون وأن ما يصيبهم لا يؤدي بهم إلى الانتكاس أو الضعف، قال تعالى:(فَمَا وَهَنُواْ لًمَا أَصَابَهُمْ فًي سَبًيلً اللّهً وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحًبُّ الصَّابًرًينَ) (آل عمران: 146).

فمن أراد الصدع بالحق فعليه أن يعمل بهذه الآداب وغيرها من الوسائل المشروعة حتى يتحقق الهدف المنشود وهو هداية الناس لعبادة ربهم وحده لا شريك له، وتطهير الأرض من الفساد بإزالة المنكر وظهور الحق وعلوه على الباطل، وليسأل ربه التوفيق والقبول، فإنه نعم المولى ونعم النصير، قال تعالى:(إًن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالًبَ لَكُمْ وَإًن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذًي يَنصُرُكُم مًّن بَعْدًهً وَعَلَى اللّهً فَلْيَتَوَكًّلً المؤْمًنُونَ) (آل عمران: 160).

وإننا نحث الجميع على طلب الحق ومعرفته ثم العمل به ونصرته ومؤازرة أهل الحق ونشره، وكل بحسب قدرته، وفي أسرته ومحيطه ومجتمعه، حتى ننال رضى الله وثوابه وننجو من سخطه وعقابه ونفوز بسعادة الدارين... وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.



عبد الرحمن بن ندى العتيبي



تاريخ النشر: الاثنين 11/6/2007 

جريدة الوطن الكويتية

اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127