الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

محاسن الصدع بالحق (2) الشيخ عبدالرحمن العتيبي

أضيف بتاريخ : 07 / 08 / 2008
                                
محاسن الصدع بالحق (2)

ذكرنا فيما سبق أن الله أمر نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فقال له «فاصدع بما تؤمر» وقد قام بالدعوة على أكمل وجه حتى ظهر الإسلام ونبينا صلى الله عليه وسلم قدوة لاتباعه من المسلمين والمسلمات حتى يقوموا بنشر الحق وبيانه للناس فيفوزوا برضا الله وثوابه وينجوا من سخطه وعقابه.



الصدع بالحق دعوة الأنبياء عليه السلام



دعا الأنبياء أقوامهم إلى عبادة الله وحده لا شريك، والأنبياء يمتثلون أمر الله فقد أمر نبيه نوح عليه السلام بان ينذر قومه قال تعالى (إًنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إًلَى قَوْمًهً أَنْ أَنذًرْ قَوْمَكَ مًن قَبْلً أَن يَأْتًيَهُمْ عَذَاب أَلًيم) (نوح:1)، ونبي الله موسى عليه السلام أمره ربه بالصدع بالحق أمام الطاغية فرعون مدعي الربوبية قال تعالى: (اذْهَبْ إًلَى فًرْعَوْنَ إًنَّهُ طَغَى ، فَقُلْ هَل لَّكَ إًلَى أَن تَزَكَّى ، وَأَهْدًيَكَ إًلَى رَبًّكَ فَتَخْشَى) (النازعات: 19ـ17)، والنبي صالح (وَإًلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالًحًا قَالَ يَا قَوْمً اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مًّنْ إًلَهي غَيْرُهُ) (الأعراف: 73)، ولم يقتصر قول الحق بالدعوة إلى التوحيد فقط وإنما تعداه إلى جميع شؤون الحياة ومنها إرشاد الناس إلى ترك الفواحش، قال تعالى: (وَلُوطًا إًذْ قَالَ لًقَوْمًهً أَتَأْتُونَ الْفَاحًشَةَ مَا سَبَقَكُم بًهَا مًنْ أَحَد مًّن الْعَالَمًينَ) (الأعراف: 80)، وهذا نبي الله شعيب يصدع بالحق وينهاهم عن الغش في المعاملات قال تعالى: (وَإًلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمً اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مًّنْ إًلَه غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيًّنَة مًّن رَّبًّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمًيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسًدُواْ فًي الأَرْضً بَعْدَ إًصْلاَحًهَا ذَلًكُمْ خَيْر لَّكُمْ إًن كُنتُم مُّؤْمًنًينَ) (الأعراف: 85)، وأبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام بيّن لقومه فساد عقيدتهم (قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فًي ضَلَال مُّبًين) ثم أرشدهم إلى عبادة ربهم الحق (قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتً وَالْأَرْضً الَّذًي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلًكُم مًّنَ الشَّاهًدًينَ) وقام بعد ذلك بتكسير أصنامهم التي يعبدونها (وَتَاللَّهً لَأَكًيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبًرًينَ، فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إًلَّا كَبًيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إًلَيْهً يَرْجًعُونَ) فالصدع بالحق منهج الأنبياء عليهم السلام.





ضعف الباطل أمام الحق



الباطل ضعيف أمام الحق لانه ليس له أساس يبني عليه فهو معتقدات وأفكار لا أساس لها من الصحة وطقوس وعبادت لا اصل لها ولا تُقربَّ لرب العالمين فهو لم يأمر بها، وإذا أعطي الحق فرصة للقاء الباطل هزمه سريعاً قال تعالى: (بَلْ نَقْذًفُ بًالْحَقًّ عَلَى الْبَاطًلً فَيَدْمَغُهُ فَإًذَا هُوَ زَاهًق) (الأنبياء: 18)، وتأملوا قوة هذه الكلمة (فيدمغه) يمحقه فاذا هو (زاهق) ذاهب وهالك ومضمحل، وقال تعالى: (وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطًلُ إًنَّ الْبَاطًلَ كَانَ زَهُوقًا وقل جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا) (الاسراء: 81)، زهوقا شديد الاضمحلال وسريع الذهاب لتهالكه وعدم مقاومته للحق اذا جاءه، واهل الباطل عندما يعرض عليهم الحق يعلمون انه هو الصواب وأن الخطأ ما هم عليه ولكن لا يزعنون للحق لاجل مصالح شخصية ومكاسب دنيوية يفقدونها إذا أخذوا بالحق، أو انهم يعرضون متابعة لمن سبقهم ولا يرغبون في تغيير ما وجدوا عليه الآباء ولو كان الحق بخلافه أما في قرارة أنفسهم فإذا عرض عليهم الحق عرفوا أنه هو الصواب، قال تعالى: (وَجَحَدُوا بًهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا..) وكان الواجب أن يعملوا عقولهم فيتبعوا الحق ويأخذوا به ويتحرروا من الباطل ولو كان هو ما عليه الآباء فكلي مسؤول عن نفسه يوم القيامة قال تعالى: (يَوْمَ يَفًرُّ الْمَرْءُ مًنْ أَخًيهً ، وَأُمًّهً وَأَبًيهً ، وَصَاحًبَتًهً وَبَنًيهً ، لًكُلًّ امْرًئ مًّنْهُمْ يَوْمَئًذ شَأْن يُغْنًيهً) (عبس: 34 ـ 37) .

فوائد ومحاسن الصدع بالحق

1 ـ امتثال أمر الله قال تعالى: (وَلْتَكُن مًّنكُمْ أُمَّة يَدْعُونَ إًلَى الْخَيْر) (آل عمران: 104)، وفي امتثال أمر الله الخير للأمة.

2 ـ نجاة الجميع وصلاح حياتهم الدنيا وحسن العاقبة لهم في الآخرة عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها وكان الذين في أسفلها اذا استقوا في الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً» رواه البخاري، فهذا المثال يبين ان من انكر على المخطئ كان إنكاره سببا لنجاة الجميع ولو انه تركه ولم ينكر عليه مداهنة له أو خجلاً في قول الحق أو أنه قال هو حر فيما يعتقد ويعمل ولم يبين له لعملك الجميع.

3 ـ حصول الخير والسعة في الرزق وطيب العيش اذا استجاب الناس لمن يصدع بالحق قال تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفًرُوا رَبَّكُمْ إًنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ، يُرْسًلً السَّمَاء عَلَيْكُم مًّدْرَارًا ، وَيُمْدًدْكُمْ بًأَمْوَال وَبَنًينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّات وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا) (نوح: 10 ـ 12).

4 ـ بالصدع بالحق يظهر الحق ويعلو ويندحر الباطل.

5 ـ الأجر العظيم لمن يجعله الله سبباً لهداية الناس، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا» رواه مسلم، ولنجرب مع الناس ونبين لهم الحق لعلهم يهتدون، قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه لان يهدي الله بك رجلا خيرا لك من حمر النعم وحمر النعم أجود أنواع الابل وكانت من أنفس الأشياء وأغلاها عند العرب.

6 ـ بالصدع بالحق يتضح أمر أصحاب الفرق الضالة وأهل الفتن وتنكشف خباياهم للأمة حتى تتخذ منهم موقف قبل أن يستفحل الأمر.

7 ـ إخراج الناس من ظلمات الشرك والكفر والمعتقدات الفاسدة والبدع المضلة إلى نور الإسلام وصفاء العقيدة الصحيحة ومن هدي إلى ذلك ابتهجت نفسه وأشرقت حياته، ومن دعاه إلى الحق أصبح سببا في إنقاذه من النار ودخوله الجنة بإذن الله وذلك هو الفوز العظيم قال تعالى: (فَمَن زُحْزًحَ عَنً النَّارً وَأُدْخًلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ).

8 ـ براءة الذمة فمن يصدع بالحق فقد سعى في نجاة غيره فان لم يُسْتَّجَبْ له فقد أدى ما يجب عليه من الإبلاغ والإنكار.

9 ـ من يصدع بالحق تكون له المحبة من الله ثم يوضع له القبول عند الآخرين ويعطونه ثقتهم إذا علموا أنه ناصح لهم وتكون له حسن العاقبة في الدنيا والآخرة.

وفي تكملة للموضوع إن شاء الله سنذكر كيفية الصدع بالحق والآداب المتعلقة به مما ينبغي مراعاته في هذا الشأن عملاً بمبدأ العلم قبل العمل حتى لا يتخبط الجاهل ويقول أنا أصدع بالحق ويخرب أكثر مما يصلح قال تعالى: (قُلْ هَذًهً سَبًيلًي أَدْعُو إًلَى اللّهً عَلَى بَصًيرَة أَنَاْ وَمَنً اتَّبَعَنًي). فالجاهل الذي يتخبط ويدعي ان الذي حمله على ذلك هو الغيرة على الدين كان الأولى به، الصمت لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت»، ومن لا يعلم ففي الصمت سعة له وسلامة لدينه، فطلب العلم لمن أراد الصدع بالحق هو البداية حتى تكون الخطوات صحيحة وموفقة بإذن الله تعالى.



عبد الرحمن بن ندى العتيبي



تاريخ النشر: الاثنين 4/6/2007

جريدة الوطن الكويتية

اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127