الشيخ حمد بن إبراهيم العثمان

العبادة وقت الغفلة أشق على النفوس - الشيخ حمد بن ابراهيم العثمان

أضيف بتاريخ : 30 / 07 / 2008
                                

العبادة وقت الغفلة أشق على النفوس

شهر الطاعة

كتب:د. حمد بن إبراهيم العثمان

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:


فقد روى الإمام أحمد في مسنده والنسائي في سننه من حديث أسامة بن زيد- رضي الله عنه- قال: قلت يا رسول الله لم أرك تصوم من الشهور ما تصوم من شعبان! قال: «ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع الأعمال فيه إلى رب العالمين عز وجل فأحب أن يُرفع عملي وأنا صائم».

فأفادنا هذا الحديث بعدة أمور:-

الأول: استحباب العبادة في أوقات الغفلة، فقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم سبب تحريه صيام شعبان بقوله «شهر يغفل الناس عنه»، فإذا ترك العبد العبادة في أوقات الغفلة صار كعامة الغافلين، ولم يكن من عباد الله المصطفين الذين يصومون إذا الناس مفطرون، ويُصلون إذا الناس نائمون.

قال الحافظ ابن رجب الحنبلي- رحمه الله: «وفيه دليل على استحباب عمارة أوقات غفلة الناس بالطاعة، وأن ذلك محبوب لله عز وجل، كما كان طائفة من السلف يستحبون إحياء ما بين العشاءين بالصلاة، ويقولون هي ساعة غفلة، ولذلك فضل القيام في وسط الليل لشمول الغفلة لأكثر الناس فيه من الذكر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :»إن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن، ولهذا المعنى كان النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يُؤخر العشاء إلى نصف الليل، وإنما علل ترك ذلك لخشية المشقة على الناس، ولما خرج على أصحابه وهم ينتظرونه لصلاة العشاء، قال لهم: ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم.

وفي هذا إشارة إلى فضيلة التفرد بذكر الله في وقت من الأوقات لا يوجد فيه ذاكر له [لطائف المعارف-137].

وتحدث الحافظ ابن رجب الحنبلي- رحمه الله- عن فوائد الطاعة في أوقات ومواطن الغفلة، فقال: «وفي إحياء الوقت المغفول عنه بالطاعة فوائد منها: أنه يكون أخفى، وإخفاء النوافل وإسرارها أفضل، لا سيما الصيام، فإنه سر بين العبد وربه، ولهذا قيل إنه ليس فيه رياء.

وقد صام بعض السلف أربعين سنة لا يعلم به أحد، كان يخرج من بيته إلى سوقه ومعه رغيفان فيتصدق بهما، ويصوم فيظن أهله أنه أكلهما، ويظن أهل سوقه أنه أكل في بيته، وكانوا يستحبون لمن صام أن يُظهر ما يُخفي به صيامه، فعن ابن مسعود- رضي الله عنه- أنه قال: إذا أصبحتم صياما فأصبحوا مدهنين، وقال قتادة: يستحب للصائم أن يدهن حتى تذهب عنه غبرة الصيام، وقال أبو التياح: أدركت أبي ومشيخة الحي إذا صام أحدهم أدهن ولبس صالح ثيابه.

والعبادة وقت الغفلة أشق على النفوس، وأفضل الأعمال أشقها على النفوس وسبب ذلك أن النفوس تتأسى بما تشاهده من أحوال أبناء الجنس، فإذا كثرت يقظة الناس وطاعاتهم كثر أهل الطاعة لكثرة المقتدين بهم فسهلت الطاعات، وإذا كثرت الغفلات وأهلها تأسى بهم عموم الناس، فيشق على نفوس المستيقظين طاعاتهم لقلة من يقتدون بهم فيها، ولهذا المعنى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «للعامل منهم أجر خمسين منكم، إنكم تجدون على الخير أعوانا ولا يجدون»، وقال: «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء»، وفي رواية: «قيل: ومن الغرباء؟ قال: الذين يُصلحون إذا فسد الناس»، وفي صحيح مسلم من حديث معقل بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العبادة في الهرج كالهجرة إليّ».

وخرجه الإمام أحمد ولفظه: «العبادة في الفتنة كالهجرة إليّ»، وسبب ذلك أن الناس في زمن الفتن يتبعون أهواءهم ولا يرجعون إلى دين فيكون حالهم تنبيها بحال الجاهلية، فإذا انفرد من بينهم من يتمسك بدينه ويعبد ربه ويتبع مراضيه ويجتنب مساخطه، كان بمنزلة من هاجر من بين أهل الجاهلية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤمنا به، متبعا لأوامره، مجتنبا لنواهيه.

ومنها أن المنفرد بالطاعة عن أهل المعاصي والغفلة قد يُدفع به البلاء عن الناس كلهم، فكأنه يحميهم ويدافع عنهم، قال بعض السلف: ذاكر الله في الغافلين كمثل الذي يحمي الفئة المنهزمة، ولولا من يذكر الله في غفلة الناس لهلك الناس، وقد قيل في تأويل قوله تعالى (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض)، أنه يدخل فيها دفعه عن العصاة بأهل الطاعة.

وجاء في الأثر إن الله يدفع بالرجل الصالح عن أهله وولده وذريته ومن حوله« [لطائف المعارف باختصار:137 - 140].

الثاني: من فوائد حديث أسامة في تعليله صلى الله عليه وسلم صيام شعبان في قوله «وهو شهر ترفع الأعمال فيه إلى رب العالمين عز وجل فأحب أن يُرفع عملي وأن صائم»، فيه بيان أن الصوم من أفضل الأعمال والطاعات لأن النبي صلى الله عليه وسلم خصّه من سائر الأعمال في شهر تُعرض فيه الأعمال.

الثالث: أن الأعمال تُعرض في شهر شعبان، وهذا غير العرض الأسبوعي، كما روى أحمد والترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تُعرض الأعمال يوم الإثنين والخميس فأحب أن يُعرض عملي وأنا صائم».

وهذا غير العرض اليومي، كما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار فيجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر فيسأل الذين باتوا فيكم وهو أعلم: كيف تركتم عبادي، فيقولون: آتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون».

الرابع: مراجعة الإنسان نفسه ومحاسبته لها في أرجى أعماله التي يرجو بها موافاة ربه، وهذا واضح كون النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى أفضل الأعمال في شهر تُعرض فيه الأعمال، وهكذا كان السلف الصالح رحمهم الله، فقد كان إبراهيم النخعي يبكي امرأته يوم الخميس وتبكي إليه، ويقول: اليوم تُعرض أعمالنا على الله عز وجل، وكان الضحاك يبكي آخر النهار ويقول: لا أدري ما رُفع من عملي.

الخامس: منزلة صيام شعبان من رمضان بمنزلة السنن للرواتب مع الفرائض قبلها وبعدها، وهي تكملة لنقص الفرائض، فكما أن السنن الرواتب أفضل من التطوع المطلق بالصلاة، فكذلك صيام ما قبل رمضان وبعده أفضل من صيام ما بعد منه، ويكون قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم»، محمولا على التطوع المطلق بالصيام. [لطائف المعارف: 136-137].

وننبه من يتطوع بصيام شعبان إلى ملاحظة عدم تشبيه شعبان برمضان، فلا يصومه كله وإنما يصوم أغلبه كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ففي الصحيحين عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا رمضان.

وتلمس العلماء أيضا أسرارا أخرى في استحباب صيام شعبان وذكروا منها التمرين على الصيام، لئلا يدخل في صوم رمضان على مشقة وكلفة، بل يكون قد تمرن على الصيام واعتاده، ووجد بصيام شعبان قبله حلاوة الصيام ولذته، فيدخل في رمضان بقوة ونشاط.

قال الحافظ ابن رجب الحنبلي- رحمه الله: «ولما كان شعبان كالمقدمة لرمضان شُرع فيه ما يُشرع في رمضان من الصيام وقراءة القرآن، ليحصل التأهب لتلقي رمضان، وترتاض النفوس بذلك على طاعة الرحمن، قال سلمة بن كهيل: كان يُقال شهر شعبان شهر القراء، وكان حبيب بن أبي ثابت إذا دخل شعبان قال: هذا شهر القراء، وكان عمرو بن قيس الملائي إذا دخل شعبان أغلق حانوته وتفرغ لقراءة القرآن» [لطائف المعارف: 141-142].

ومن بقي عليه شيء من صيام رمضان الفائت فليبادر إلى قضائه، فإن شهر شعبان آخر وقت قضاء رمضان الفائت، فلا يجوز التفريط حتى خروج الوقت، والإنسان المتحري للخير يتلمح الأيام والأشهر الفاضلة ويغتنمها في طاعة الله عز وجل، ويسأل الله عز وجل أن يُبلغه هذه الأوقات الفاضلة ليعمرها بطاعة الله، فقد روي أن النبي صى الله عليه وسلم كان يدعو ببلوغ رمضان، فكان إذا دخل رجب يقول: «اللهم بارك لنا في رجب وشعبان، وبلغنا رمضان» [رواه الطبراني من حديث أنس- رضي الله عنه].

وقال معلى بن الفضل- رحمه الله: «وكانوا يدعون الله تعالى ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبل منهم».

وقال يحيى بن أبي كثير- رحمه الله: «كان من دعائهم اللهم سلمني إلى رمضان، وسلم لي رمضان، وتسلمه من متقبلا».

فأسأل الله عز وجل أن ييسر لنا لزوم تلاوة القرآن وطاعة الرحمن في شعبان، وأن يبلغنا رمضان، وأن يمن علينا باغتنام الأشهر الفاضلة لحرث الآخرة، آمين.


والحمد لله رب العالمين


تاريخ النشر: الاثنين 4/9/2006


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127