الشيخ عبدالعزيز بن ريس الريس

منهج أصحاب الحديث - الشيخ عبد العزيز بن ريس الريس

أضيف بتاريخ : 30 / 07 / 2008
                                



منهج أصحاب الحديث -  الشيخ عبد العزيز بن ريس الريس

مما أنبه عليه أن في الدعوة إلى الاجتماع على من ثبتت له الولاية خيراً كثيراً للمحكومين أنفسهم قبل غيرهم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

فقد أخبرنا رسولنا محمد (أن هذه الأمة الإسلامية ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة واحدة)، كما روي هذا الحديث عن ستة عشر صحابياً منهم معاوية بن أبي سفيان عند أحمد وأبي داود، وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة عند الترمذي .

وقد دل على معنى هذا الحديث القرآن والأحاديث المتواترة وقد أجمع سلف هذه الأمة الأخيار على معاني هذه الأحاديث من غير نكير، وفي هذه الأحاديث عدة أمور منها:

1ـ أنه لا يكفي للنجاة الحقيقية الانتساب للإسلام فحسب لأن هذه الثلاث والسبعين كلها مسلمة بالإجماع كما حكاه ابن تيمية وقرره الشاطبي في الاعتصام، بل لابد للنجاة الحقيقية الانتساب للفرقة الناجية والطائفة المنصورة.

2ـ إذا تبين أنه لا نجاة حقيقية إلا بالانتساب للفرقة الناجية، الطائفة المنصورة، فهذا لا يكون إلا بمعرفة سماتهم وصفاتهم والاتصاف بها، وإليك شيئاً من صفاتهم:

أ- أنهم أهل اجتماع بالأبدان فيرون السمع والطاعة لكل حاكم مسلم ثبتت له الولاية والحكم وهذا السمع والطاعة مشروط بألا يكون في معصية الله كما ثبت في صحيح مسلم عن عوف بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من ولي عليه والي فرآه يأتي شيئاً من معصية فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يداً من طاعة».

ولا يرون غيبته والقدح فيه باسم النصيحة، بل يرون نصيحته لا تكون إلا أمامه كما ثبت عند ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: آمر إمامي بالمعروف؟ قال ابن عباس: «إن خشيت أن يقتلك فلا، فإن كنت فاعلاً ففيما بينك وبينه، ولا تغتب إمامك"

ومما أنبه عليه أن في الدعوة إلى الاجتماع على من ثبتت له الولاية خيراً كثيراً للمحكومين أنفسهم قبل غيرهم، فكم أفسدت الفتن وضرت، وما أحسن ما روى الطبراني عن عمرو بن العاص أنه قال: إمام ظلوم غشوم خير من فتنة تدوم.

ب- أنهم أهل اجتماع في الدين الحق فلا يرضون الفرقة والاختلاف، بل إن أهل السنة الأوائل من الصحابة والتابعين يصفون أهل البدع بأنهم أهل فرقة واختلاف كما جاء عن ابن عباس وغيره.

ووجه كون أهل السنة أهل اجتماع أنهم امتداد لما عليه الرسول (وأصحابه متمسكون بذلك يوصي بعضهم بعضاً بذلك)، فدعوتهم ودينهم قديم بقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكل مبتدع فهو آت بشيءي جديد في الدين بعد أن لم يكن فهو مفرق لما عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فبهذا وصفوا أهل البدع بأنهم مفرقون، وذلك عن دين النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فهم بهذا أهل افتراق بخلاف أهل السنة فهم دعاة اجتماع لما عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه نابذون كل افتراق حادث في الدين بعدهم.


تنبيهات مهمة


وإليكم تنبيهات مهمة تتعلق بما سبق ذكره:

التنبيه الأول: أن الإحداث المذموم ما كان في الدين بخلاف أمور الدنيا فالأصل في كل محدثاتها الحل والإباحة، وقد تصل إلى الاستحباب بل الوجوب بحسب انتفاع المسلمين من هذا المحدث الدنيوي.

والدليل على أن الإحداث المذموم ما كان خاصاً بالدين ما ثبت في الصحيحين عن عائشة أنها قالت: قال رسول الله «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».

التنبيه الثاني: وسائل العبادات التي لم يفعلها النبي وأصحابه مثل وسائل الدعوة لها حالتان:

الحالة الأولى: تركها النبي صلى الله عليه وسلم مع إمكان فعلها بأن يكون السبب المحوج إلى فعلها موجوداً ولا مانع يمنع منه.

فقد ثبت عند الدارمي وابن وضاح عن الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود أنه خرج على قوم مجتمعين يسبحون الله مائة مرة ويكبرون الله مائة ـ وفي رواية عشراً بالحصى ـ فأنكر عليهم ابن مسعود رضي الله عنه، واحتج عليهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يفعلوها.

الحالة الثانية: تركها النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لا يمكنه فعلها، إما أنه لا سبب محوج، أو أن هناك مانعاً من فعل هذه الوسيلة كأن تكون غير موجودة في زمانه كمكبرات الصوت مثلاً، فمثل هذا لا يعتبر بدعة.

أفاد هذا التفصيل الإمام ابن تيمية في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم) وردده كثيراً الإمام الألباني في أشرطته.

التنبيه الثالث: تقدم أن أعظم أمارة وعلامة لأهل السنة أنهم تبع لسلفهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لذا تسمى أهل السنة باسم السلفية والسلفيين ليتمايزوا عن غيرهم فيتبعهم من يريد الحق، فإن التمايز في الشرع محمود كما قال تعالى (لًيَمًيزَ اللَّهُ الْخَبًيثَ مًنَ الطَّيًّبً).

ومن حاول الانتساب لأهل السنة السلفيين سواء كان فرداً أو جماعة فلا ينفعه انتسابه إذا لم يلزم طريقتهم كما يحاول بعضهم محاولة فاشلة لأن السلفية ليست شعاراً يرفع ولا دعوى تدعى، بل هي واقع يطبق فكل من ادعاها ممتحن بواقع حاله، فإن وافقها فهو منها وإلا فلا.

ومن فرائد الإمام ابن تيمية أنه لا يمكن لمبتدع أن يدعي الانتساب للسلفية لأن واقع السلف المنتسب إليه على خلاف حاله فهو ما بين أن يثبت صدق دعواه ويترك بدعته أو أن يستمر على بدعته ويترك دعواه لمن ينتسب إليهم قال ـ رحمه الله ـ: إلا إذا غلب الجهل، فقد يدعي السلفية مَن ليس منهم ولا سائراً على طريقتهم، ولا يوجد من يحاجه لغلبة الجهل.

التنبيه الرابع: الحق كله مجتمع في السلفية، وهذا ليس تعصباً لجماعة ولا حزب، وإنما لأنها دعوة رسول الله (وأصحابه وكل ما عليه النبي وأصحابه من الدين فهو الحق قطعاً.

التنبيه الخامس: قال ابن تيمية: لا عيب على من أظهر مذهب السلف وانتسب إليه واعتزى إليه، بل يجب قبول ذلك منه بالاتفاق، فإن مذهب السلف لا يكون إلا حقاً ا.هـ.


خصوم الدعوة


يتهم خصوم الدعوة السلفية الحقة بأن الدعوة السلفية متشددة أو أحادية التوجه أو إقصائية وهكذا ... وهذا الكلام فيه إجمال ولبس الحق بالباطل فبما أنه اتضح أن الدعوة السلفية امتداد لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فهو دعوة إتباع فما تشددوا وسهلوا فيه فهم تبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلا لوم عليهم لأنهم بمقتضى العبودية لله التي لازمها طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشددوا ويسهلوا تبعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلو قال قائل: إن قطع يد السارق شدة، والسلفية تدعوا إلى هذا . فيقول السلفيون أجمعون هذا حق جاء في كتاب الله ونحن ندعو إليه وننافح عنه.

واعلموا أن المسائل الشرعية المختلف فيها نوعان:

النوع الأول: ما لا يسوغ الخلاف فيه وهو ما أجمع عليه سلف هذه الأمة كالإقرار بأن الله فوق المخلوقات وأنه يجب عداء أهل البدع وفق الضوابط الشرعية، فما كان كذلك فالسلفيون فيه أحادي التوجه يجزمون بأن هذا هو الحق وما عداه باطل وفي تعاملهم مع المخالف تفصيل خاضع للمصالح والمفاسد.

النوع الثاني: ما يسوغ الخلاف فيه مما اختلفت فيه سلف هذه الأمة ككثير من المسائل الفقهية فهذا مما يسوغ الخلاف فيه ولا يشدد بعضهم على بعض بل يعتقدون أن المصيب له أجران والمخطئ له أجر واحد.

وفي هذه التنبيهات إشارة لواقع السلفية الجامعة للحق كله والتي من أراد النجاة حقاً يوم لا ينفع مال ولا بنون فليلزمها لأنها طريق النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقد ثبت عند الترمذي والنسائي عن العرباض بن سارية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أُوصًيكُمْ بًتَقْوَى اللَّهً وَالسَّمْعً وَالطَّاعَةً وَإًنْ عَبْد حَبَشًي فإنه من يَعًشْ مًنْكُمْ يَرَى اخْتًلَافًا كَثًيرًا وَإًيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتً الْأُمُورً فَإًنَّهَا ضَلَالَة فَمَنْ أَدْرَكَ ذلك مًنْكُمْ فعليكم بًسُنَّتًي وَسُنَّةً الْخُلَفَاءً الرَّاشًدًينَ الْمَهْدًيًّينَ عَضُّوا عليها بًالنَّوَاجًذً».

أسأل الله بفضله وكرمه أن يحيينا أجمعين على هدي سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ويميتنا عليه إنه الرحمن الرحيم.


عبد العزيز بن ريس الريس


تاريخ النشر: الاثنين 11/12/2006

جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127