الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

الشهادتان مفتاح الجنة (4) الشيخ عبدالرحمن العتيبي

أضيف بتاريخ : 06 / 08 / 2008
                                
الشهادتان مفتاح الجنة (4)

إن الإقرار والاعتراف بأنه لا إله إلا الله الذي لا معبود بحق سواه لا بد أن يتبعه إقرار بأن محمداً رسول الله حتى يتحقق الركن الأول من أركان الإسلام وهو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، قال شيخ الإسلام ابن تيميةـ رحمه اللهـ (أصل الإسلام وأول ما يؤمر به الخلق: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فبذلك يصير الكافر مسلماً والعدو ولياً، ثم إن كان ذلك من قلبه فقد دخل في الإيمان، وإن قاله بلسانه دون قلبه فهو في ظاهر الإسلام دون باطن الإيمان، قال وأما إذا لم يتكلم بها مع القدرة فهو كافر باتفاق المسلمين).



حاجة البشرية إلى الأنبياء والرسل



لا يمكن للبشرية أن تعرف الله وتعرف أسماءه وصفاته وتعلم شرائعه وما يحبه ويرضاه إلا عن طريق الوحي، ولا تتم معرفة المغيبات وما في الآخرة، والغاية من خلق الخلق إلا عن طريق الوحي وإرسال الرسل، والرسول هو من يحمل رسالة إلى الآخرين، فالرسل حملوا الرسالة إلى الخلق وهي دين الله، وهؤلاء الرسل من أكمل الناس أخلاقاً وأمانة ونصحاً للبشرية، وما أخبروا به عن ربهم صدق وحق ويجب الإيمان بإثبات نبوتهم واحترامهم عليهم السلام، والبشرية تخبطت عندما أرادت معرفة سر الوجود من غير طريق الوحي والرسل، فما قام به الفلاسفة ما هو إلا تخمينات وتكهنات عن الغاية من خلق الخلق وعن سر هذا الوجود، وأقوالهم لا تغني عن الحقيقة شيئاً، لأنها مقطوعة عن الوحي الإلهي، والبشر بفطرتهم التي خلقهم الله عليها يعرفون أن لهذه المخلوقات خالقاً عظيماً، لكنهم بحاجة إلى من يبين لهم كيف يعبدون هذا الإله، والله تبارك وتعالى لم يترك الخلق في حيرة من أمرهم بل أرسل إليهم الرسل قال تعالى (رُّسُلاً مُّبَشًّرًينَ وَمُنذًرًينَ لًئَلاَّ يَكُونَ لًلنَّاسً عَلَى اللّهً حُجَّة بَعْدَ الرُّسُلً وَكَانَ اللّهُ عَزًيزاً حَكًيماً) [النساء: 165].



النبوة فضل من الله الحكيم



التكليف والتشريف بالنبوة والبعث بالرسالة هو فضل من الله يمنحه لمن يشاء من عباده، ورتبة النبوة لا يمكن الوصول إليها عن طريق الزهد ومضاعفة الجهد في العبادة، أو بالإكثار من التفكر وتهذيب السلوك أو بإنفاق الأموال، وإنما النبوة فضل من الله يؤتيه الخيرة من خلقه، قال الشيخ محمد بن أحمد السفاريني في مؤلفه (الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية):

ولا تنال رتبة النبوة بالكسب والتهذيب والفتوة

لكنها فضل من المولى الأجل لمن يشا من خلقه إلا الأجل

ولم تزل فيما مضى من الأنسباء من فضله تأتي لمن يشاء

حتى أتى بالخاتم الذي ختم به وأعلانا على كل الأمم

وخصه بذاك كالمقام وبعثه لسائر الأنام

وأفضل العالم من غير امترا نبينا المبعوث في أم القرى

فالنبوة فضل من الله، ومن اصطفاهم الله وكلفهم بالرسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبًيُّ إًنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهًداً وَمُبَشًّراً وَنَذًيراً وَدَاعًياً إًلَى اللَّهً بًإًذْنًهً وَسًرَاجاً مُّنًيراً وَبَشًّرً الْمُؤْمًنًينَ بًأَنَّ لَهُم مًّنَ اللَّهً فَضْلاً كَبًيراً (الأحزاب: 47ـ45) وهذا الاصطفاء هو فضل من الله على هذا النبي العربي الكريم، قال تعالى (وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكًتَابَ وَالْحًكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهً عَلَيْكَ عَظًيماً) [النساء: 113]، وكونه من العرب فضل من الله عليهم بأن جعل منهم خاتم الأنبياء والمرسلين.



الرسول محمد صلى الله عليه وسلم مُبَشَّري به قبل بعثته



التوراة والإنجيل من كتب الله التي نؤمن بها، قال تعالى (آمَنَ الرَّسُولُ بًمَا أُنزًلَ إًلَيْهً مًن رَّبًّهً وَالْمُؤْمًنُونَ كُلّ آمَنَ بًاللّهً وَمَلآئًكَتًهً وَكُتُبًهً وَرُسُلًهً لاَ نُفَرًّقُ بَيْنَ أَحَد مًّن رُّسُلًهً) [البقرة: 285]، وقد ذُكرت أوصاف النبي محمد صلى الله عليه وسلم في تلك الكتب وأنه سيبعث في آخر الزمان، فاليهود كانوا يعرفون صفاته ويتحرون خروجه وظنوا أنه سيكون منهم، فلما بُعث وعلموا أنه من العرب، منهم من آمن به مثل عبد الله بن سلام رضي الله عنه، ومنه من لم يؤمن به حسدا وتعنتاً، قال تعالى (وَشَهًدَ شَاهًد مًّن بَنًي إًسْرَائًيلَ عَلَى مًثْلًهً فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ) [الأحقاف: 10]، ونبي الله عيسى عليه السلام الذي أنزل إليه عليه الإنجيل هذا النبي الكريم عيسى بن مريم بشَّر بالنبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى (وَإًذْ قَالَ عًيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنًي إًسْرَائًيلَ إًنًّي رَسُولُ اللَّهً إًلَيْكُم مُّصَدًّقاً لًّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مًنَ التَّوْرَاةً وَمُبَشًّراً بًرَسُول يَأْتًي مًن بَعْدًي اسْمُهُ أَحْمَدُ) [الصف: 6].

شهادة أن محمداً رسول الله تقتضي ما يلي:

ـ1 الإيمان بأن محمداً نبي مرسل من ربه وتصديقه فيما أخبر به وما جاء به من معجزات وأعظمها القرآن، وأن رسالته عامة للعالمين من الإنس والجن، وأنه صلى الله عليه وسلم له الشفاعة العظمى يوم القيامة التي يحصل بها القضاء بين الخلق ثم يعرف كل سبيله.

ـ2 محبته صلى الله عليه وسلم، عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) [رواه البخاري ومسلم]، فتجب محبة النبي صلى الله عليه وسلم وتكون هذه المحبة بعد محبة الله لأن المحبة الخالصة تصرف لله وحده، قال تعالى (وَالَّذًينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لًّلّهً) [بالبقرة: 165]، ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم هي من محبة الله لأن الله هو الذي أمر بها، ولأن الله يحبه ومن يحبه الله فتجب محبته، ويجب أن تقدم محبة الرسول صلى الله عليه وسلم على محبة النفس والمال والأهل والناس أجمعين.

ـ3 إتباعه وطاعته فيما أمر واجتناب ما نهى قال تعالى (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) [الحشر: 7]، وإتباع النبي صلى الله عليه وسلم واجب وسبب لنيل محبة الله ومغفرته، قال تعالى (قُلْ إًن كُنتُمْ تُحًبُّونَ اللّهَ فَاتَّبًعُونًي يُحْبًبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفًرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) [آل عمران: 31] وهذا الإتباع خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم ولهذا النبي العصمة ولا يجوز أن يقدم قول أحد على قوله وما ثبت عنه فهو التشريع المكلفين به.

ـ4 الاعتقاد بأنه خاتم الأنبياء والرسل، فهو آخر الأنبياء وأفضلهم، قال تعالى (مَّا كَانَ مُحَمَّد أَبَا أَحَد مًّن رًّجَالًكُمْ وَلَكًن رَّسُولَ اللَّهً وَخَاتَمَ النَّبًيًّينَ) [الأحزاب: 40] وجميع من أدعوا النبوة بعده فقد افتروا الكذب، ولا يمكن أن يأتي بعد محمد نبي، قال صلى الله عليه وسلم (لا نبي بعدي) والطريف أن أحد الدجالين من مدعي النبوة حرّف في معنى هذا الحديث فسمى نفسه (لا) وقال النبي محمد بشّر بي فقال (لا) نبي بعدي، وأنا (لا)، وكل مدعى للنبوة بغير حق فقد افترى على الله الكذب ونصيبه الخيبة والخسران في الدنيا والآخرة، فختم الله بمحمد الرسل وانقطعت بعثة الأنبياء بعده مع قرب الساعة ونهاية العالم، قال تعالى (اقْتَرَبَتً السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ) [القمر: 1] وجعل الله دين الإسلام ناسخاً لجميع الأديان، قال تعالى (إًنَّ الدًّينَ عًندَ اللّهً الإًسْلاَمُ) [آل عمران: 19]، ولا يقبل الله غيره، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما من يهودي ولا نصراني يسمع بي ولا يؤمن بي إلا أدخله الله النار).



التحذير من الغلو في النبي صلى الله عليه وسلم



الغلو هو تجاوز الحد وهو مذموم، فالنبي صلى الله عليه وسلم تجب الشهادة له بأنه رسول الله أرسله إلى الخلق، وله صلى الله عليه وسلم المحبة والطاعة والإتباع وما ذكرناه مما يجب في حقه ورسالته في الواجبات السابقة ولا يجوز تعدي ذلك بصرف شيء من خصائص الربوبية له كعلم الغيب أو الاستغاثة به، أو تجاوز الحد في مدحه بما يوحي أنه يدبر شؤون العالم وأنه يملك أمور الآخرة فهذا شرك بالله لا يرضاه النبي صلى الله عليه وسلم وقد حذر أمته منه، قال صلى الله عليه وسلم (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد الله فقولوا عبد الله ورسوله) [رواه البخاري].

والإطراء هو تجاوز الحد في المدح، والنصارى كفروا عندما غلو في نبي الله عيسى وزعموا أنه ابن للإله وأن فيه جزءاً من الألوهية، تعالى الله عما يقولون علوا كبيراً، فلا يجوز تجاوز الحد في حق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بما يخالف شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وقد رفع الله ذكر نبيه صلى الله عليه وسلم، وشرع لنا الإكثار من الصلاة على نبيه خاصة عند ذكر اسمه صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم حقه علينا عظيم نسأل الله أن يجعلنا من أتباعه وأن يجعلنا ممن تفتح لهم أبواب الجنة فيدخلونها بلا حساب ولا عذاب، وأن يوفق الجميع للعمل بكتابه وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم والحمد لله رب العالمين.



عبد الرحمن بن ندى العتيبي



تاريخ النشر: الاثنين 16/7/2007

جريدة الوطن الكويتية

اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127