الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

الشهادتان مفتاح الجنة (3) الشيخ عبدالرحمن العتيبي

أضيف بتاريخ : 06 / 08 / 2008
                                


الشهادتان مفتاح الجنة (3)

 شهادة أن لا إله إلا الله تفيد توحيد الألوهية الذي يعني أنه لا معبود بحق إلا الله وحده، كما أن الإقرار بأن الله هو المتصرف في شؤون الكون يفيد توحيد الربوبية، وقد قسم أهل العلم التوحيد إلى عدة أنواع، كلها تفيد تعظيم الله جل وعلا وتنزيهه عما لا يليق به سبحانه وبحمده، وهي تثبت وجوب إفراد الله بالعبادة، وسنذكر أنواع التوحيد باختصار.

أنواع التوحيد:

أو لا: توحيد الألوهية وهو توحيد في القصد والطلب وهو صرف جميع أنواع العبادات لله وحده، فإذا صرف منها شيء لغير الله حصل الشرك المذموم المحبط للأعمال، والعبادة عرفت بأنها (كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة) فتوحيد الألوهية (توحيد أفعال العبد) بحيث تكون كل أفعاله وأقواله التي يتعبد بها هي لله وحده لا شريك له، ويجب أن يعتقد أن الله هو الإله الذي تؤلهه القلوب وتحبه فيتم التوجه إليه بالعبادة من دعاء ورجاء وخوف وتوكل وتعظيم وصلاة وغيرها، قال تعالى (قُلْ إًنَّ صَلاَتًي وَنُسُكًي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتًي لًلّهً رَبًّ الْعَالَمًينَ لاَ شَرًيكَ لَهُ وَبًذَلًكَ أُمًرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلًمًينَ) [الأنعام:162-163].

ثانياً: توحيد الربوبية: وهو توحيد في الإثبات والمعرفة، فالله هو الخالق الرازق المحيي المميت الجبار القهار فتوحيد الربوبية هو (توحيد أفعال الرب) فمن اعتقد أن هناك إلهاً يساعد الله في تصريف شؤون الكون والخلق فقد أشرك بالله، قال تعالى (لَوْ كَانَ فًيهًمَا آلًهَة إًلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهً رَبًّ الْعَرْشً عَمَّا يَصًفُونَ) [الأنبياء-22]، وتوحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية فإذا كان الله هو وحده الرب الخالق إذاً هو وحده المستحق للعبادة.

ثالثاً: توحيد الأسماء والصفات وهو توحيد في الإثبات والمعرفة فالله وحده هو المتصف بصفات الكمال التي لا يعتريها نقص وله سبحانه الأسماء الحسنى الدالة على الصفات العلى، قال تعالى (وَلًلّهً الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بًهَا) [الأعراف-180]، فهو سبحانه سميع بصير حي لا يموت ومن صفاته الرحمة والعليم والحلم، وقد كلم نبيه موسى عليه السلام، قال تعالى (وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلًيماً) [النساء-164]، والقرآن الكريم كلامه سبحانه وبحمده، ويجب أن نثبت جميع ما أثبته الله لنفسه مما ورد في كتاب الله أو ورد في الصحيح من سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأخبر به هذا النبي عن ربه جل وعلا من غير تحريف أو تأويل أو تعطيل، قال تعالى (لَيْسَ كَمًثْلًهً شَيْء وَهُوَ السَّمًيعُ البَصًيرُ) [الشورى-11]، وهذه الآية الكريمة واضحة وعظيمة وتعتبر قاعدة في هذا الباب، باب الأسماء والصفات ولا يجوز السؤال عن الكيف كما قال الإمام مالك رحمه الله عندما سأله السائل عن قوله تعالى (الرحمن على العرش استوى) قال السائل: كيف الاستواء؟ فأجاب مالك: الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، وقد هال مالك جرأة هذا السائل وخوضه فيما لا يعنيه من المغيبات، ووصفه بأنه مبتدع وأمر بإخراجه من المسجد حتى لا يفسد على المسلمين عقيدتهم، ويجب إثباتها من غير تشبيه كما قال تعالى (لَيْسَ كَمًثْلًهً شَيْء) ولا نعطلها فإن لها معنى دالة عليه معروف في لغة العرب قال تعالى (وَهُوَ السَّمًيعُ البَصًيرُ) ولا يجوز إدخال الفلسفة العقلية وعلم الكلام في هذا المجال لأنه علم مهيب ومصدره مصون عن عبث العابثين، قال تعالى (إًنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذًّكْرَ وَإًنَّا لَهُ لَحَافًظُونَ) [الحجر-9]، ونحن لا نعبد عدما بل نعبد إلها عظيما في أسمائه وصفاته لا إله إلا هو.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- (التوحيد الذي جاءت به الرسل إنما يتضمن إثبات الألوهية لله وحده، بأن يشهد أن لا إله إلا الله لا يعبد إلا إياه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يوالي إلا له، ولا يعادي إلا فيه، ولا يعمل إلا لأجله، وذلك يتضمن إثبات ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات)، قال تعالى (وَإًلَـهُكُمْ إًلَه وَاحًد لاَّ إًلَهَ إًلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحًيمُ) [البقرة-163].

أول ما يدعى إليه

من أراد أن يدعو إلى الإسلام فأول ما يبدأ به هو الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وهذا ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم عندما أرسل معاذ داعية إلى اليمن، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذ إلى اليمن قال له إنك تأتي قوما أهل كتاب وليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله فإن هم أطاعوك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة ...الحديث، [رواه البخاري ومسلم].

فالنبي صلى الله عليه وسلم بعث إليهم داعية عالما بدينه وهو معاذ، وأخبره بواقعهم وأنهم من أهل الكتاب (اليهود والنصارى) وأمره بأن يبدأ معهم بشهادة أن لا إله الله قبل أن يخبرهم بما افترض الله عليهم من العبادات، لأن قبول الأعمال مرهون بالإقرار بها والعمل بمقتضاها وترك ما ينافيها، قال في فتح المجيد (من شهد أن لا إله إلا الله أي من تكلم بها عارفا لمعناها عاملا بمقتضاها ظاهرا وباطنا، فلابد في الشهادتين من العلم واليقين والعمل بمدلولها، أما النطق بها من غير معرفة لمعناها ولا يقين ولا عمل بما تقتضيه من البراءة من الشرك، وإخلاص القول والعمل، فغير نافع بالإجماع) أ هـ.

النطق بالشهادتين عصمة للدم والمال

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابه على الله) [رواه البخاري ومسلم].

وهذا الحديث الشريف دل على عظم مكانة الشهادتين، وأنه يشرع الجهاد والقتال لأجل نشرها ومحاربة من يعترضون سبيل الدعوة إليها، وقول (إلا بحقها) مثاله من يعتدي على الآخرين بالقتل أو الثيب الزاني، فمن يعمل هذه الجرائم يقتل وإن نطق بالشهادتين، وقوله (وحسابهم على الله) فيها أن الناس يعاملون بما يظهرون، وكونهم صادقين فيما قالوا أو غير صادقين فهذا أمره إلى الله وهو علام الغيوب، ولا يجوز اتهام الناس بالنفاق، فحساب الناس على رب العباد ولنا بالظاهر، وهذه الكلمة النبوية (وحسابهم على الله) نجد من يخالفها ويتهم المسلمين في أقوالهم وأفعالهم ويحملها ما لا تحتمل من الظنون بما يستشهد به على تكفيرهم وإخراجهم من الإسلام، وهو بذلك يخالف ظاهر هذا الحديث.

أحب الكلام إلى الله وحسن الخاتمة

الإكثار من قول لا إله إلا الله قربة إلى الله ويؤجر عليها قائلها، عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أحب الكلام إلى الله أربع لا يضرك بأيهن بدأت، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) [رواه مسلم].

ومن أحب شيئا أكثر من ذكره ومن توفيق الله لعبده أن يكون آخر كلامه في الدنيا لا إله إلا الله، قال صلى الله عليه وسلم (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) [رواه مسلم]، وهي خاتمة كلام نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كما رواه البخاري (فجعل النبي صلى الله عليه وسلم عند موته يدخل يده في الماء فيمسح بها وجهه ويقول: لا إله إلا الله)، ويخشى على من لا يكثر من قولها ولا يعمل بمقتضاها أن يحال بينه وبينها عندما يلقن إياها عند حضور الوفاة فقد ذكروا أن شخصا كان محبا لجمع المال، ويتعرض للناس ويسألهم المال طلبا للزيادة وعندما حضرته الوفاة قيل له قل لا إله إلا الله فكان يقول (فليس فليس) حتى أدركته الوفاة، وسمعت أحد الوعاظ يحدث عن نفسه بأنه شهد ما يقارب ثلاثين حالة وفاة وكان يلقنهم لا إله إلا الله وأكثرهم لم يستطع قولها وأن بعضهم أشار بالسبابة فقط، وأن من تمكن من قولها عدد قليل، فلنحرص على الإكثار من قول لا إله إلا الله ونرددها بعد المؤذن وفي مواضعها المشروعة كالتشهد في الصلاة، وغيرها، وأن نعمل بجميع ما افترضه الله علينا مما يدل على الصدق في قول لا إله إلا الله لكي ينال بها حفظ الله ورضاه وإن شاء الله في العدد القادم نتكلم عن شهادة أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم والله الموفق.



عبد الرحمن بن ندى العتيبي



تاريخ النشر: الاثنين 9/7/2007

جريدة الوطن الكويتية

اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127