الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

الشهادتان مفتاح الجنة (2) الشيخ عبدالرحمن العتيبي

أضيف بتاريخ : 06 / 08 / 2008
                                


الشهادتان مفتاح الجنة (2)

الحمد الله وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله شهادة حق نرجو بها رحمة الله ورضاه وعفوه ومغفرته والدخول في جنته، وهذه الشهادة من علم معناها وعمل بمقتضاها فهو من أولياء الله الصالحين الآمنين يوم الفزع الأكبر قال تعالى: (أَلا إًنَّ أَوْلًيَاء اللّهً لاَ خَوْف عَلَيْهًمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ  الَّذًينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ  لَهُمُ الْبُشْرَى فًي الْحَياةً الدُّنْيَا وَفًي الآخًرَةً) (يونس: 62 ـ 64).

وشهادة أن لا إله إلا الله يجب أن نحيا ونموت عليها قال تعالى: (فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلًمُونَ) وقد علمنا معنى (لا إله إلا الله) وهو أنه لا معبود بحق إلا الله وأن كل عبادة صرفت لغيره فهي باطلة ويجب البراءة منها.



لا يستحق العبادة إلا الله



الله هو المستحق للعبادة وحده لأنه هو (الخالق) قال تعالى: (ذَلًكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إًلَهَ إًلاَّ هُوَ خَالًقُ كُلًّ شَيْءي فَاعْبُدُوهُ) (الأنعام: 102). وقد خلق الخلق لعبادته فكيف تصرف هذه العبادة لغيره ومن الظلم مساواة من يخلق بمن لا يخلق قال تعالى: (أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) (النحل: 16)، فالخالق هو الله وهو الأحق بأن يُعبد وحده، ومن صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله فقد أشرك ووقع في الظلم قال تعالى: (إًنَّ الشًّرْكَ لَظُلْمي عَظًيمي). ويستحق العبادة الله وحده لأنه هو (الرزاق) فهو المتكفل برزق الخلائق وتيسير أمور معاشها قال تعالى: (وَمَا مًن دَابَّة فًي الأَرْضً إًلاَّ عَلَى اللّهً رًزْقُهَا) (هود: 6)، ولا يستحق أن يُعبد إلا الله وحده لأنه هو مانح الحياة للأحياء، وأنفاسهم المعدودة وآجالهم المحدودة تحت مشيئته وتصرفه وإليه معادهم ومرجعهم قال تعالى: (وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيًي وَنُمًيتُ وَنَحْنُ الْوَارًثُونَ) (الحجر: 23) وهو المستحق للعبادة وحده لأنه هو المنجي والمنقذ وقت الشدائد الطاغية على قوة البشر والتي تجعلهم يتذكرون قوة الله فيلجأون إليه قال تعالى: (فَإًذَا رَكًبُوا فًي الْفُلْكً دَعَوُا اللَّهَ مُخْلًصًينَ لَهُ الدًّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إًلَى الْبَرًّ إًذَا هُمْ يُشْرًكُونَ) (العنكبوت: 65) فهو من يجيب المضطر إذا دعاه، وهو الذي يكشف الضر فلا يجوز اشراك غيره معه فلا إله إلا هو، قال تعالى: (ثُمَّ إًذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إًذَا فَرًيقي مًّنكُم بًرَبًّهًمْ يُشْرًكُونَ) (النحل: 54)، وكل نعمة ينعم بها المخلوق من هداية وصحة وماء وهواء ومال وعقل وغيرها من النعم الكثيرة فهي جميعا من الله وحده، وهو مُسديها ويستحق الشكر عليها، قال تعالى: (وَمَا بًكُم مًّن نًّعْمَةي فَمًنَ اللّهً)، ومن كانت هذه أسماؤه وصفاته وآلاؤه ونعمه فهو الإله الواحد المعبود وبحق دون سواه.

إن إقرار الكفار بأن الخالق هو الله يقتضي صرف العبادة له وحده والشهادة بأنه لا إله إلا هو الذي لا يجوز صرف العبادة لغيره وأنه هو الإله الذي يستحق أن يطاع فلا يُعصى وأن لا يُشرك معه غيره في أي نوع من أنواع العبادة.

فيا عجباً كيف يعصي الإله

أم كيف يجحده الجاحد

وفي كل شيء له آية

تدل على أنه الواحد



فضل شهادة أنه لا إله إلا الله



أخرج البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يامعاذ قال: لبيك يارسول الله وسعديك قال: ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صدقاً من قلبه إلا حرَّمه الله على النار، سيبين هذا الحديث أن الشهادتين سبب للنجاة من النار بشرط أن من يقولها يكون (صادقاً من قلبه)، قال الشيخ عبد الرحمن بن حسين في فتح المجيد: "فإنه إذا قالها بإخلاص ويقين تام لم يكن مصراً على ذنب، فإن كمال إخلاصه ويقينه يوجب أن يكون الله أحب إليه من كل شيء، فإذا لا يبقى في قلبه إرادة لما حرم الله، ولا كراهة لما أمر الله وهذا هو الذي يحرم على النار، وإن كانت له ذنوب قبل ذلك فإن هذا الإيمان وهذا الإخلاص، وهذه التوبة وهذه المحبة وهذا اليقين، لا تترك له ذنباً إلا مُحي كما يمحو الليل النهار فإذا قالها على وجه الكمال المانع في الشرك الأكبر والأصغر، فهذا غير مصر على ذنب أصلاً فيغفر له" ثم قال: "وإنما يخاف على المخلص أن يأتي بسيئة راجحة فيضعف إيمانه فلا يقولها بإخلاص ويقين مانع من جميع السيئات، فإن السيئات تضعف الإيمان، فيضعف قول لا إله إلا الله فيمتنع الإخلاص بالقلب فيصير المتكلم بها كالنائم أو من يحسن صوته بآية من القرآن دون ذوق طعم وحلاوة، فإذا كثرت الذنوب ثقل على اللسان قولها وكره العمل الصالح" أ.هـ.

ولا شك أن من قالها على علم ويقين بها وعمل بمقتضاها وترك لما ينافيها فإنه قد تحلى بالإيمان المنجي من النار، ومما قيل في هذا المراد وقول الحسن: (ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال).



لا إله إلا الله دعوة الرسل



إبراهيم عليه السلام تبرأ من قومه عندما عبدوا غير الله (إًنَّا بُرَاء مًنكُمْ وَمًمَّا تَعْبُدُونَ مًن دُونً اللَّهً كَفَرْنَا بًكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمًنُوا بًاللَّهً وَحْدَهُ) (الممتحنة: 4)، والمرسلون دعوا أممهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأرشدوا الناس إلى عبادة ربهم وحده لا شريك له، ودعوا إلى توحيد الله وحاربوا الشرك وحطموا رموزه وحذروا من الوسائل المؤدية إلى الشرك، قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مًن قَبْلًكَ مًن رَّسُول إًلَّا نُوحًي إًلَيْهً أَنَّهُ لَا إًلَهَ إًلَّا أَنَا فَاعْبُدُونً) (الأنبياء: 25)، وهذا نبي الله نوح يأمر ابنه بلا إله إلا الله وبين له فضلها العظيم ففي الحديث عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم " أن نوحاً عليه السلام قال لابنه عند موته: آمرك بلا إله إلا الله، فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة، ولا إله إلا الله في كفة رجحت بهن لا إله إلا الله»، رواه أحمد وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم دعا قومه إلى لا إله إلا الله وجاهدهم باللسان والسنان لأجلها، وكانت قريش تعترض دعوته لمعرفتهم معنى لا إله إلا الله وأنها تقتضي البراءة من معبوداتهم ولما أرادوا النيل من النبي صلى الله عليه وسلم، تصدى لهم عمه أبي طالب ووفر له الحماية ليقوم بدعوته، وكان عمه على قناعة بصحة هذه الدعوة فهو القائل:

ولقد علمت أن دين محمد من خير أديان البرية ديناً

لولا الملامة ولولا حذار مسبةي لوجدتني بذلك سمحاً مبيناً

وإنما منعه من الدخول في الإسلام خشية أن يقال إنه ترك ما كان عليه الآباء والأجداد، ولقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على هدايته، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن المسيب عن أبيه قال : (لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعنده عبدالله بن أبي أمية وأبوجهل فقال له: يا عم قل لا إله إلا الله، كلمة احاج لك بها عند الله فقالا: أترغب عن ملة عبدالمطلب، فأعاد عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فأعادا فكان آخر ما قال: هو على ملة عبدالمطلب وأبى أن يقول: لا إله إلا الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم لاستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنك فأنزل الله عز وجل: (مَا كَانَ لًلنَّبًيًّ وَالَّذًينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفًرُواْ لًلْمُشْرًكًينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلًي قُرْبَى مًن بَعْدً مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحًيمً)، (التوبة: 113)، وأنزل الله في أبي طالب: (إًنَّكَ لَا تَهْدًي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكًنَّ اللَّهَ يَهْدًي مَن يَشَاء)، فالنبي يلقن عمه لا إله إلا الله لكي تصبح هي معتقده وخاتمته قبل وفاته وهذا يدل على عظمها، ولكن أبا جهل وصاحبه يحاولان منعه من ذلك لأنهما أصحاب سوء والواجب الابتعاد عن أصحاب السوء والتنبه إلى شرهم والحذر منهم.

وللموضوع تكملة.. وفق الله الجميع للعلم النافع والعمل الصالح وأسعدهم في دنياهم وأخراهم.. والحمد لله رب العالمين.



عبدالرحمن بن ندى العتيبي



تاريخ النشر: الاثنين 2/7/2007

جريدة الوطن الكويتية

اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127