الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

سيل العرم - الشيخ عبدالرحمن العتيبي

أضيف بتاريخ : 06 / 08 / 2008
                                


سيل العرم

من نعم الله على المسلمين عامة، وعلى العرب خاصة، إنزال القرآن العظيم، الذي فيه الهدى والرحمة والشفاء والخبر الصادق، ومن أخبار القرآن القصص التي تؤخذ منها العبرة مما حصل للأمم السابقة، قال تعالى (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصً بًمَا أَوْحَيْنَا إًلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ وَإًن كُنتَ مًن قَبْلًهً لَمًنَ الْغَافًلًينَ) (يوسف-3).

السير في الأرض والاعتبار

حث الله تبارك وتعالى على الاعتبار عند رؤية آثار الأمم الماضية، وأن ما كانوا فيه لم يغن عنهم شيئاً عند هلاكهم لما خالفوا أمر الله ولم يلتزموا طاعته، قال تعالى (أَفَلَمْ يَسًيرُوا فًي الْأَرْضً فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقًبَةُ الَّذًينَ مًن قَبْلًهًمْ كَانُوا أَكْثَرَ مًنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَاراً فًي الْأَرْضً فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسًبُونَ) (غافر-82).

إن من يقرأ التاريخ وينظر في بداية الحضارات ونهايتها، وتعاقب الملوك على الملك، فمن خلال قراءته في ساعة يحيط بتاريخ مئات السنين، ويجد في ذلك العبر والفوائد العظيمة التي تعود على نفسه وتهذيب سلوكه بالخير الكثير، مما يؤدي به إلى الابتعاد عن مسلك الأشرار الذين أفسدوا في الأرض ولم يصلحوا، الذين همهم أنفسهم فقط ولو خرب العالم، وهمهم ساعتهم وينسون ما مضى فلا يستفيدون منه ولا يقرؤونه، ولا يعنيهم ما هو آتي وما يحمله من تغير لأحوال من لا يتقي ربه ولا يشكر نعمته.

قصة سيل العرم

هذه القصة وردت في كتاب الله في سورة سبأ وهي قصة لقوم جحدوا نعمة الله ولم يقوموا بشكر المنعم فأنزل الله بهم عقوبته وسنذكر القصة كما وردت في القرآن مع شيء من تفسير الآيات كما ذكر في فتح القدير للشوكاني.

قال تعالى (لَقَدْ كَانَ لًسَبَأ فًي مَسْكَنًهًمْ آيَةي جَنَّتَانً عَن يَمًيني وَشًمَالي كُلُوا مًن رًّزْقً رَبًّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَة طَيًّبَة وَ رَبّ غَفُور ) (سبأ-15)، سبأ هي القبيلة التي من أولاد سبأ بن يشبب بن قحطان بن هود وهذه المساكن التي كانت لهم هي التي يقال لها الآن مأرب، وهي في اليمن.

(آية) علامة دالة على قدرة الله وبديع صنعه فكان لهم جنتان عن يمين وشمال واديهم قد أحاطتا به من جهتيه، قيل إن المرأة كانت تمشي فيهما وعلى رأسها المكتل، فيمتلئ من أنواع الفواكه التي تتساقط فيه من غير أن تمسها بيدها، وقيل أنهم في مساكنهم تلك لم يروا فيها بعوضة ولا ذبابا ولا عقربا ولا حية ولا غير ذلك من الهوام، فقد مكنهم الله من تلك النعم، فعليهم شكره على ما رزقهم وأن يعملوا بطاعته ويجتنبوا معاصيه، فهم في بلدة طيبة لما فيها من الخيرات والنعم، والمنعم عليهم رب غفور، ثم ذكر سبحانه ما حصل منهم بعد هذه النعمة التي أنعم بها عليهم.

قال تعالى (فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهًمْ سَيْلَ الْعَرًمً وَبَدَّلْنَاهُم بًجَنَّتَيْهًمْ جَنَّتَيْنً ذَوَاتَى أُكُل خَمْط وَأَثْل وَشَيْء مًّن سًدْر قَلًيل) (سبأ-16) أخبر تعالى بأنهم (أعرضوا) عن شكر النعمة وكفروا بالله فأرسل عليهم نقمة سلب بها النعمة التي أنعم بها عليهم فأرسل عليهم سيل العرم وكان الماء يأتي أرض سبأ من أودية اليمن، فردموا ردما بين جبلين وحبسوا الماء، وجعلوا في ذلك الردم ثلاثة أبواب بعضها فوق بعض، وكانوا يسقون من الباب الأول الأعلى ثم من الباب الثاني، ثم الثالث فأخصبوا وكثرت أموالهم، فلما عصوا الله ولم يطيعوا أمره ويقوموا بشكر نعمه بعث الله جرذاً ففتت ذلك الردم حتى انتقض فدخل الماء جنتهم فأغرقها ودفن السيل بيوتهم، والعرم قيل اسم للسد وقال عطاء: اسم للوادي، وقال مجاهد: العرم ماء أحمر أرسله الله في السد فشقه وهدمه، وقيل العرم اسم للسيل الشديد، فأهلك الله جنتيهم وأبدلهم بهما جنتين لا خير فيهما، وفيهما (خمط) وهي شجرة مرة ذات أشواك، قال تعالى (ذَلًكَ جَزَيْنَاهُم بًمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازًي إًلَّا الْكَفُورَ) (سبأ-17) أي بسبب كفرهم نزلت بهم العقوبة، وقال تعالى ( فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادًيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّق) (سبأ-19)، فأصبح الناس يتحدثون بأخبارهم وما حصل لهم تعجباً من فعلهم واعتباراً بحالهم، ثم تفرقوا في البلاد بعد أن خربت ديارهم، قال تعالى (إًنَّ فًي ذَلًكَ لَآيَات لًّكُلًّ صَبَّار شَكُور ) (سبأ-19)، ففيما حصل لهم عبرة وخص الصبار الشكور لأنهما هما المنتفعان بالمواعظ.



ما يستفاد من هذه القصة:



ـ1 وجوب امتثال أمر الله وطاعته واجتناب نهيه ومعصيته.

ـ2 أن الأمن والأمان والطمأنينة تحصل بعبادة الله.

ـ3 شدة عقوبة الله.

ـ4 شكر المنعم وهو الله ويكون الشكر بإرجاع الفضل لله في حصول النعمة وباستخدام هذه النعم فيما يرضي الله، فإن النعم مع طاعة الله وشكره تزداد، قال تعالى (لَئًن شَكَرْتُمْ لأَزًيدَنَّكُمْ) (إبراهيم-7).

ـ5 أن الله يمهل ولا يهمل فهم كانوا في رغد من العيش وسعة في الأرزاق وطيب في المكان، وكانوا مستمرين في جحدهم لفضل ربهم، فأمهلوا مدة من الزمن ثم نزلت بهم عقوبة الله.

ـ6 الصبر على طاعة الله وما يترتب عليها من تكاليف فإن عاقبة الصبر حسنة في الدنيا والآخرة، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم (عجبا لأمر المؤمن فأمره كله خير، إن أصابته سراء فشكر كان خيرا له، وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له).

ـ7 أن الله لا يظلم وما نزلت بقوم عقوبة إلا بسبب ذنوبهم، قال تعالى (وَمَا كُنَّا مُهْلًكًي الْقُرَى إًلَّا وَأَهْلُهَا ظَالًمُونَ) (القصص-59)، فلنحذر من المعاصي لكي لا تنزل بنا عقوبة الله، وقد تختلف هذه العقوبة فيمكن أن تكون خسفا أو إعصارا أو تسليطا للأعداء وذلك بسبب التهاون في شأن دين الله.

ـ8 أن الله حكيم خبير وقد يسلط أضعف المخلوقات على أعتى الخلق.

ـ9 الحرص على قراءة القرآن والإكثار من ذلك ففي كل حرف عشر حسنات، وتدبر معاني القرآن وأخذ العبرة من قصصه، والعمل بما فيه وجعله منهاجا لحياتنا.

ـ10 نعيم الدنيا وزينتها إلى الزوال والتغير ونعيم الآخرة دائم.



العيش الهانئ



من قصة سبأ يتضح لنا أن العيش الهانئ لا يكون بالقصور والترف وسعة الأرزاق وطيب جو المكان فهذه الأشياء لا توفر العيش الهانئ لوحدها، ولا تحقق السعادة إذا فقد الإيمان والقناعة فالعيش الهانئ يكون بالسعادة النفسية وبمحبة الله وطاعته والتقرب إليه، وبالقناعة ويظهر ذلك في عيش الصالحين، فهذا ابن تيمية- رحمه الله- كان في سجن القلعة، يقول تلميذه ابن القيم- رحمه الله-: "ما رأيت أهنأ عيشاً منه، مع ما هو فيه من الضيق والحبس، وتلامذته كانوا يأتونه فبعد حديثه معهم ينقلب حزنهم وضيقهم إلى انشراح صدر ويقين بما يزيدهم ثباتاً على الحق"، وكان ابن تيمية- رحمه الله- يقول عن نفسه: "ماذا يصنع بي أعدائي، فسجني خلوة، ونفيي سياحي، وقتلي شهادة".

وقال إبراهيم بن أدهم: "لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف"، وهو يقصد ما يجدونه من طمأنينة النفس وأنس في العبادة.

إذا المرء عوفي في جسده

وأعطاه الله قلبا قنوعاً

وأعرض عن كل ما لا يليق به

فذاك المليك وإن مات جوعاً

فمن يتعلق بالماديات ويترك عبادة ربه فهو مخطئ، ولنا في قصة سبأ عبرة ففيها تنبيه لكل من يملك قلبا حيا، قال تعالى (لَقَدْ كَانَ فًي قَصَصًهًمْ عًبْرَةي لًّأُوْلًي الأَلْبَابً مَا كَانَ حَدًيثاً يُفْتَرَى وَلَـكًن تَصْدًيقَ الَّذًي بَيْنَ يَدَيْهً وَتَفْصًيلَ كُلَّ شَيْء وَهُدًى وَرَحْمَةً لًّقَوْم يُؤْمًنُونَ) (يوسف-111).

وفي هذه القصة الإنذار لمن لا يشكر نعمة الله جعلنا الله وإياكم من القائمين بشكر نعمه ووفق ولاة أمور المسلمين إلى تحكيم شريعة الله على الوجه الذي يرضي الله عنا، ويجنبنا أليم عقابه، اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه أجمعين.



عبد الرحمن بن ندى العتيبي



تاريخ النشر: الاثنين 30/7/2007

جريدة الوطن الكويتية

اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127