الشيخ عبدالعزيز بن ريس الريس

الإكمال بتقريب شرح نواقض الإسلام (8) الشيخ عبد العزيز بن ريس الريس

أضيف بتاريخ : 30 / 07 / 2008
                                



الإكمال بتقريب شرح نواقض الإسلام (8)  الشيخ عبد العزيز بن ريس الريس

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فما زلنا في ذكر نواقض الإسلام العشرة التي ذكرها شيخ الإسلام المجدد محمد بن عبد الوهابـ رحمه الله تعالىـ وذكرت لك الناقض السابع وها نحن نقف معك اليوم في التعليق على الناقض الثامن.

قال رحمه الله: الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قولـه تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مًنْكُمْ فَإًنَّهُ مًنْهُمْ إًنَّ اللَّهَ لا يَهْدًي الْقَوْمَ الظَّالًمًين).

المظاهرة هي الإعانة كما قال تعالى: (وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لًبَعْض ظَهًيراً) وقال: (فَلَنْ أَكُونَ ظَهًيراً لًلْمُجْرًمًينَ) أي معيناً كما أفاده الراغب الأصفهاني في مفرداته. وهل عطف الإعانة على المظاهرة في كلام المصنف يفيد أنه من باب عطف العام على الخاص، فيفيد أن المظاهرة شيء زائد على الإعانة وهو إرادة ظهور دين الكفر على الإسلام مع الإعانة أو أنه من باب التنوع في العبارة، هذا كله محتمل، ورجح الاحتمال الأول الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ كما سمعته منه. والله أعلم.

التعامل مع الكفار ليس على درجة واحدة بل على درجات ثلاث:

الأولى: معاملة كفرية (التولي): قال تعالى (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مًنْكُمْ فَإًنَّهُ مًنْهُمْ) قال ابن حزم: صح أن قولـه تعالى (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مًنْكُمْ فَإًنَّهُ مًنْهُمْ) إنما هو على ظاهره بأنه كافر من جملة الكفار، وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين ا.هـ.

وضابط الولاء الكفري (التولًّي): محبة الكفار لأجل دينهم أو نصرتهم لأجله والرضا به، فإن وجدت نصرة بدون هذا الدافع وإنما لحظ دنيوي فهو محرم وليس كفراً.

والدليل على هذا الضابط ما رواه الستة إلا ابن ماجه من حديث علي بن أبي طالبي رضي الله عنه في قصة حاطب بن أبي بلتعة إذ أرسل الرسالة إلى قريش يخبرهم بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لـه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا حاطب، ما هذا» قال: لا تعجل عليًّ، إني كنت امرأً ملصقاً في قريش ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم بمكة فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن اتخذ فيهم يداً يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه صدقكم».

فكلام حاطب مع إقرار رسول الله عليه الصلاة والسلام صريح في أن مجرَّد فعل حاطب ليس كفراً لذا قال لم أفعله كفراً ولا ردةً عن الدين ولو كان مجرد فعل حاطب كفراً لما احتاج إلى قوله لم أفعله كفراً لأن مجرد الفعل كفري كما أنه لا يصح لمستهزئ بالله أن يقول لم أقله كفراً لأن مجرد الاستهزاء كفري.

وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن: فدخل حاطب في المخاطبة باسم الإيمان ووصفه به، وتناوله النهي بعمومه وله خصوص السبب الدال على ارادته مع أن في الآية الكريمة ما يشعر أن فعل حاطب نوع موالاة وأنه أبلغ إليهم بالمودة، فإن فاعل ذلك قد ضل سواء السبيل لكن قوله: «صدقكم خلوا سبيله» ظاهر في أنه لا يكفر بذلك إذا كان مؤمناً بالله ورسوله غير شاك ولا مرتاب، وإنما فعل ذلك لغرض دنيوي ولو كفر لما قيل «خلوا سبيله» لا يقال قوله صلى الله عليه وسلم لعمر: «وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» هو المانع من تكفيره» لأننا نقول لو كفر لما بقي من حسناته ما يمنعه من لحاق الكفر وأحكامه، فإن الكفر يهدم ما قبله لقوله تعالى: (وَمَنْ يَكْفُرْ بًالايمَانً فَقَدْ حَبًطَ عَمَلُهُ)، وقولـه تعالى: (وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبًطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) والكفر محبط للحسنات والإيمان بالإجماع فلا يظن هذا.

وأما قوله (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مًنْكُمْ فَإًنَّهُ مًنْهُمْ) وقوله (لا تَجًدُ قَوْماً يُؤْمًنُونَ بًاللَّهً وَالْيَوْمً الآخًرً يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) وقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذًينَ آمَنُوا لا تَتَّخًذُوا الَّذًينَ اتَّخَذُوا دًينَكُمْ هُزُواً وَلَعًباً مًنَ الَّذًينَ أُوتُوا الْكًتَابَ مًنْ قَبْلًكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلًيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إًنْ كُنْتُمْ مُؤْمًنًينَ) فقد فسَّرته السنَّة وقيَّدته وخصته بالموالاة المطلقة العامة، وأصل الموالاة هو الحبُّ والنُّصرة والصداقة ودون ذلك مراتب متعددةي ولكل ذنبي حظه وقسطه من الوعيد والذم، وهذا عند السلف الراسخين في العلم من الصحابة والتابعين معروفي في هذا الباب وغيره “ا.هـ (1).

ثم في كلام حاطب بن أبي بلتعة إبانةي للضابط الكفري إذ قال: ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام: وقد ذهب إلى أن مطلق الإعانة ليس كفراً جمع من العلماء منهم:

ـ1 الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ فقد صرح بأن حاطباً لم يكفر مع أن فعله إعانة قوية للكفار أمام جيش الإسلام الذي يتقدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قيل للشافعي: أرأيت المسلم يكتب إلى المشركين من أهل الحرب بأن المسلمين يريدون غزوهم أو بالعورة من عوراتهم هل يحل ذلك دمه ويكون في ذلك دلالة على ممالأة المشركين ؟ قال الشافعي ـ رحمه الله تعالى : لا يحل دم من ثبتت لـه حرمة الإسلام إلا أن يقتل أو يزني بعد إحصان أو يكفر كفراً بيناً بعد إيمان ثم يثبت على الكفر وليس الدلالة على عورة مسلم ولا تأييد كافر بأن يحذر أن المسلمين يريدون منه غرة ليحذرها أو يتقدم في نكاية المسلمين بكفر بَيًّن، فقلت للشافعي: أقلت هذا خبراً أم قياساً ؟ قال: قلته بما لا يسع مسلماً علمه عندي أن يخالفه بالسنة المنصوصة بعد الاستدلال بالكتاب. فقيل للشافعي فاذكر السنة فيه ـ ثم ساق خبر حاطب، ثم قال ـ قال الشافعي رحمه الله تعالى: في هذا الحديث مع ما وصفنا لك طرح الحكم باستعمال الظنون لأنه لما كان الكتاب يحتمل أن يكون ما قال حاطب كما قال من أنه لم يفعله شاكاً في الإسلام، وأنه فعله ليمنع أهله، ويحتمل أن يكون زلة لا رغبة عن الإسلام، واحتمل المعنى الأقبح، كان القول قوله فيما احتمل فعله، وحكم رسول الله فيه بأن لم يقتله ولم يستعمل عليه الأغلب ولا أحد أتى في مثل هذا أعظم في الظاهر من هذا لأن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مباين في عظمته لجميع الآدميين بعده فإذا كان من خابر المشركين بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غرتهم فصدقه ما عاب عليه الأغلب مما يقع في النفوس فيكون لذلك مقبولاً كان من بعده في أقل من حاله وأولى أن يقبل منه مثل ما قبل منه.

قيل للشافعي: أفرأيت إن قال قائل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قد صدق» إنما تركه لمعرفته بصدقه لا بأن فعله كان يحتمل الصدق وغيره.

فيقال لـه: قد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المنافقين كاذبون وحقن دماءهم بالظاهر، فلو كان حكم النبي صلى الله عليه وسلم في حاطب بالعلم بصدقه كان حكمه على المنافقين القتل بالعلم بكذبهم ولكنه إنما حكم في كل بالظاهر وتولى الله عز وجل منهم السرائر ولئلا يكون لحاكم بعده أن يدع حكماً له مثل ما وصفت من علل أهل الجاهلية وكل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو عام حتى يأتي عنه دلالة على أنه أراد به خاصاً أو عن جماعة المسلمين الذين لا يمكن فيهم أن يجهلوا له سنة أو يكون ذلك موجوداً في كتاب الله عز وجل ا.هـ(2).

فكيف يقال بعد ذلك: بأن أي إعانة تولي وهي كفر بالإجماع؟ وهذا الشافعي ينقض هذا الإجماع ـ رحمه الله ـ بصراحة ووضوح.

ـ2 القرطبي فقد صرح بوضوح أن من كثر إطلاعه الكفار على عورات المسلمين لا يكفر إذا كان اعتقاده سليماً ودافعه أمراً دنيوياً مع أن هذه إعانة قوية للكفار قال ـ رحمه الله ـ: من كثر تطلعه على عورات المسلمين وينبه عليهم ويعرف عدوهم بأخبارهم لم يكن بذلك كافراً: إذا كان فعله لغرض دنيوي واعتقاده على ذلك سليم » كما فعل حاطب حين قصد بذلك اتخاذ اليد ولم ينو الردة عن الدين ا.هـ(3).

أفليس هذا صريحاً في خرم الإجماع الذي ينص على أن أدنى إعانة قولية أو فعلية تولي كفري؟.

ـ3 أئمة المذاهب الأربعة فإن أبا حنيفة ومالكاً والشافعي وأحمد ـ رحمهم الله ـ لا يرون كفر الجاسوس الذي يفشي سر المسلمين إلى الكفار، وهذا ما اختاره ابن تيمية وابن القيم، قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ: ثبت أن حاطب ابن أبي بلتعة لما جس عليه، سأله عمر ضرب عنقه فلم يمكنه صلى الله عليه وسلم وقال: «ما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» وقد تقدم حكم المسألة مستوفى. واختلف الفقهاء في ذلك.

فقال سحنون: إذا كاتب المسلم أهل الحرب قتل ولم يستتب وماله لورثته وقال غيره من أصحاب مالك رحمه الله: يجلد جلداً وجيعاً ويطال حبسه وينفى من موضع يقرب من الكفار.

وقال ابن القاسم: يقتل ولا يعرف لهذا توبة وهو كالزنديق.

وقال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد رحمهم الله: لا يقتل، والفريقان احتجوا بقصة حاطب وقد تقدم ذكر وجه احتجاجهم ووافق ابن عقيل من أصحاب أحمد مالكاً وأصحابه ا.هـ (4).

بل نقل الحافظ في الفتح عن الطحاوي أنه حكى الإجماع على أن الجاسوس المسلم لا يقتل ا.هـ(5)» فدل هذا أنه لا يكفر.

ـ4 الشيخ المحقق محمد بن صالح العثيمين ـ رحمه الله ـ قال: في تفسيره سورة المائدة آية (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مًنْكُمْ فَإًنَّهُ مًنْهُمْ) ذكر أن نصرتهم من كبائر الذنوب كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من غشنا فليس منا».

ثم قال: المهم على كل حال من هنا تعرف أن كلمة الموالاة التي نهى الله عنها هي موالاتهم بالمناصرة والمعاونة مما يعود عليهم بالنفع فهذا حرام لكن قلت لكم: إلا إذا عاونهم وناصرهم على من هو أشد إيذاء للمسلمين منهم فهذا لا بأس به ا.هـ (6).

فلم يحكم ـ رحمه الله ـ على النصرة بأنها كفر.

ـ5 الشيخ صالح بن فوزان الفوزان حيث قال: من يعين الكفار على المسلمين وهو مختار غير مكره مع بغضه لدين الكفار وعدم الرضا عنه، فهذا لا شك أنه فاعل لكبيرة من كبائر الذنوب ويخشى عليه من الكفر، ولولا أنه يبغض دينهم ولا يحبهم لحكم عليه بالكفر، فهو على خطر شديد ا.هـ (7).

وقال أيضاً: التولي على قسمين:

الأول: توليهم من أجل دينهم، وهذا كفر مخرج من الملة.

الثاني: توليهم من أجل طمع الدنيا مع بغض دينهم، وهذا محرم وليس بكفر. ا.هـ (8).

الثانية: المعاملة المحرمة وهي الموالاة المحرمة: وهذا يختلف باختلاف أصناف الكفار ـ كما تقدم ـ إلا أن جميعهم يعادى ويبغض بغضاً دينياً، ويعتقد بطلان دينهم وأن مصيرهم النار، وهناك مسائل فقهية اختلف فيها أهل العلم خلافاً معتبراً كحكم تعزية الكافر وحدود جزيرة العرب، فمثل هذه المسائل من اعتقد حرمتها فلا يفعلها، لكن لا يشنع بها على المخالف، بل إن له حقاً أن يبين قوله ويدعو إليه » لأن قوله أيضاً في حيز المسائل التي يسوغ المخالفة فيها، ولهذا ضوابط مذكورة في مضانها من كتب وكلام أهل العلم.

الثالثة: المعاملة جائزة: وهي المعاملة الحسنة لغير الحربيين والأصل في هذا الباب، قوله تعالى: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنً الَّذًينَ لَمْ يُقَاتًلُوكُمْ فًي الدًّينً وَلَمْ يُخْرًجُوكُمْ مًنْ دًيَارًكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسًطُوا إًلَيْهًمْ إًنَّ اللَّهَ يُحًبُّ الْمُقْسًطًينَ)، ومنه الزواج من الكتابيات دون العكس، وأكل ذبائح أهل الكتاب، ومنه ما هو أمر مستحب إن لم يجب وهو دعوتهم إلى الإسلام وترك ما هم عليه من دين منسوخ محرف وهكذا...

¼ تنبيه: إن كثيراً من الأحكام في هذا الباب تختلف بحسب المصلحة، فحالة القوة لها أحكام مغايرة لحالة الضعف.

أخي القارئ تابعنا في مقال قادم إن شاء الله تعالى ومع الناقض التاسع، والحمد لله وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


عبد العزيز بن ريس الريس




الهوامش:

(1) الرسائل والمسائل النجدية (3/9ـ10). وانظر الدرر السنية (1/474).

(2) كتاب الأم (4/249ـ250).

(3) التفسير (18/52).

(4) زاد المعاد (5/64). وانظر زاد المعاد (3/422ـ424) والبدائع (4/ 939ـ 941) والصارم المسلول (2/372).

(5) الفتح: باب ما جاء في المتأولين.

(6) المائدة (شريط رقم (51) الوجه الثاني).

(7) دروس في شرح نواقض الإسلام ص157 جمع وإعداد: الحصين.

(8) المرجع السابق ص168.


تاريخ النشر: الاثنين 23/4/2007

جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127