الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

أين دُعَّارُ طَيِّئٍ الذِينَ قَدْ سَعَّرُوا البِلادَ؟! (مقالة أخرى) - الشيخ عبدالعزيز العتيبي

أضيف بتاريخ : 26 / 01 / 2011
                                

أين دُعَّارُ طَيِّئٍ الذِينَ قَدْ سَعَّرُوا البِلادَ؟!


الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

من يُجيبُ عَن تَساؤلِ عَديِّ بن حاتِم الطائِي؟ ومن يوقفُ رموزَ التَّهييجِ والاثارة؟ ورؤوسَ الفتنة وَجَمَاعاتِ الفَوضَى، التِي تُهَدِّدُ أركانَ البِلادِ ومصَالحَ العباد، وتُؤثر على قواعدِهِ الاجْتِماعِيةِ وَالاقْتِصَادِيَّةِ وَالأَمْنِيَّةِ.

تعريفٌ بالعنوان: مَن دُعَّارُ طَيِّئٍ الذِينَ قَدْ سَعَّرُوا البِلادَ؟ (فأَيْنَ دُعَّارُ طَيِّئ) لقد أَرادَ بِهم قُطَّاعَ الطَّرِيق: قاله ابن الأثير فِي النهاية، وقال ابنُ نجيم الحنفي في البَحرِ الرائِقِ (400/4): (وَالدَّاعِرُ) بِالدَّال وَالعَينِ المُهْمَلَتَيْنِ كُلُّ مُفْسِدٍ، وَجَمعُهُ دُعَّارٌ من الدَّعْرِ وهو الفَسَادُ. وقال ابْنُ حَجَرٍ فِي مُقَدِّمَةِ الفَتحِ: (دُعَّارُ طَيئ) بِضمِّ أَوله والتشديد، جَمْعُ دَاعِرٍ وَهُو الشريرُ وَيُطْلَقُ عَلَى المُفْسِدِ والسَّارِقِ.(الذِينَ قَدْ سَعَّرُوا البِلادَ) قَال الحافظُ فِي الفتحِ: أَي أَوْقَدُوا نَارَ الفِتنَةِ، أَي مَلَأوا الأَرضَ شَراً وَفَساداً، وَهو مُسْتَعارٌ مِنْ اسْتِعَارِ النَّارِ وَهوَ تَوَقُّدهَا.

ويَتَساءَلُ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ الطَّائِيِّ عَنْ أولئِكَ المُفسدِينَ وَمُثِيرِي الفِتَنَ، وَالزُّعَماءِ مِنْ قُطَّاعِ الطُّرُقِ وَالمُنحرِفِيْن، الذِينَ سَعَّرُوا البِلادَ فَأَشْعَلُوا فِيهَا نَارَ الفِتَنِ، وَأَظْهَرُوا الفَسَادَ، ببثّ الخوف والذعر بَيْنَ النَّاسِ، هَلْ مِنْ نِهَايةٍ لَهُم؟ وَهَل سيَقْضي الاسلام علِى هَذِهِ الفِتن التِي أَقْلَقَتْ العِبَادِ؟! كَمَا أَخبَرَ بِذلكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلم.

وَقَبِيلةُ طَيئ مِنَ القَبائِلَ العَربِيةِ المعروفةِ، تَسْكُنُ فِي المنطقةِ ما بَيْنَ حدودِ العراقِ الى الحِجاز، وكان ينتشرُ فِي تلكَ المواطنَ جَمَاعاتٌ من قطَّاعِ الطرقِ، وأحزابِ المُفسدينَ، يقود كل فئةٍ زعيم من شِرارِ الخَلْقِ، يقوم بالسيطرة عَلى عُقولِ أتباعة، فِي عَالم تَسُودُهُ الفَوضَى، يَتَكَسَّبونَ مِنْ قَطْعِ الطَّريقِ علَى الناسِ، فكُلَّما هَدَأَتِ الأَحوال فِي تِلكَ البِلاد، خَرَجُوا عَلى العِبادِ، يُظْهِرونَ الشَرَّ، وَيَنشُرونَ الفِتَنَ، فَعَلا لَهُم بِذَاكَ صِيتٌ عَظِيمٌ، وَعُرِفَ أَمْرُهُم بِالإفسادِ فِي الأَرضِ، فكانت مناطق فِتَنٍ لا تَعْرِفُ أَمْنَاً وَلا اسْتِقْرَاراً، يَخشاها الناسُ والمسافرُ، وعابرُ السبيلِ.


النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليه وَسَلَّم يُبَشّر أَصْحابَهُ بِالأَمانِ


وَلِذا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليه وَسَلَّم فِي عَهْدٍ جمعَ الفَقْرِ وَالضَّعفِ وَالخوفِ، يُمَنِّي أَصْحابَهُ بِالأَمانِ، والرَّاحةِ، واسْتِتْبابِ الأَمْنِ وَرَغِدِ العَيْشِ، فبشَّرَ بانْتِشارِ الاسلام، وظهورُ الخيرِ وذَهابِ الشرِّ، وبلوغُ الأَمن كُل البلادِ، وَقَطْعُ دَابِرِ الفَوضَى والفِتَنِ عَنْ كُلِّ وَادٍ.وَكانَ عَدِيُّ بنُ حَاتِمٍ الطَّائِي أَحَدُ الذين أُخْبَروا بذلكَ، فَلنا ما أَخرَجَه البُخَارِيُّ فِي «صَحيحِهِ» (3595) مِنْ حَديثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَال: بَينَا أَنَا عِندَ النَّبِيِّ صَلى اللهُ عَلَيهِ وَسَلمَ، اذْ أَتَاهُ رَجُلٌ، فَشَكَا اليهِ الفَاقَةَ، ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ، فَشَكَا اليهِ قَطْعَ السَّبِيلِ، فَقَال: «يَا عَدِيُّ! هَلْ رَأَيْتَ الحِيرَةَ؟»، قُلْتُ: لَمْ أَرَهَا، وَقَدْ أُنْبِئْتُ عَنْهَا، قَال: «فَانْ طَالتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ، تَرْتَحِلُ مِنْ الحِيْرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالكَعْبَةِ، لا تَخَافُ أَحَدًا الا اللَّهَ»، قُلْتُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِي: فَأَيْنَ دُعَّارُ طَيِّئٍ؟ الذِينَ قَدْ سَعَّرُوا البِلادَ. «وَلَئِنْ طَالتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتُفْتَحَنَّ كُنُوزُ كِسْرَى»، قُلْتُ: كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ؟! قَال: «كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ، وَلَئِنْ طَالتْ بِكَ حَيَاةٌ، لَتَرَيَنَّ الرَّجُلَ يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، يَطْلُبُ مَنْ يَقْبَلُهُ مِنْهُ، فَلا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهُ مِنْهُ»، قَال عَدِيٌّ: فَرَأَيْتُ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِن الحِيرَةِ، حَتَّى تَطُوفَ بِالكَعْبَةِ لا تَخَافُ الا اللَّهَ، وَكُنْتُ فِيمَنْ افْتَتَحَ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ، وَلَئِنْ طَالتْ بِكُمْ حَيَاةٌ، لَتَرَوُنَّ مَا قَال النَّبِيُّ أَبُو القَاسم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ». وفِي رِوَايَةٍ لِلبُخَارِيِّ فِي «الصحيحِ» (1413) قال: فَجَاءَهُ رَجُلانِ أَحَدُهُمَا يَشْكُو العَيْلَةَ، وَالآخَرُ يَشْكُو قَطْعَ السَّبِيلِ، فَقَال رَسُولُ اللهِ صَلى اللهُ عَلَيهِ وَسَلمَ: «أَمَّا قَطْعُ السَّبِيلِ، فَانَّهُ لا يَأْتِي عَلَيكَ الا قَلِيلٌ حَتَّى تَخْرُجَ العِيرُ الى مَكَّةَ بِغَيْرِ خَفِيرٍ، وَأَمَّا العَيْلَةُ، فَانَّ السَّاعَةَ لا تَقُومُ حَتَّى يَطُوفَ أَحَدُكُمْ بِصَدَقَتِهِ لا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا مِنْهُ». وَيُؤَيده مَا أَخْرَجَ البُخارِيُّ فِي «صَحيحِهِ» (6943) مِنْ حَدِيثِ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، عَن رَسُولِ الهِ» صلّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ الى حَضْرَمَوْتَ، لا يَخَافُ الا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ». وَفي الخَبَرِ وَعْدٌ بِالأَمنِ والأَمانِ، وأَنَّ مَنْ داَنَ بالسمعِ والطاعةِ الى مَنْ بِيدِهِ مَقاليدُ الأُمورِ وَصَبَرَ علَى ذَلكَ، ولَم يظهر شراً وَفِتناً بَيْنَ صُفوفِ المُسلمينَ، فان مَآله لا مَحالةَ الى الخَيرِ.


الإسْلامُ يُبَشِّرُ بِالأَمنِ والأَمانِ وَهُؤلاءِ دُعَاةُ فِتنَةٍ وَفَوضَى


إن الإسلام يُبَشرُ بِالأَمْنِ، وَيَدعُو الى الأَمَانِ، وَبعض الناسِ دُعاةُ فِتنةٍ وَفَوضَى، ووما هم الا امتداد لِكُلِّ مَنْ أَحْدَثَ الفِتَنَ وأَوْقَدَ نَارَها فِي مُجْتَمعاتِ المُسلمينَ، مُنذُ أيام الخليفة الشهيد عُثمان بن عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، قَال شَيخُ الاسلامِ ابْنُ تَيميةَ فِي «مَجموعِ الفَتاوىَ» (303/25): كانَ مَقتلُ عُثمانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مِنْ أَعظَمِ الأَسبابِ التِي أَوْجَبَتِ الفِتَنَ بَينَ النَّاسِ، وَبِسَبَبِهِ تَفَرَّقَتِ الأُمَّةُ الى اليومِ... وقال: فَاتَّفقَ المُهاجرونَ والأنصارُ عَلى تَقدِيْم عُثمانَ بْنِ عَفَّانَ مِنْ غَيْرِ رَغْبَةٍ بَذَلَها لَهُم، وَلا رَهْبَةٍ أَخَافَهُم بِها، وَبَايَعوهُ بَأَجْمَعِهِم طائِعِيْنَ غَيْرَ كَارِهِيْنَ، وَجَرَى فِي آخِرِ أَيَّامِهِ أَسبابٌ ظَهَرَ بالشَّرِ فِيها عَلى أهلِ العِلمِ وَأهلِ الجهلِ وَالعدوانِ، وَمازالوا يَسعونَ فِي الفِتَنِ حَتَّى قُتِلَ الخليفةُ مَظلوماً شَهيداً بِغَيْرِ سَبَبٍ يُبِيحُ قَتْله، وَهُو صَابِرٌ مُحتَسِبٌ لَم يُقَاتِل مُسلماً، فَلمَّا قُتِلَ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ تَفَرَّقَتِ القُلوبُ وَعَظُمَت الكُروبُ، وَظَهَرَت الأَشرارُ وَذُل الأَخيارُ، وَسَعَى فِي الفِتنةِ مَنْ كانَ عَاجِزاً عَنْها، وَعَجِزَ عَنِ الخَيْرِ وَالصَّلاحِ مَنْ كَانَ يُحب اقَامَتُهُ .اهـ.


بَأَيدِينا نَصنَعُ الخَوارِجَ


إن الاعتِقادَ الصّحيحِ والواجبَ على كُلِّ مسلمٍ عدم مجاوزته الى غيره، هو ألا نَسبُّ الأُمَراءَ، وَلا نَغِشُّ الوُلاةَ، وَنَسمعُ وَنُطيعُ فِي المعروفِ، وَلا نَعْرِفُ غَدْراً بِالرَّاعِي أَو الرَّعِيَّةِ. فَقَد رَوَى ابْنُ أبِي عَاصِمٍ فِي «السنَّةِ» (488/2) وَالبَيْهَقِي فِي «شُعَبِ الايْمانِ» (69/6) بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالكِ قَال: نَهاناَ كُبراؤُناَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم، قَال: (لا تَسُبوا أُمَرَاءَكُم، وَلا تَغُشوهُم، وَلا تُبْغِضُوهم، وَاتَّقُوا اللهَ وَاصْبِروا فَانَّ الأَمرَ قَرِيبٌ). وَفِي رِوَايَةِ البَيْهَقِي: (وَلا تَعْصوهم). هَذاَ مَوْقِفُ الصَّحَابَةِ مِنْ الوُلاةِ، وَهَذا دِينُ أَهْل السنةِ وَالجَمَاعَةِِ وَعَقِيدَتهم فِي وُلاةِ الأَمْرِ.


هَلْ أَصْبَحَ فَحِيحُ الأَفَاعِي مَنْهَجَاً لِلتَّفاهُمِ وَلُغَةً لِلحِوارِ؟!


وإنَّ مَا يَلْفتُ النَّظَرَ، بْلْ يَسْتَدْعي كُلَّ الحَواسِّ، هو مَا نَراهُ اليومَ مِنْ لُغةٍ غَرِيبَةٍ، تُذَكِّرُنَا بِلَهِيبِ ألسِنَةِ الخوارجِ، انَّها الثَّقافَةُ الجَديدةُ التِي جَعَلتْ مِنْ فَحِيح الأَفَاعِي مَنْهَجَاً لِلتَّفاهُمِ وَلُغَةً لِلحِوارِ، وَذَلِكَ بِسَبَبِ جَعْل الأَبوابِ مُشْرَعَةً، أَمَامَ كُل غَريبٍ وَوَافِدٍ علِى البلادِ، مِنْ أفرادٍ، وأفكارٍ (رأي)، وَمُعتقداتٍ، مِنْ غَيْرِ ضَابِطٍ وَلا رَابِطٍ كبعض المذاهب، وكـ(الديْموقراطيةِ الغَربيةِ المُعَلَّبَةِ)، وَمَا تَحملهُ مِنْ طُوفَانِ التَّحَررِ وَالاعْتِداءِ علَى هَيبَةِ الوُلاةِ، والحَضَارَاتِ، وَالأُمَمِ.فالسكوتُ على مثلِ هذِهِ الآراء والنظريات المستوردة، نراه صناعةً وصياغةً جديدة لمذاهبَ شَتىَّ كالخوارجِ وغيرها، ومن ثم دفعها للناس لتصبح ثقافة وديناً من حيث لا يشعرون.


الأُصُولُ والمُعتَقَداتُ والعاداتُ والأَعْرَافُ المحمودَة في مَهَبِّ الرِّيحِ


إن هذا التراخِي أَمَامَ كُلِّ غَريبٍ يَضَعُ أُصُولَ وَمُعتَقَداتِ أكثر النَّاسِ، وَمَا عَليهِ المُجتمعُ مِنْ العاداتِ والأَعْرَافِ المحمودَةُ، التِي أُصِّلَتْ فِي مُجتَمَعِنا عَبْرَ السَّنِينَ، وَنَبَتَ عَليهَا أَكْثَرُ النَّاسِ، وَيَجعلها فِي مَهَبِّ الرِّيحِ- الا مَنْ رَحِمَ اللهُ-، وَتَنْشَأُ فِي هَذِهِ البيئَةِ بَعْضُ العقولِ والأفئدةِ التِي ذَهَبت بِها الأَهوَاءُ بَعيداً عَنْ الفطرةِ السليمةِ، حَتّى أصبحت ثقافة البَعْضِ وَدِينَهُ، هُوَ مَا تَرونهُ اليَومَ مِنْ صُراخٍ وَنِياحٍ وَوَعِيدٍ واسْتِباحَةٍ لأعراض الناس، وتَغْييب لِهَيبَةِ وُلاةِ الأَمرِ، وهذا يُعَدُّ نَتِيجَةٌ حَتْمِيةٌ، وَوَلِيدٌ غَريبٌ لذلك الخليط مِنَ الأفكارِ المستوردةِ، والمذاهبَ المُنحرِفَةِ، عَصَمَنا اللهِ واياكُم مِنَ الفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنها وَمَا بَطَن، والحَمدُ للهِ رَبِّ العالمين.


د/عبدالعزيز بن ندَى العتيبي


2010/12/26  

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127