الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

الكُتَّابُ... وَقَانونُ الكِتَابَةِ فِي القِرْطَاسِ - الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

أضيف بتاريخ : 02 / 02 / 2010
                                

الكُتَّابُ... وَقَانونُ الكِتَابَةِ فِي القِرْطَاسِ 


د/عبد العزيز بن ندَى العتيـبي


الحمد لله الذي علَّمَ بالقلم، والصلاة والسلام علَى من أُرْسِلَ إلى الناسِ كافة؛ من عرب وعجم؛ أما بعدُ:


قال الله تعالى:{اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق : 3-5]، وهذا قسم من الله تعالى وتنبيه للخلق على نعمة تعليمِ الكتابةِ التي جُعلت أداة للمعرفة، وبِها تُكْتَسبُ المعارف وتُنَالُ العلوم، ولذا قال تعالى: {وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ}[القلم: 1].


قال ابن كثير في «التفسير»: والعلم تارة يكون في الأذهان، وتارة يكون في اللسان، وتارة يكون في الكتابة بالبنان؛ ذهني ولفظي ورسمي، والرسمي يستلزمهما من غير عكس. اهـ


وَإن إمساك اليد بالقلم والصحيفة، وانسياب المداد ليكتب مخزون العقل، وما يَسْتحضره الذهن، لهو فن رفيع القدر، عظيم الشأن، مَنَّ اللهُ سُبْحَانَهُ بِهِ عَلَى عبادهِ، لذلك يَحْسُنُ لِكُلِّ كاتبٍ أَنْ يَعْرِفَ قَانُونَهُ وَأَعْرَافَهُ.



والكتابُ المَرقوم قد يكون هدفه:


1- مراسلةُ أخٍ أو صديق أو رفيق.


2- كتابةٌ مَضْمُونُها المديح والثناء.


3- وقد يكون الكاتب؛ ذَا مِهْنةٍ فِي وزارةٍ أو ديوانٍ أو كاتبٍ لَدَى سُلْطانٍ، يَقُومُ عَلَى إِعْدَادِ المُراسَلاتِ وَالمُخَاطَباتَِ، وبِأسلوبه قد يوقد حَرْباً بَيْنَ طرفين، وَكَمْ جَمَعَ بِجَميلِ خِطَابِهِ بَيْنَ ضِدَّيْنِ.


4- وَمِنَ الكتابَةِ تَصنيف الكتب والمؤَلفات في شَتَّى المَعَارِف وَالعلومِ.


5- وَمَن فنون الكتابة؛ أن يكون كاتب مَقَال ينشر ما يكتب فِي إحدَى الصحف اليومية أو الأسبوعية.


خير ما يقتني اللبيب كتاب محكم النقل متقن التقييد


فما القانون الذي يحكم قلم الكاتب؟ وما ذلكم المعيار الذي يقاس به أداء الكاتب؟ وما هي المعالم المشتركة التي يجب توفرها في المكتوب؟ ليُجاز عندَ أربابِ القلمِ ونُقَّادِ الكَلِمِ، فيصبح بهذا القانون من فرسان الأقلام، وأمراء الكلام، ويُكْتَبَ لَهُ النَّجَاحُ في ميدان رَسْمِ القلم ورقْمِ الكتاب.



أولا: الصدق والإخلاص


ينبغي أن يكون الكاتب صادقٌ فيما يكتبه، نبيلٌ في رسالته، لا يسرق عقل القارئ، الذي يقرأ له، إلى بيئةٍ لا تعرف من الكتابة إلا رسمها، فينحت في ذهنه الكذب والنفاق، قال تعالى:{اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119]، وفي رِوَايَةٍ لأحمد في «المسند» (1/410)، وأبو يعلَى في «مسنده» (9/245) بسند صحيح كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: (إن الكذب لا يصلح منه جَدٌ وَلا هَزَلٌ، ولا يَعِدُ الرَّجُلُ صَبِيَّا ثُمَّ لا يُنْجَزُ لَهُ).


وأفضل من ذلك ما رواه البخاري (6094)، ومسلم(2607) في «صحيحيهما» من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقاً، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذاباً».



ثانيا: وضوحُ الهدفِ وسُموُّ الغايةِ


إن تَحديد الهدفِ والغايةِ من الكتابة؛ عنصر مهم وأمر لازم لِمن أراد ولوج هذا الميدان، ولذا نجد من يكتب لغايَةٍ؛ يُجهد النفس في جمع الأفكار، وضمّها إلى بعضها، لتكون خادماً لِهذا الهدف، وتحت لواء تلكم الغاية، وإن فقدان الهدف فيه ضياع للهوية، وكشف لشخصيةِ ذلك الكاتب، وما علاقته وقوة معرفته بفن الكتابة الرفيع ؟!


ولذا... فإن أهداف الكاتب لابدَّ وأن تكون محددة الأهداف واضحة المعالم.


مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلْيَكْتُب خيراً أو ليُمْسِك


وكما أن الوضوح مطلب؛ فكذلك السُّمُوَّ والرفعة بِهذا الهدف من أسْمَى المطالب، وأن يكون هدفه تقديم الخَير لأمَّتِهِ بِمداد القلم، ومن كتب لأهدافٍ دنيويةٍ وَأُمورٍ دَنِيَّةٍ؛ فعزاءُنا للقلمِ والمِحْبَرَةِ والقرطاسِ، فَعَلامَ ضَيَاع الزمنِ، فأَولَى لك فأَولَى أن تجرب مواهبك في فنٍ آخَرَ، وعليك ترك القلم والكَتْبَ لأهلهِ. وعلى هذا جرى اتفاق أهل العلم والقلم؛ فقال الذهبي فِي كتاب الكبائر وقبله النووي والغزالي: وينبغي للإنسان أن يسكت عن كل ما رآه من أحوال الناس إلا ما في حكايته فائدة للمسلمين.


وروى مسلم في «صحيحه» (1468) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عنِ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فإذا شهد أمراً فليتكلم بخيرٍ أو ليَسكُتْ».



ثالثا: انتقاءُ المُفرَدَةِ والعنايةِ بِها


وفي ذلك إحياءٌ وعودة إلى اللغة العربية- لغة القرآن- باختيار المفردة التي لا تؤذي عينَ قارئٍ أو أذنَ سامعٍ، بل تجد قبولاً ومعالجة نفسية يعيشها القارئ.


وبشيوع المُفردةِ النَّقِيَّةِ الحَيَّةِ عِنْدَ الكَاتِبِ والقارئ، وانتشارها؛ نرقَى بالذوق العام للمجتمعات، وفي هذا احْتِرَامُ الكَاتِبِ لِعقْلِهِ، وإنه في حال العمل علَى صَقْلِ العقل؛ وتسليحه بالعلم والمعرفة، وكذا مع الممارسةِ وَالدُّرْبَةِ، يِجِدُ عقلاً ذا مَخزونٍ مَعْرفِيٍّ، يَتَجَوَّلُ فِيهِ فينتقي لكل موقف مفردته، ولكل ميدانٍ كلمته.



رابعاً: السُّمُوُّ مع المتلقِّي (القارئ والسامع)


نعني كُلَّ مُخَاطَبٍ بالكتابةٍ ولو كان خصماً أو عدواً، فقد قال الله تَعَالى:(وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) [ البقرة: 83 ]، وقال تعالى:{اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولاَ لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه : 43-44]، يقول الله تعالى: لموسى وهارون: {فقولا لفرعون قولاً لينا}، وفي ذلك توجيه بلين الجانب. والكتابة والقول مثيلان، فإن القلم أحد اللسانين، وكَاتَبَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلم كسرَى الفرس وقيصر الروم ونجاشيَّ الحبشة؛ بعبارات لطيفة؛ لعلَّهم يدخلون في دين الله وَيَدَعُونَ ما هم عليه عاكفين، كما روى البخاري (7)، ومسلم(1773) في «صحيحيهما» من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: ثم دعا بكتابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأه فإذا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم». وباحترام القارئ وَمُخاطبةِ عقله بِهدوءٍ قد يَبْلُغُ العلاجُ موضعه؛ فيكون القبول.



خامسا: والعلم والمعرفة


وفي هذا أمران:


(1) على كل من تصدى للكتابة أن يكون لديه قاعدة من العلم والمعرفة.


(2) أن يحسن الجمع بين تراكيب الكلم ومفرداته، وضم معلوماته، ويقوم علَى توجيهها ووضعها في مَكَانِها الذي جُعِلَتْ لَهُ.


سدساً: التَّأَدُّبُ مع المخالفِ


وهنا التُّؤْدَةُ وعدمُ الغضبِ والتعصب في الرَّدِّ؛ أمرٌ مطلوب، ووصف عزيز، ونظرٌ مرغوب، فإن بالرِّفقِ والتُّؤْدَةِ يتَسنَّى للكاتب وضع كل حرف في موضعه، وقد روى الترمذي في «سننه» (2010)، وعبد بن حميد في «المنتخب من مسنده» (1/183) ما صح عن عبد الله بن سرجس المزني قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «السمت الحسن، والتؤدة، والاقتصاد؛ جزء من أربعة وعشرين جزءاً من النبوة».


والكتابة بغضب عند معالجة الأمور، وفي حال الردود علَى المخالف، قد يغلقُ العقل، ويَزِلُّ القلم في اختيار تراكيبه، وجمله، ومفرداته.




تاريخ النشر 25/01/2010 

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127