الشيخ عبدالعزيز بن ريس الريس

الإكمال بتقريب شرح نواقض الإسلام (5) الشيخ عبد العزيز بن ريس الريس

أضيف بتاريخ : 30 / 07 / 2008
                                



الإكمال بتقريب شرح نواقض الإسلام (5)  الشيخ عبد العزيز بن ريس الريس





الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فما زلنا في ذكر نواقض الإسلام العشرة التي ذكرها شيخ الإسلام المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- مع التعليق عليها ما تيسر ونقف اليوم مع الناقض الرابع وهو:

قول المصنف (الرابع: من اعتقد أن غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه فهو كافر).

وهذا ردة لأنه تكذيب للقرآن الناص على أنه لا حكم أحسن من حكم الله. والحكم بغير ما أنزل الله لـه أحوال ومراتب إليكها مع الكلام على حكمها، وقبل ذلك أحرر محل النزاع:

اتفق العلماء على أن مًنْ الحكم بغير ما أنزل الله كفراً مخرجاً من الملة كأن يكون جحوداً أو استحلالاً ومنه ما ليس كفراً كأن يظلم الأبُ أحدَ ابنيه ولا يعدل بينهما فإنه بهذا يكون قد حكم بينهما بغير ما أنزل الله إذ الحكم بين الأبناء من جملة الحكم فإن كان عدلاً فهو بما أنزل الله وإن كان ظلماً فهو بغير ما أنزل الله، قال ابن تيمية: وكل من حكم بين اثنين فهو قاض سواء كان صاحب حرب أو متولي ديوان أو منتصباً للاحتساب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى الذي يحكم بين الصبيان في الخطوط فإن الصحابة كانوا يعدُّونه من الحكام “ ا.هـ(1).

والحكم بغير ما أنزل الله حالات، لكن هناك حالةي كثُر الكلام فيها وهي إذا حكم الحاكم بغير ما أنزل الله هوىً وشهوةً بأن يضع قوانين من نفسه أو يتبنى قوانين وُضعت قَبله وهو مع هذه الحالة معترفي بالعصيان والخطيئة فهل مثلُ هذا يُعد كفراً مخرجاً من الملَّة أم لا؟ وتحرير محل النزاع يتلخص فيما يلي:

ـ1 أن يجحد الحاكمُ حكمَ الله سبحانه وتعالى ومعنى الجحود أنه يكذًّب وينكر أن هذا حكم الله عز وجل وهذا كفري بالاتفاق قال تعالى: (وَجَحَدُوا بًهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً“)، وقال سبحانه: (فَإًنَّهُمْ لا يُكَذًّبُونَكَ وَلَكًنَّ الظَّالًمًينَ بًآيَاتً اللَّهً يَجْحَدُونَ“).

وكفرُ الجحود نوعان: كفر مطلق عامّ وكفر مقيَّد خاص. والخاص المقيَّد: أن يجحد فرضاً من فروض الإسلام أو تحريم محرم من محرماته. ا هـ(2).

ـ2 أن يجوًّز الحاكم الحكم بغير ما أنزل الله سبحانه وتعالى: وهذا هو الاستحلال وهو كفري بالاتفاق ـ كما تقدم ـ، وللفائدة فقد درج جماعةي من العلماء(3) على ذكر آية ( أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مًنَ الدًّينً مَا لَمْ يَأْذنْ بًهً اللَّهُ...) من الأدلة على تحريم البدع ـ التي هي تشريع أمور جديدة يزعم صاحبها أنها من الدين ليُتعبد الله بها ـ ومن هذا يتبين خطأ المستدلين بالآية على تكفير من شرع أحكاماً غير حكم الله ووجه خطأ استدلالهم أن الآية كفرت من جمع بين وصف التشريع والزعم أنه من الدين وهذا هو المسمى بالتبديل ـ كما سيأتي ـ أما التشريع وحده دون زعم أنه من الدين فلم تحكً الآية كفره، فتنبه.

ـ3 أن يسوًّي الحاكم حكم غير الله بحكم الله جل جلاله: وهذا كفري مخرجي من الملّة كما قال تعالى: (فَلا تَضْرًبُوا لًلَّهً الأَمْثَالَ)، وقال: ( لَيْسَ كَمًثْلًهً شَيْء ي)، وقال: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمًيّاً)، وقال: (فَلا تَجْعَلُوا لًلَّهً أَندَاداً).

ـ4 أن يفضًّل حكم غير الله على حكم الله سبحانه وتعالى: وهذا كفري مخرجي من الملَّة إذ هو أولى من الذي قبله فهو تكذيب لكتاب الله سبحانه وتعالى قال الله تعالى (وَمَنْ أَحْسَنُ مًنَ اللَّهً حُكْماً لًقَوْمي يُوقًنُونَ).

ـ5 أن يحكم بغير ما أنزل الله على أنه حكم لله، وهذا كفر أكبر بالإجماع قال تعالى ( أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مًنَ الدًّينً مَا لَمْ يَأْذَنْ بًهً اللَّهُ ) فجمعوا بين التشريع وزعمه من الدين فهذا يسمى تبديلاً.

وبعد تحرير مواضع الإجماع أنتقل إلى ما كثُر فيه الخلاف وهو إذا حكم الحاكم بغير ما أنزل الله هوىً وشهوةً بأن يضع قوانين من نفسه أو يتبنَّى قوانين وضعت قبله مع اعترافه بالعصيان ومخالفة أمر الرحمن سبحانه فهل مثل هذا الحاكم يصير كافراً مرتداً عن الدين؟

نقل أدلة القولين ومناقشتها تطويل يخالف ما أعد له هذا المختصر، لكن أنبه إلى أمرين:

الأول: أن سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز والإمام الألباني ـ رحمهما الله ـ يريان أنه كفر أصغر لا أكبر، وهذا ما عليه اللجنة برئاسة الإمام ابن باز ـ رحمه الله ـ:

فقد نشرت جريدة الشرق الأوسط في عددها (6156) بتاريخ (12/5/1416هـ) لسماحة المفتي عبد العزيز بن باز مقالاً قال فيه: «اطلعت على الجواب المفيد القيم الذي تفضل به صاحب الفضيلة الإمام محمد ناصر الدين الألباني ـ وفقه الله ـ المنشور في جريدة الشرق الأوسط وصحيفة المسلمون الذي أجاب به فضيلته من سأله عن تكفير من حكم بغير ما أنزل الله من غير تفصيل، فألفيتها كلمة قيمة قد أصاب فيها الحق، وسلك فيها سبيل المؤمنين، وأوضح ـ وفقه الله ـ أنه لا يجوز لأحد من الناس أن يكفر من حكم بغير ما أنزل الله بمجرد الفعل من دون أن يعلم أنه استحل ذلك بقلبه، واحتج بما جاء في ذلك عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وغيره من سلف الأمة. ولا شك أن ما ذكره في جوابه في تفسير قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بًمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئًكَ هُمُ الْكَافًرُونَ)، (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بًمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئًكَ هُمُ الظَّالًمُونَ)، (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بًمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئًكَ هُمُ الْفَاسًقُونَ )هو الصواب، وقد أوضح ـ وفقه الله ـ أن الكفر كفران أكبر وأصغر، كما أن الظلم ظلمان، وهكذا الفسق فسقان أكبر وأصغر، فمن استحل الحكم بغير ما أنزل الله أو الزنا أو الربا أو غيرهما من المحرمات المجمع على تحريمها فقد كفر كفراً أكبر، ومن فعلها بدون استحلال كان كفره كفراً أصغر وظلمه ظلماً أصغر، وهكذا فسقه» 4.

وأجابت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في فتوى رقم (5741) على سؤال أورد إليك نصه وجوابه:

س: من لم يحكم بما أنزل الله هل هو مسلم أم كافر كفراً أكبر وتقبل منه أعماله؟

ج: قال تعالى (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بًمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئًكَ هُمُ الْكَافًرُونَ)، وقال تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بًمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئًكَ هُمُ الظَّالًمُونَ)، وقال تعالى: ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بًمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئًكَ هُمُ الْفَاسًقُونَ ) لكن إن استحل ذلك واعتقده جائزاً فهو كفر أكبر، وظلم أكبر، وفسق أكبر يخرج من الملة، أما إن فعل ذلك من أجل الرشوة أو مقصد آخر وهو يعتقد تحريم ذلك » فإنه آثم يعتبر كافراً كفراً أصغر، وفاسقاً فسقاً أصغر لا يخرجه من الملّة » كما أوضح ذلك أهل العلم في تفسير الآيات المذكورة(5).

وقال سماحة شيخنا عبدالعزيز بن باز ـ رحمه الله ـ:

«من حكم بغير ما أنزل الله فلا يخرج عن أربعة أمور:

1- من قال: أنا أحكم بهذا ـ يعني القانون الوضعي ـ لأنه أفضل من الشريعة الإسلامية فهو كافر كفراً أكبر.

2- ومن قال: أنا أحكم بهذا» لأنه مثل الشريعة الإسلامية، فالحكم بهذا جائز وبالشريعة جائز، فهو كافر كفراً أكبر.

3- ومن قال: أنا أحكم بهذا، والحكم بالشريعة الإسلامية أفضل، لكن الحكم بغير ما أنزل الله جائز، فهو كافر كفراً أكبر.

4- ومن قال: أنا أحكم بهذا، وهو يعتقد أن الحكم بغير ما أنزل الله لا يجوز، ويقول: الحكم بالشريعة أفضل، ولا يجوز الحكم بغيرها، ولكنه متساهل، أو يفعل هذا لأمر صادر من حكامه فهو كافر كفراً أصغر لا يخرج من الملة، ويعتبر من أكبر الكبائر. ا.هـ(6).

الثاني: أن أقل ما يقال: إن هذه المسألة خلافية فإن كان كذلك فلا يصح لمن يرى الكفر الأكبر أن يكفر الحاكم بغير ما أنزل لأن الخلاف عذر مانع من تكفير المعين - كما تقدم.

كثير ممن تكلم في هذه المسألة لم يراع اصطلاحات أهل العلم في بعض الألفاظ كلفظ (الالتزام، التشريع، التبديل) فإذا قالوا: غير ملتزم أي أنه لم يعتقد وجوبه على نفسه، وإذا قالوا: شرع حكماً أي جعل حكماً غير حكم الله مع زعم أنه من الدين كما قال تعالى: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين...)، وإذا قالوا: بدل حكم الله أي جعل حكماً غير حكم الله مع زعمهم أنه حكم الله.

أخي القارئ تابعنا في مقال قادم إن شاء الله تعالى ومع الناقض الخامس.

والحمد لله وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

عبد العزيز بن ريس الريس


(1) مجموع الفتاوى (18/170).

(2) أفاده ابن القيم في المدارج (1/367).

(3) كما فعله ابن تيمية في مواضع منها في أوائل كتــاب الاستقامة (1/5)، والاقتضاء (2/582) وابن رجب في الجامع عند حديث عائشة «من أحدث في أمرنا هذا...».

4 مجموع مقالات وفتاوى متنوعة (9/ 124)

(5) اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو: عبد الله بن غديان نائب رئيس اللجنة: عبد الرزاق عفيفي الرئيس: عبد العزيز بن عبد الله بن باز . وانظر للاستزادة مجموع فتاوى ومقالات ابن باز(3/990-992) وما نقلته مجلة الفرقان عن الشيخ ابن باز العدد (82، 94) وانظر الفتاوى لابن باز (2/325- 331).

(6) قضية التكفير بين أهل السنة وفرق الضلال ص72 - 73.


تاريخ النشر: الاثنين 12/3/2007

جريدة الوطن الكويتية



اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127