الشيخ عبدالعزيز بن ريس الريس

الإكمال بتقريب شرح نواقض الإسلام (3) الشيخ عبد العزيز بن ريس الريس

أضيف بتاريخ : 30 / 07 / 2008
                                

الإكمال بتقريب شرح نواقض الإسلام (3) الشيخ عبد العزيز بن ريس الريس




الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على رسوله الذي اصطفى، وعلى آله وصحبه ولمن لهديه اقتفى، أما بعد:

فما زلنا مع النواقض العشرة من نواقض الإسلام التي ذكرها شيخ الإسلام المجدد محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله تعالى ـ ولنا تتمة في التعليق على الناقض الثاني وهو (من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، ويسألهم الشفاعة، ويتوكل عليهم كفر إجماعاً).

وذكرت لك في المقال السابق الكلام حول الأمر الأول وهو الدعاء، أما الأمر الثاني: الشفاعة:

الشفاعة لغة: اسم من شفع يشفع إذا جعل الشيء اثنين، والشفع ضد الوتر.

اصطلاحاً: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة(1).

والشفاعة لأهل التوحيد دون غيرهم، لما روى الشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »لكل نبيّ دعوة مُستجابة فَتَعجَّل كل نبيّي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يُشرك بالله شيئاً« واللفظ لمسلم.

وفي صحيح البخاري سأل أبو هريرة رسولَ الله صلى الله عليه وسلم: من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: »من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه«.

وفي الصحيحين واللفظ لمسلم من حديث أنس رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: »فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله. قال: ليس ذلك لك ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأخرجنَّ من قال لا إله إلا الله«.

قال ابن تيمية في الشفاعة المثبتة: فتلك لأهل الإخلاص بإذن الله ولا تكون لمن أشرك بالله (2).

¼ تنبيهات مهمة:

التنبيه الأول: للشفاعة ثلاثة شروط:

الشرط الأول: الإذن للشافع أن يشفع، قال تعالى: ( مَنْ ذَا الَّذًي يَشْفَعُ عًنْدَهُ إًلا بًإًذنًهً).

الشَّرط الثَّاني: رضاه سُبحانه عن الشافع، فلا يأذن سبحانه إلا لمن رضي عنه، فعن أبي سعيد الخدريًّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : »إن الله تعالى قال شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضةً من النَّار فيُخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط قد عادوا حُمَمَاً “« متفق عليه واللفظ لمسلم.

والملائكة والنبيُّون والمؤمنون قد رضي عنهم. فإذا كان لابد من الرضا عن المشفوع لـه، فمن باب أولى الشافع.

الشرط الثالث: رضاه سبحانه عن المشفوع لـه كما قال تعالى: (وَلا يَشْفَعُونَ إًلا لًمَنً ارْتَضَى وَهُمْ مًنْ خَشْيَتًهً مُشْفًقُونَ) واستُثني هذا الشرط في الشفاعة العظمى للفصل بين العباد وفي شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب الكافر ـ كما سبق ـ.

التنبيه الثاني: الرضا قسمان:

أ ـ رضا خاصي . ب ـ رضا عامّي.

أما الرضا الخاص ما كان للأنبياء والأولياء من المؤمنين ويدلُّ لذلك قوله تعالى: (لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادُّون من حادَّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون) أما الرضا العامُّ فهو رضاه سُبحانه عن كل موحدي وهذا الرضا هو المراد في آيات الشفاعة كما سبق.

التنبيه الثالث: ما جاء في حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: »ما من رجلي مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يُشركون بالله شيئاً إلا شفَّعَهم الله فيه« رواه مسلم، وهؤلاء الأربعون شُفًّعوا في هذا المسلم فأين شرط الرضا وشرط الإذن؟.

والجواب: أما شرط الرضا فقد سبق ، أما الإذن فقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله:فإن قيل إن الشفاعة لا تكون إلا بإذنه سُبحانه فكيف يُسمَّى دعاءُ الإنسان لأخيه شفاعة وهو لم يستأذن من ربه؟.

الجواب: أن الله أمر بأن يدعو الإنسان لأخيه الميت وأمره بالدعاء إذن وزيادة. ا.هـ (3).

التنبيه الرابع: قد يُقال ما فائدة الشفاعة ؟ لماذا لا يغفر الله للمشفوع له مباشرةً بدون شفاعة أحد؟

فيُقال: الشفاعة فيها إظهار إكرام الشافع، قال ابن تيمية: وحقيقته أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء مَنْ أذن له أن يشفع ليكرمه وينال المقام المحمود “ ا.هـ (4).

الأمر الثالث: التوكل:

التوكل لغة: إظهار العجز والاعتماد على الغير ( لسان العرب).

شرعاً: قال ابن رجب: هو صدق اعتماد القلب على الله عز وجل في استجلاب المصالح ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة كلها ا.هـ(5).

لكن يضاف عليه مع فعل الأسباب المأذون فيها(6).

قال الإمام أحمد: التوكل عمل القلب. وكذا قال ابن القيم(7).

قال ابن القيم: فظهر أن التوكل أصل لجميع مقامات الإيمان والإحسان، ولجميع أعمال الإسلام، وأن منزلته منها كمنزلة الرأس من الجسد، فكما لا يقوم الرأس إلا على البدن، فكذلك لا يقوم الإيمان ومقاماته إلا على ساق التوكل ا.هـ (8).

وذكر ابن القيم أن التوكل شرط في الإيمان، وأنه إذا انتفى انتفى الإيمان، قال تعالى: (وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمً إًنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بًاللَّهً فَعَلَيْهً تَوَكَّلُوا إًنْ كُنْتُمْ مُسْلًمًينَ)(9).

قسم بعض أهل العلم التوكل أقساماً، وجعل من أقسامه الوكالة. والظاهر أن هناك فرقاً بين التوكل والوكالة، فإن التوكل فيه قيام العبد بالعمل ومباشرة الأسباب، بخلاف الوكالة فإن فيها إقامة العبد غيره لمباشرة أسباب العمل، والعبد نفسه متوكل على الله فاعل للسبب بإقامة الغير بدلاً منه، فالذي يظهر أن التوكل قسم واحد صرفه لغير الله شرك أكبر، وهو شرط في الإيمان، ومن ثم لا يصح قول العبد توكلت على فلان، أو توكلت على الله ثم على فلان، فإن هذا من شرك الألفاظ. وهذا ظاهر كلام ابن القيم عن التوكل في كتابه المدارج.

أخي القارئ تابعنا في المقالات القادمة إن شاء الله تعالى، والحمد لله رب العالمين.


هوامش




(1) القول المفيد (1 /331) وانظر شرح الواسطية للشيخ محمد العثيمين (2 /168).

(2) انظر فتح المجيد (1 /359)، ورسالة الكلام على حقيقة الإسلام ص119ـ 121.

(3) القول المفيد ( 1 /429).

(4) رسالة الكلام على حقيقة الإسلام ص119ـ121 .

(5) جامع العلوم والحكم (2 /497).

(6) انظر القول المفيد (2 /185).

(7) انظر مدارج السالكين (2 /114).

(8) المدارج.

(9) المرجع السابق.


تاريخ النشر: الاثنين 26/2/2007

جريدة الوطن الكويتية



اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127