الشيخ محمد بن سعد الشويعر

هواجس من الزمن القديم 2 - الشيخ محمد بن سعد الشويعر

أضيف بتاريخ : 08 / 12 / 2009
                                

هواجس من الزمن القديم 2-2

د. محمد بن سعد الشويعر


 

لكن ذكاء الصياد وحسن تخلصه، جعل الجائزة تتضاعف مرة بعد أخرى، ومن هذا السياق يبرز مغزى القصة، وما تدور حوله، في إبراز الشخصية، وفرض الاحترام ومن ثم التقدير، مما جعل السلطان يأمر بأن يكتب على باب قصره: شور ابنتي لا يطاع. (59 - 62) وهذه العبارة لها مغزى آخر.

والحكاية الخامسة: تدور حول (دعد) ملكة شهيرة في صنعاء قديماً، جاءت القصة في 3 صفحات فقط. وكانت (دعد) هذه معجبة بجمالها، وقد جعلت جائزة لمن يتغزل بجمالها ويصفه، ومقدار الجائزة كبيرة: هي أن تهبه نفسها، ليكون زوجاً لها، فتسابق الشعراء، وتوافدوا بقصائدهم، فهذا من بلاد الشام، جاء إليها وافداً بقصيدته، لعله يفوز بهذه الجائزة الثمينة. وفي طريقه في صحراء الجنوب استضافه أحد قطاع الطرق، فتسامرا وقص عليه خبره وقصيدته التي هيأها لهذه المناسبة، لكن قاطع الطريق بيّت شراً لأخذ القصيدة، ولقتل الشاعر (دوقلة المنبجي)، عندما يستغرق في النوم، ثم يذهب بها، وبعدما ألقاها حازت الإعجاب، لكن الملكة اليمانية (دعد) أدركت بذكائها أن هذه القصيدة ليست لمن ألقاها، فألقت عليه أسئلة تدور حول القصيدة وألفاظها، فلم يستطع الإجابة عنها.. فقالت على الفور لمن حولها: اقتلوا قاتل زوجي، فذهل واعترف بالحقيقة (63-65).

والقصة السادسة: التي تقع في خمس صفحات ونصف، وعنوانها: هذا الذي يحصل لمن أطاع زوجته، تدور أحداثها حول شاب تزوج ابنة عمه، وشعر بأنه سيكون عبئاً على غيره في النفقة لأنه لا مصدر رزق يقتات منه فتشاور مع زوجته في الأمر، لضيق مجال العيش، ولا صنعة في يده، فأشارت إليه أن يخدم في بلاط السلطان، وإذا سُئلت عن المهنة، فقل إنك تعرف السرقات وقطاع الطرق، وهي مهنة خالية من المتاعب، والبلاد آمنة بحزم السلطان ولن ينكشف أمرك لعدم الحاجة إلى مهنتك هذه، وهي تتفق مع القصة الرابعة، بأن المدار على النساء وآرائهن، فرح الملك بمثل هذه المهمة وألحقه بحاشيته، بدخل وفير، ومرت السنة ولم يحصل عند السلطان داع لمهمته ، وطلب الإذن لزيارة الأهل والتوسيع عليهم بما أفاء الله عليه. وسافر ظاناً أنه نجا من المصيدة، لكن السلطان في ليلة سفره أرق وأحب أن يسامر وزيره فطلبه وطلب اللعبة التي كانا يلتهيان بها، فوجد الوزير نفسه متورطاً حيث كانت زوجته قد طلبت منه إحضار هذه اللعبة لتتسلى بها أيضاً.

ولكي يعتذر أفاد بأنها غير موجودة فقد بحث عنها الخدم من قبل، فطلب كاشف السرقات وسرعة اللحاق به وإرجاعه، لحق به الوزير ليعيده من الطريق، وأخبره عن المهمة التي طُلب من أجلها، فقال: معبراً عما وقع فيه: هذا الذي يحصل لمن أطاع زوجته فامتقع وجه الوزير لأنه حسبه يعنيه، وقال استر عليّ وسوف أعيدها.

فلئن كانت القصص الثلاث الأولى: بطلها واحد وهو (قنيّ) ومحورها الفِراسة والفِطنة في كشف الخفايا، ومسرح أحداثها منطقة القصيم، فإن الثلاث الأخرى المستمدة من التراث العربي، قد سجّلها المؤلف بصياغة خاصّة خوفاً من ضياعها واندثارها كما قال في المقدمة، ومحورها الذكاء والحيلة، وأحداثها مع السّلاطين، والوحدة الموضوعية في الست واضحة فيها، وبقاسم مشترك، إلاّ أن مسرح أحداث الثلاث الثانية مختلف، وإن تقاربت في المحور الذي تدلّ عليه، إلا أن مسرح الأحداث متباعد النّجعة.

فالأولى التي هي الرابعة في التّسلسل في إفريقيا بزنجبار، والثانية التي هي الخامسة في التّسلسل بصنعاء باليمن، والثالثة التي هي السادسة بالتّسلسل في قصر أحد السلاطين الذي لم يسمّ مكانه.. فاشتركت كلها بالارتباط بالملوك، والقاسم بينها الاشتراك النّسوي والسلاطين.

أما الثلاث الأخيرة التي تمثل: السابعة والثامنة والتاسعة حسب التّسلسل في الكتاب، فقد استغرقت 55 صفحة ويتّضح أن زمنها أقرب، ومسرح أحداثها في منطقة قريبة من الرياض، وقريبة من الواقع المعاش.

إذ الأولى عن رميزان في عبيثران، في جبل طويق الذي تقع فيه الرياض، وكذلك الأخريتان.

وقال عنها المؤلف: بأنها واقعية وعرفت أحداثها منذ ستين عاماً، ولا تزال آثارها على ألسنة بعض الناس في المنطقة حيث اتّخذ هذا المجرم: رميزان وأمّه وأبوه، إحدى المغارات منطلقاً لتقييد أي إنسان ، ليقتنصه طعاماً له ولوالديه الطاعنين في السن، فهو من أكلة لحوم البشر التي تروى بين حين وآخر.

وقد استفحل أمره حتى أصبحت تلك المنطقة مخافة يتنادر الناس عنها، وقد صور المؤلف طريقة هذا المجرم في ضحاياه، مع شدته وغلظته، حتى قيض الله: خنيزان الشجاع، الذي كان يتجول في المنطقة بحثاً عن صيد، ولفت نظره ذلك الكهف المظلم، فتجاسر لولوجه، فإذا عيناه تقعان على بعض ضحايا رميزان فانذروه بالهروب قبل عودة ذلك المجرم، لكنه صمم على إنقاذ الضحايا، والمنطقة كلها من إرهابه، وفي هذا بطولة.

فترصد لوالديه واحداً بعد الآخر حتى قضى عليهما، وخلص الضحايا، وعندما أقبل رميزان أرداه مثل والديه واطمأنت المنطقة من الشبح الذي أفزعهم فترة من الزمن فانتهى دوره ببسالة خنيزان.

ثم تأتي القصة الثانية، وهي الثامنة بالتسلسل وعنوانها: سنة الرحمة، تلك السنة التي حصدت الأمراض التي لم تعرف من قبل بشراً كثيراً حتى أصبحت تاريخاً تسجل به الأحداث، كما هي العادة ذلك الوقت وما قبله برصد الأحداث، مربوطة بأكبر حدث مرّ بالناس، وقد عرفت تاريخياً بعام 1336هـ.

وقد صور المؤلف تلك الكارثة وآثارها، تصويراً بديعاً، بحيث لم يسلم صغير دون كبير، ولا شريف دون طريف، وقد استعملوا أساليب الأدوية الشعبية السائدة لكن لم يكن لها أثر، إذ دخل الموت كل بيت، بل أفنى بيوتاً كاملة بجميع ساكنيها.. وضاعت مع ألم الكارثة آمال غلاب، الذي سافر ليجمع ما يبني به عش الزوجية، مع مشاعل التي رفضت الجاه والمكانة، وغلبت الحب النقي مع غلاب الذي وعدها بتحقيق الأمل، لكنّه حلمٌ لم يتحقق.

فما عاد من غربته مبتهجاً بالحياة الجديدة، إلا ويفاجأ بأخبار الموت الجماعي لكل من يعرف ولم يبق إلا رمق يضئ من عيني مشاعل، ونبضات تشعر بأنه لا يزال بها بقية من حياة، فيحملها على بعيره مع طفل وحيد بقي من أسرته، هارباً في نظره من هذا الوباء، وفي طريقه إلى الأحساء، يستظل بشجرة كانت مرقد الجميع الأخير.

لقد أبدع المؤلف في تصوير حالين: حال الجميع مع المرض، وما أثمر من مآسٍ وفواجع، وحال غلاب في عودته منتشياً بقرب من أحب، فإذا هي فرحة، تحولت إلى فناء ليلحقوا بغيرهم من نتائج ذلك المرض، ليحس القارئ بفجيعة الناس، ومعاناة البيئة كلها، في وقت كادت تنمحي من الذاكرة.

ثم تأتي القصة الأخيرة، وهي أقصر هؤلاء الثلاث الأخيرات في الكتاب، إذ تزيد على سبع الصفحات، بسطرين، لكنها بأحداثها تنتقل إلى منطق جديد في حياة الناس في المنطقة، وتغيير في الأوضاع الاجتماعية، فيتفاعل المؤلف مع معاناة (ضويحي) الذي تدور أحداثها عليه، وعلى حالته الاجتماعية فهو من الطبقة الأولى من الموظفين، بعدما التأم شمل الأمة، في وحدة وطنية، فقد سارت أيامه منتظمة مع العمل الوظيفي، فوصله التقاعد، الذي ثقل عليه، حيث أشعره بالفراغ، ولم يستطع التكيف مع من حوله.. ففي نظره الزمان غير الزمان، فاختفى عن أقرانه، لما يعتمل في ضميره من أفكار متضاربة.

وميزه المؤلف الأستاذ محمد بن أحمد الشدي أنه يمزج الأحداث بعبارات ومشاهد وعادات من البيئة ذلك الوقت ليبسط القول بالأحاسيس، وكأن القارئ يعيش بخياله مع الأحداث.

مشورة الحكماء:

جاء في كتاب قصص العرب: بتجميع ثلاثة من علماء الأزهر القدامى في طبعته الثانية عام 1367هـ أنه لما مات بعض الخلفاء المسلمين، اختلف الروم واجتمعت ملوكها، فقالوا : الآن يشتغل المسلمون بعضهم ببعض، وهي فرصتنا بأن نتمكن بغفلة منهم، لنثب عليهم ونتغلب على بعض ديارهم.

وعقدوا لذلك المشورات، وتراجعوا فيه بالمناظرات، واتفق رأيهم بالإجماع على أنها فرصة الدهر التي يجب أن تغتنم.

وكان رجل منهم من ذوي العقل وبعد النظر، والمعرفة بالأمور غائبا عنهم، فقالوا: من الحزم عرض الرأي عليه، فلما أخبروه بما أجمعوا عليه، قال: لا أرى ذلك صواباً فسألوه عن علة ذلك؟ فقال في غدٍ أخبركم، فلما أصبحوا أتوا إليه، وقالوا: قد وعدتنا أن تخبرنا في هذا اليوم، بالرأي فيما عولنا عليه، فقال سمعاً وطاعة وأمر بإحضار كلبين عظيمين كان قد أعدهما ثم حرّش بينهما، وحرض كل واحد منهما على الآخر، فتواثبا وتهاوشا حتى سالت دماؤهما.

فلما بلغ الغاية في العداء فيما بينهما وبذل كل منهما ما في وسعه من القوة للتغلب على الآخر، فتح باب بيت عنده، وأرسل على الكلبين ذئباً كان قد أعده لذلك، فلما أبصراه تركا ما كانا فيه، وتألفت قلباهما ووثبا جميعاً على الذئب فقتلاه.

فأقبل الرجل على أهل الجمع فقال: مثلكم مع المسلمين مثل هذا الذئب مع الكلاب، لا يزال الهرج يعني الفتنة والاختلاط - بين المسلمين ما لم يظهر لهم من غيرهم عدو فإذا ظهر تركوا العداوة التي بينهم، وتآلفوا على العدو.

فاستحسنوا قوله واستصوبوا رأيه، واتّبعوا مشورته (قصص العرب 4: 353 - 354)


 

الجمعة 9 ,جمادى الثانية 1426

11978  العدد

جريدة الجزيرة السعودية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127