الشيخ محمد بن سعد الشويعر

إنما الأمم الأخلاق - الشيخ محمد بن سعد الشويعر

أضيف بتاريخ : 08 / 12 / 2009
                                

إنما الأمم الأخلاق..

د. محمد بن سعد الشويعر


 

جدير بالمسلم أن ينطلق من المفهوم الخلقي، الذي تمليه عقيدته، ويسير وفق تعاليم دينه، في إدراك الدور الذي يتركه حسن الخلق في نفسه أثناء تعامله مع غيره من مثالية في النفس وتعليما للآخرين عن قناعة وفهم، مع أهمية لفت الأنظار، إلى سابقة الإسلام، وحرصه على مصالح الأفراد، وترابط الجماعات، وضمان الحقوق، وإنزال الناس منازلهم.. حيث يجمع هذا الدين في اهتمامه بحسن الخلق بين المصالح الدنيوية الظاهرة، والأخروية المسعدة للنفس في معادها، مع توضيح مكانة الإسلام في اهتمامه بتنظيم حياة الناس.

ولئن كان علماء النفس قننوا بنظرياتهم ومقايسهم هذا العلم، وعلماء الاجتماع والتربية اهتموا بما يريدون تحقيقه منه، وفق معايير ظنية النتائج، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلامس أوتار القلوب بتشريعه، ويتغلغل في بواطن النفوس، لمن أراد الله به خيرا، فقد روى الترمذي وأبو داود عن أبي الدرداء رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من شيء يوضع في الميزان، أثقل من حسن الخلق، وإن صاحب الخلق ليبلغ به درجة الصوم والصلاة) جامع الأصول (4 : 414).

ونحن معاشر المسلمين، عندما يرغبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قدوتنا ومرشدنا، في حسن الخلق، فإنما يريد منا أن نصبح أهلا للتكريم من الله، بحسن مقابلة الآخرين، والتلطف معهم، والأمانة في العمل، والصدق والمحافظة على العهد، ومن ثم تمكين هذا المنهج في عاداتنا عملا، وفي طباعنا سلوكا؛ لكي تسمو نفوسنا، وترتفع بهذا السلوك مجتمعاتنا، ويتأثر بنا غيرنا.

وحتى يكون لحسن الخلق، سواء في التعامل الفردي أو الجماعي، حتى بين الأمم، تأثير فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤصله بمثل هذا النص الكريم: فقد أخرج الترمذي عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن من أحبكم إليّ، وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحسنكم أخلاقا، وإن أبغضكم إليّ وأبعدكم مني مجلسا يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون).. قالوا: يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون، فما المتفيهقون؟. قال عليه الصلاة والسلام: (المتكبرون).

ففي هذا الحديث يبيّن صلى الله عليه وسلم نماذج من صفات سوء الخلق، التي منها أيضا: الكذب والغيبة والنميمة، وغيرها من الصفات الذميمة التي تفسد الروابط، وتهدم المجتمعات، وتسبب الشحناء والتباغض.

فإذا كانت النصوص الشرعية في ديننا تعلمنا حسن الخلق ومكانته، وأهمية الدعوة إليه، فإن كمال الإيمان مرتبط بهذه الخصلة في الصراع الباطني، مع النفس لترويض طباعها على حسن الخلق، سواء كان هذا خلقا جبلت عليه، أو طبعا مكتسبا نتيجة أي مؤثر، أو أدبا دينيا رغبت فيه العقيدة الإسلامية، لما وراء ذلك من أجر عند الله، وقدوة صالحة يتأسى بها الناس في الدنيا، حيث مدح الله نبيه الكريم بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}، وكان خلقه القرآن.

وما ذلك إلا أن النصوص، ثم النظرة الاجتماعية عن التأثر والتأثير، تجعل في النفس البشرية المؤمنة إحساسا بضرورة تحويل هذا المفيد من العمل وما به من مصلحة إلى تعبد لله، وقربة بالتحلي به، وعمل ذي نفع في العاجل والآجل وذلك بحسن النية، كما جاء في الأثر: (ذهب حسن الخلق بجماع الأمر كله).

وفي هذا الموقف يحسن بنا أن نتأمل الدور الإيجابي، الذي تركته سيرة الإسلام في عصر ازدهاره، على البشرية بصفة العامة، حيث دخلت الأفواج المتتابعة في دين الله الحق، حتى يستجلي الدارس من ذلك صورا عن الوقائع التي برزت على الساحة في العصر الحاضر.. فرغم الهجمة على الإسلام، تبرز نظائر من هنا وهناك، لتعبر عن المنهج الخلقي في تعاليم الإسلام، عرفانا بدور هذا الدين في الحث على الأساليب المحببة للنفوس، التي تتمناها الأمم مثالية وسلوكا.

ذلك أن الصفوة الأولى في أمة الإسلام، عندما تهذبت خصالهم وآدابهم، بمكارم الأخلاق، وحسن الخلق؛ لأن الله يحب مكارم الأخلاق، أثروا في الأمم الأخرى، وزاد في تمكن هذا الأثر، عندما استقر في أذهانهم أن هؤلاء القوم استقوا ذلك من معين تعاليم الإسلام وتأدبوا بآداب القرآن الكريم، في تهذيبه للنفوس، ودعوته لمكارم الأخلاق، ثم تأسيهم برسول الله صلى الله عليه وسلم في سلوكه وأعماله، ورسموا خطاه في كل موقف.

فكأن الشاعر عناهم بقوله:

وتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم

إن التشبه بالكرام فلاح

والباحث المستقصي لمسيرة الجيوش الإسلامية، لنشر دين الله، في أرجاء المعمورة، يجد أن:

- الإسلام لم ينتشر بالسيف كما يُطلق في ديار الغرب، فالداخلون عن طريق القدوة والقناعة هم الأكثر.

- حسن الخلق، والتعامل بالصدق والوفاء، والمحافظة على الأمانة وغيرها من أخلاق هي التي جذبت الآخرين.

- الأمم التي دخلت الإسلام، قد انصهرت في مجتمعه بسرعة، وأحبته ودافعت عنه، وثبتت فيه جيلا بعد جيل.

- الحقد والحسد والكذب وغيرها من الصفات، لم توجد بين العرب كأمة فاتحة غالبة.

- الأمم المغلوبة احترمها المسلمون، ولم يظلموهم، وعاشوا تحت عدالة الإسلام: {لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ}.

- الطبقية المتعالية، والتحكم الفردي، قد

تلاشيا في ظل دولة الإسلام وتحكيم شريعته الطاهرة.

- الظلم قد ارتفع بعدل الإسلام، لإعطاء كل ذي حق حقه، وفق قاعدة: (إني حرمت الظلم على نفسي فلا تظالموا) (حديث قدسي).

وغيرها من أمور كثيرة، هي من مكارم الأخلاق، التي جاء دين الله الحق لنشرها وتأصيلها، مع توحيد الله سبحانه بالعبادة.

فالجيوش الإسلامية لم تصل جنوب وشرق آسيا، ولم تتوغل في بلاد الصين، ولم تدخل ما يسمى بالعالم الجديد، في أوروبا واستراليا، ولم تذهب لوسط أفريقيا وجنوبها وغربها، ولم تصل الدعوة الإسلامية للجزائر المتعددة في المحيطات والبحار على وجه الأرض، ومع هذا فقد أحب أعداد كثيرة وكبيرة من أبنائها ذكورا وإناثا، الإسلام وانصهروا فيه عن رغبة وطواعية. وكان لأفراد منهم دور كبير في الحركة العلمية الإسلامية، والدفاع عنه حتى يومنا هذا؛ لأنهم وجدوا في أخلاق المسلمين ومبادئ وتعاليم الإسلام قواعد مكينة رسخت أقدامهم فيه، وأحبوه عن قناعة، في مثل {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} سورة الحجرات (10)، (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) (متفق عليه).

إذ المسلمون في تصرفاتهم المختلفة يرفقون بالضعيف، ويعطفون على الفقير والمسكين، ويعينون المحتاج ويرحمون الشيخ الكبير تقديرا لشيخوخته والمرأة مهما كانت إحسانا وبرا لضعفها.

ويؤدون الأمانة، ويحفظون العقود، ويصدقون في القول: حديثا وإحسانا وتعاملا، ويرأفون بمن تحت أيديهم من خادم وأجير، ويحافظون على العهود والمواثيق، وغير هذا من الخصال الحميدة الكثيرة، التي هي جزء من معتقد المسلم، وهي مثال السمو الخلقي، ومطلب من المطالب التي ترنو إليها البشرية، وتتطلع إليها أمم الأرض، مهما كانت مطالبها في الحياة. ولكن كيف الوصول إلى ذلك، حتى تنعم الشعوب بالأمن والرخاء؟.

إنها مثالية تحقق المصالح، وتقضي على النزعات، يجدها المفكرون في ديار الغرب، دواء لا يتوافر إلا بصيدلية الإسلام، ولا يصفها لهم إلا من شبع بتعاليم الإسلام ومثالياته، يقول أحدهم: لو طبق المسلمون تعاليم دينهم بأمانة، لدانت أوروبا للإسلام.. ولذا فإنها أمانة الله في عنق كل مسلم، يجب أداؤها، وكل منا على ثغر من ثغور الإسلام.. اللهم اجعل لنا من أمرنا رشدا وأيقظ المسلمين من غفلتهم قبل أن يسألوا {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} سورة الزخرف (44).

حكايات في معنى آية

جاء عند السيوطي في تفسيره للآية الكريمة من سورة الجن: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} حكايات فيها عبر منها: ما جاء في كتاب الهواتف للخرائطي عن سعيد بن جبير: أن رجلا من بني تميم يقال له: رافع بن عمير، حدث عن بدء إسلامه فقال: إني لأسير برمل عالج ذات ليلة، إذ غلبني النوم، فنزلت عن راحلتي، وأنختها ونمت وقد تعوذت قبل نومي، فقلت: أعوذ بعظيم هذا الوادي من الجن، فرأيت رجلاً في منامي بيده حربة، يريد أن يضعها في نحر ناقتي، فانتبهت فزعا، فنظرت يمينا وشمالا فلم أر شيئا، فقلت هذا حلم. ثم عدت ونمت، فرأيت مثل ذلك، فانتبهت فدرت حول ناقتي فلم أر شيئا، فإذا ناقتي ترعد، ثم غفوت فرأيت مثل ذلك، فانتبهت فرأيت ناقتي تضطرب. والتفت فإذا أنا برجل شاب كالذي رأيته في المنام، بيده حربة، ورجل شيخ ممسك بيده، يرده عنها، فبينما هما يتنازعان، إذ طلعت ثلاثة أثوار من الوحش، فقال الشيخ للفتى: قم فخذ أيها شئت فداء لناقة جاري الأنسي.

فقام الفتى فأخذ منها ثورا عظيما وانصرف. ثم التفت إليّ الشيخ وقال: يا هذا، إذا نزلت واديا من الأودية، فخفت هوله، فقل: أعوذ برب محمد من هول هذا الوادي، ولا تعذ بأحد من الجن، فقد بطل أمرها. فقلت له: ومن محمد هذا؟ قال: نبي عربي لا شرقي ولا غربي بُعث يوم الاثنين. قلت: فأين مسكنه؟ قال: يثرب ذات النخل. فركبت راحلتي حين برق الصبح وحددت السير حتى أتيت المدينة فرآني رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثني بحديثي قبل أن أذكر له منه شيئا، ودعاني إلى الإسلام فأسلمت.

وأخرى: فقد أخرج ابن مردويه، من طريق معاوية بن قرة عن أبيه، قال: ذهبت لأسلم حين بعث الله محمدا، مع رجلين أو ثلاثة في الإسلام، فأتيت الماء حيث يجتمع الناس فإذا الناس براعي القرية، الذي يرعى لهم أغنامهم فقال: لا أرعى لكم أغنامكم. قالوا: لِمَ؟ قال: يجيء الذئب كل ليلة يأخذ شاة، وصنمكم هذا راقد لا يضر ولا ينفع، ولا يقر ولا ينكر، فذهبوا وأنا أرجو أن يسلموا، فلما أصبحنا جاء الراعي يشتد يقول: البشرى البشرى، قد جيء بالذئب وهو مربوط بين يدي الصنم بغير حبل. فذهبوا وذهبت معهم، فقتلوه وسجدوا للصنم، وقالوا: هكذا فافعل، فدخلت على محمد صلى الله عليه وسلم فحدثته هذا الحديث، فقال: لعب بهم الشيطان. (الدر المنثور: 8 : 302).


 

الجمعة 9 ,شوال 1426

12097  العدد

جريدة الجزيرة السعودية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127