الشيخ سعد بن عبدالرحمن الحصين

رأيٌ في بيان الحركيّين - الشيخ سعد الحصين

أضيف بتاريخ : 06 / 08 / 2008
                                
رأيٌ في بيان الحركيّين



كتب عدد من المواطنين في دولةٍ أُسِّست من أوّل يوم على الدعوة إلى التوحيد والسّنة ومحاربة الشرك والبدعة (وهو ما لم يحدث في تاريخ المسلمين منذ انتهاء القرون المفضّلة وقيام دولة الفاطميين ثم العثمانيين غير الرّاشدة وغير المهديّة وما بينهما؛ كتبوا ما أسموه (رؤية لحاضر الوطن ومستقبله).

ومع حسن الظّنّ بنية الكاتبين، فقد رأيت أن من واجب البلاغ إبداء رأي في هذه الرؤية وبيان ما أدين الله به من موافقة أو مخالفة لها:

وبما أن المعيار الصحيح الوحيد (للحكم عليها أَوْلها) الذي يقرّه شرع الله ويجب أن يقبله كل مسلم هو الكتاب والسنة بفهم فقهاء الأمة في القرون المفضلة؛ فإن هذه (الرؤية) تخالف هذا المعيار أكثر مما توافقه:

1 ـ لم تتضمّن (الرّؤية) من أدلة الكتاب والسنة والفقه فيهما غير حديث واحد حُذِف منه أهم ما فيه (معياره) "لله ولكتابه ولرسوله" فكان حديث (الرؤية) المبتور: "الدين النصيحة.. لأئمة المسلمين وعامّتهم".

2 ـ لغة (الرّؤية) بعيدة عن لغة الكتاب والسنة، وقريبة جدًّا من لغة الجريدة والإذاعة الدّارجة، بل هي في الغالب مقتبسة من لغة النُّظُم العلمانيّة: الدّستور، القانون، الانتخاب، حقوق الإنسان، السّلطة، النقابات، المجتمع، الثقافة، المؤتمر الوطني، العدالة الاجتماعية، الشّفافية.

3 ـ كاتبوا (الرّؤية) خليط عجيب من البشر: الإسلامي (كما يصف نفسه) والشيوعي والقومي، تجمعهم صفة الحزبيّة، ويفقد بينهم الداعي إلى الله على منهاج النبّوة.

4 ـ رأوا أن بناء (دولة المؤسّسات الدّستوريّة) يقوم ـ أولاً ـ على (تطبيق الشرع فيما نصّ عليه من أمور العبادات والمعاملات) ونسوا ما هو أهم من العبادات والمعاملات: الاعتقاد، وفاتهم أن أساس الشرع: الوحي من الله عزَّ وجلَّ على أنبيائه، وأساس الدستور ومؤسّساته: فكر البشر؛ اليهود والنصارى والملحدون والوثنيون.

5 ـ ورأوا أن بناء (دولة المؤسسات الدستورية) يقوم ـ ثانيًا ـ على رضا مواطنيها، وفاتهم أن رضا الناس غاية لا يمكن إدراكها؛ فهذه أمريكا أكبر وأقوى وأغنى دولة مؤسسات دستوريّة لم يرض عنها كثيرٌ من مواطنيها بل قتلوا وحاولوا قتل عدد من رؤسائها.

بل هذه دولة الإسلام في عصر الخلافة الراشدة المهديّة لم يرض عنها من مواطنيها من (تقرّب إلى الله) بقتل الخليفة الثالث والرابع ممن شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالرّشد والهدى والجنّة. وفاتهم أن الطريق الوحيد لرضا الخلق هو إرضاء الخالق كما نزل بذلك الوحي.

وليس (الدّستور ولا مؤسّساته) من هدي الله ولا من سنّة رسوله ولا من سبيل المؤمنين في القرون المفضّلة، وإنما هو التقليد الشكلي للعلمانية.

6 ـ ورأوا أن (العدل أساس الملك)، وهذه جملة يحفظها الأطفال قبل أن تسقط أسنان الرضاع، وقد أمر الله بالعدل مع المسلم والكافر، والعدل إنما يكون بشريعة الله لا بتقليد المغضوب عليهم والضّالين عنها: قال الله تعالى: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [الأعراف: 181] .

أما (العدالة الاجتماعيّة) المأخوذة من فكر سيّد قطب تجاوز الله عنا وعنه فليست مما (أوجب الله) ولا (عدّها من قواعد الملّة) كما ادّعى كاتبوا (الرّؤية) ولا سنّها رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله ولا فعله ولا تقريره ولا نَطَق بها أحد من صحابته أو تابعيهم أو أيّ من فقهاء الأمة في أي عصر قبل أن يذرّ قرن الفكر الإسلامي التائه عن شرع الله.

7 ـ ورأوا (تشكيل مجلس الشورى بالانتخاب المباشر ليجسّد سلطة أهل الحل والعقد التشريعيّة الذين يُرَدُّ لهم الأمر بعد الله ورسوله لأنهم يمثّلون إجماع الأمة).

ولم يصدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قول ولا فعل ولا تقرير يوافق هذه (الرّؤية)، ولم يرد لفظ الانتخاب على لسانه (مباشرًا أو غير مباشر)، ولم يعرفه أو يعمل به أحد من خلفائه ولا صحابته ولا متّبعي سنته.

وليس لهذه (الرّؤية) مرجع في هذا الأمر غير التّقليد الذي بدأه اليونان الوثنيون قبل ثلاثة آلاف سنة وعمل به الأوربيّون النصارى في القرنين الأخيرين، ولم يضمن الحق ولا العدل في اليونان، ولا في البلاد التي قلّدتهم، وبخاصّة بلاد المسلمين التي تراوحت فيها نتيجة الانتخاب في الغالب بين 85 و100% لصالح الحزب أو الفرد الحاكم دائمًا أبدًا.

وفي شريعة الله: (أهل الحلّ والعقد) هم العلماء بشرع الله وهم النّخبة القليلة المؤهّلة للحلّ والعقد، ولا يجوز وصفهم بالسّلطة التّشريعية {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21].

وحُكْم الأغلبيّة الانتخابية حكم الطاغوت أجنبي عن شرع الله فقد وصف الله الأكثرية من الناس بأنهم: âلاَ يُؤْمِنُوْنá وâلاَ يَشْكُرُوْنá وâلاَ يَعْلَمُوْنá، بينما وصف عباده الصالحين بالقلّة: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم} [ص: 24]، {وقليل من عبادي الشكور} [سبأ: 13].

8ـ وليست الشورى من أركان الإسلام ولا أركان الإيمان، ولا من العبادات المفروضة، ونتيجتها ليست ملزمة للنبي صلى الله عليه وسلم كما ادّعى أهل (الرّؤية) ولا لأحد من متّبعي سنته، فقد قال الله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [آل عمران: 159] (فهداه الله سبحانه إلى إمضاء ما يريد بعد المشاورة متوكّلاً على الله لا على عزمه ولا مشورة غيره)، وعمل بذلك خليفته الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه فلم يعمل بنتيجة المشاورة بل برأيه المخالف لها في قتال مانعي الزكاة، واختلف علماء الأمة في وجوب الشورى أو نَدْبِها على قولين أرجحهما النّدب.

9 ـ وكان من خير ما تضمّنت (الرؤية): (استقلال ما سُمِّي بالسّلطة القضائية وذلك مقرّر نظريًّا)، وشمولها (اللجان شبه القضائيّة ولهيئة الادعاء العام). ولكن شابها المطالبة (بتدوين الأحكام وتوحيدها وتقنين التعزيرات) ثم مناقضة ذلك بالمطالبة (بتوسيع وتعميق برامج إعداد القضاة ليكونوا أكثر قدرة على حلول عمليّة للمشكلات المتداخلة المستجدّة).

وإنما عارض علماء الأمة منذ الإمام مالك رحمه الله (توحيد وتقنين الأحكام) لئلاّ يضيّقوا ما وسّع الله فيه وليكون القضاة أكثر قدرة على اختيار الحكم المناسب في مكانه وزمانه من بين اجتهادات علماء الأمة وفقههم في الدين.

10 ـ من أسوأ ما تضمّنته الرؤية: (كفالة ممارسة الحقوق العامّة في حريّة الرَّأي والتّعبير والتجمّع وسائر حقوق الإنسان التي أقرّها الإسلام قبل أن تصبح قرارات دوليّة)؛ فادّعاء (إقرار الإسلام حريَّة الرأي والتّعبير والتجمّع وسائر حقوق الإنسان التي أصبحت قرارات دوليّة) افتراءٌ على الله وعلى رسوله وعلى فقهاء الأمة الأُوَل وعلى دين الإسلام.

والرأي والتعبير والتّجمع مقيّد بأحكام الشريعة في الاعتقاد والعبادة والمعاملة؛ قال الله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الجاثية: 23]، والرّأي من الهوى إذا لم يَنْقَدْ ويتقيَّدْ بشرع الله، وقال الله تعالى: {وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ} [التوبة: 74]، وقال تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ} [آل عمران: 103]، وقال تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]، وقال الله تعالى: {إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ} [المجادلة: 9].

11ـ ورأى أصحاب (الرؤية): (مشروعية قيام مؤسسات المجتمع المدني كالنّوادي والجمعيّات والنقابات المهنيّة والثقافية والاجتماعيّة والاقتصادية). ومما ميَّز الله به هذه البلاد المباركة خُلُوّها من الجماعات والأحزاب وبخاصة الدينية التي حذر الله عباده (المتقين غضبه الراجين ثوابه) منها: {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 53]،  {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} [الأنعام: 159]، {وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46].

و(النقابات والاتحادات) مثل (المظاهرات والاضرابات) وسيلة لِفَرض رأي أو مصلحة فِئةٍ من الناس على الأغلبيّة، ومن المظاهر الحضاريّة الفاسدة.

13 ـ وتضَمَّنَت (الرّؤية) اقتراحات (نظريّة) لعلاج المشكلات الاقتصاديّة، منها ما هو صالح ومنها ما هو دون ذلك، ولكن يجمعها ألاَّ جديد فيها فالجميع يردّدونها؛ كلٌّ يطلبها من الآخر وينسى نفسه.

وينسى الكتبة السّبب الأول للمعاناة الاقتصاديّة العالمية: الإسراف الذي نهى الله عباده عنه وبيَّن أنه لا يحبّه سواء تعلّق بالدين أو بالدنيا: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31]؛ فالإسراف حرام في الحلال والحرام، في الدين والدنيا، ولكنَّ الغالبيّة من البشر غارقون فيه إلى آذانهم؛ الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والعالم والجاهل، والغني والفقير؛ إسراف في المركب وفي الطّعام والشراب واللباس والأثاث، وإسراف في تشييد المساجد، وإسراف في زخرفة المصاحف، وإسراف في العبادة والمحبة (تقربًا إلى الله بمعصيته)، وإسراف في التّرف وفي استهلاك الخدمات العامَّة وبخاصة: الماء والكهرباء والهاتف، والمطالِبُون بالإصلاح لا يقلّون عن غيرهم مساهمة في الإفساد؛ المهم مجرّد المطالبة.

فهل يقبل أصحاب (الرّؤية) الحل الشرعي:"القصد في الفقر والغنى"؟ لا يبدو ذلك من (رؤيتهم) فهم يطالبون مرّةً بترشيد الإنفاق نظريًّا ومرة بزيادته عمليًّا ـ بحجة (ضمان المواطن حقوقه الحياتيّة)، وبالتَّالي: فقده الحافز على العمل لكسب عيشه في بلد يؤمّه قريبٌ من 35% من عدد مواطنيه وافدين من أدنى الأرض وأقصاها يَكْفُون أكثر المواطنين مؤونة الحركة لخدمة أنفسهم وأهليهم والضّرب في الأرض وابتغاء فضل الله.

12 ـ وتتضمَّن (الرّؤية): (دورًا أكبر للمرأة في الشأن العام) بحجة أنها (نِصْف المجتمع). ودورها (الذي كفلته الشريعة) هو في الشأن الخاص، أما أن تزاحم الرجال وتنافسهم فيما خصّهم الله به فهو خروج عن الشريعة والفطرة؛ فأعظم وظيفة لها: رعاية بيتها لتكون سَكَنًا لزوجها ومربّية لأطفالها، قال الله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} [الأحزاب: 33]، وقال تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 34]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "فالرّجل راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيتها ومسؤولة عن رعيتها" [رواه البخاري ومسلم]، وقال لنساء المؤمنين:"صلاتكن في دوركنَّ أفضل من صلاتكن في مسجد الجماعة" [رواه ابن خزيمة، صحيح الترغيب]، فكيف بخروجها لما هو دون الصّلاة من لهوٍ أو عمل لم يضطرّها الله له وبعض الرجال عاطلين. وليست مثل الرجل عقلاً ولا جسمًا ولا عاطفةً ولا وظيفةً، قال الله تعالى: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى} [آل عمران: 36] وقال تعالى: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة: 228].

والذين يُرجِفون بأن (نصف المجتمع معطّل) من أصحاب (الرؤية) أو غيرهم من الصّحفيين والممثّلين والمهرجين يعلمون أن المرأة عاملة في كلّ زمان ومكان في الوظيفة التي خلقها الله لها وفَطَرها عليها وأعدَّها لتحمّلها، ولكنهم يختارون لها وظيفةً أخرى تُرضي به (المظهر الحضاري) وتُسخط الله وتعصي سُنّة رسوله، وتُخالف شرعه وفطرته، وتُغيّر خَلْقَه، وتُهمل الوظيفة الأهمّ (للشأن الخاص) وبالتالي (للشأن العام).



14 ـ وأخيرًا، تتضمن (الرؤية): العفو العام وإعادة الحقوق لمن تسمّيهم دعاة الإصلاح المهتمّين بالشأن العام)، ولكن ما يظنّه (كتّاب الرؤية) إصلاحًا يراه الدعاة إلى الله (على بصيرة من وحي الله والفقه فيه) إفسادًا: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 191]، وفّق الله الراعي والرعية إلى التزام شرعه وأعاذهم من نزغات الشيطان ووساوسه وأعوانه، وهداهم لأقرب من هذا رشدًا، وصلى الله وسلم على محمد وآله وأتباعه.

اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127