الشيخ سعد بن عبدالرحمن الحصين

إِنَّما يُلْتَمِس الإصلاح عند أهله - الشيخ سعد الحصين

أضيف بتاريخ : 06 / 08 / 2008
                                
إِنَّما يُلْتَمِس الإصلاح عند أهله



كتب صحفي جاهل بشرع الله في جريدة الوطن (العدد 950 والتاريخ 6/3/1424هـ) مستثيرًا رئيس مجلس الشورى ووزير التربية والتعليم ونائبه في مواجهة ما يسمّيه (الإرهاب الاجتماعي، ومعاناة الوزارة منه وتأثيره على مناهج الدراسة العامة)، وأشار الصحفي إلى (عجز الوزير عن تجديد وقت لبداية تعليم الدين ووقت لنهايته، وشكوى نائبه من تدخل الكثيرين في أمورهم) أي: أمور التعليم، وركّز الصّحفي على (مناهج تعليم الدّين والحاجة إلى وضعها تحت المِجْهر وضمن مسيرة التّطوّر) وطالب الصّحفي الوزير ونائبه: (بالوقوف بشجاعةٍ في وجه [ما سمّاه] الإرهاب الاجتماعي لإيقافه عند حدّه، فإن فَهِمَ وإلا فليقابل بالصمت حتى تتفتّح مسامّ عقله) مما يُمكن أن يسمّيه العلماء والتربويّون: (إرهابًا صحفيًّا ناقص عقل ودين).



ولم تتوفّر للصحفي الشجاعة ـ وهو يعيب الوزير ونائبه بفقدها ـ فلم يقل بصراحة: (إرهاب علماء الشريعة بتدخّلهم في مناهج التّعليم الدّيني)، كما يظهر من مقاله هذا ومقالاته السابقة، ولعلّه تذكّر الآن أن هذه البلاد وهذه الدّولة المباركة إنما ميّزها الله على جميع البلاد والدّول منذ القرون المفضّلة بتأسيسها من أوّل يوم على العلم الشرعي والعمل به والدعوة إليه أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر في الدَّاخل والخارج، (وأنّ لحوم العلماء مسمومة وعادة الله في منتقصهم معلومة).



وليعلم هذا الصحفي الجاهل ومن يظنُّ ظنَّه البعيد عن الحق والعدل: أن الدولة المباركة استجابت كعادتها للدعوة إلى إصلاح التعليم وبالذات تطوير المناهج؛ فعيَّنت لجنة لتحقيق ذلك ـ قبل 30 سنة ـ ضمَّت عددًا من أبرز علماء الشريعة وعلى رأسهم الشيخ ناصر الحمد الراشد رحمه الله، والأدباء أو المثقفين أو الكتَّاب وعلى رأسهم عبد العزيز الرّفاعي رحمه الله، والتربويّين وأبرزهم عبد الله خياط رحمه الله، والمتخصّصين فيما دون علوم الدّين من فنون اجتماعيّة ورياضيّة وطبيعيّة وفنيّة، وحَرِصَ ولاة الأمر على أن يشترك في هذه اللجنة خير المواطنين والوافدين في هذه البلاد المباركة علمًا وخُلُقًا وخبرةً ودينا.



وبعد تسع سنوات من العمل المتواصل أقرّت اللجنة العليا للتعليم هذه المناهج الجديدة، وبدأ تنفيذها، وفي الوقت نفسه بدأت الشكوى منها. والشكوى من أنْظمة التعليم (أو مناهجه أو معلّميه أو إدارته أو نتائجه) لا تكاد تتوقّف في أيّ زمان وأيّ مكان وعلى أي حال، لأن التعليم جزء من حياة كل فرد؛ معلِّمًا أو متعلمًا، متأثّرًا به أو مؤثّرًا فيه، ولأن أفراد الأمة متفاوتون في نصيب كلٍّ منهم من الدين والعلم والعقل والخُلُق، ومتفاوتون في قسمة الله لكلٍّ منهم من آثاره.



وفيما عدى الأنظمة الشيوعيّة والاشتراكية الدكتاتورية يتيسر للجميع ـ حتى للصّحفيّين مع بُعدهم عن التّخصص النظري والعملي وبُعدهم عن اليقين ـ إبداء رأيهم في التعليم بشرط الوقوف عند حدودهم وعدم محاولة فرض آرائهم؛ فمجرّد الاقتناع بالرّأي لا يدلّ أبداً على صحته. وعندما سبق الاتحاد السّوفيتي إلى إطلاق القمر الصّناعي الأول في الفضاء ضجّ الأمريكيّون ـ أكثر من المعتاد ـ بالشكوى، وأعيد النظر في التعليم (الرياضيات والعلوم بخاصّة)، ولكن أمريكا سبقت إلى النزول على القمر بقرار سياسي وبأيدي وعقول من درسوا الرّياضيات على النظام القديم.



وعندما تفوّقت اليابان في الإنتاج الصناعي الخفيف وبالتّالي في التجارة به، ظن الكثيرون أن السّبب تفوُّق التنظيم التعليمي في اليابان، ولكن ـ بعد فحصه ـ تبيّن أنّه التنظيم التقليدي للتعليم الذي يشكو منه الناس في كلّ مكان بل يُعَدَّ أكثر تخلّفًا عن مسيرة التطوير (التي أشار إليها الصحفي) لما عُرِف عن اليابانيّين من محافظة على التقاليد والعادات. ثم تقهقر الإنتاج الصّناعي في اليابان وبالتّالي عانت اليابان مما عانى منه غيرها في الأزمة الاقتصادية العالمية الحاضرة.



ولعل هذا الصحفي الجاهل ومن استثارهم يتذكّرون ما يلي:



1 ـ (الحدّ الأدنى لوقت التعليم الديني) بداية سنّ السابعة (أول سنوات المرحلة الابتدائية)، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "علِّموا الصّبيّ الصّلاة ابن سبع" في رواية الترمذي عن سبره، و(الحدّ الأقصى لوقت التعليم الديني): خروج الروح، أو بلوغ أرذل العمر، قال الله تعالى: {وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا} [الحج: 5]، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلّم آل بيته وأصحابه والناس كافة علم الدين حتى اللحظات الأخيرة من حياته فيما رواه البخاري ومسلم وغيرهما، عما ردّده صلى الله عليه وسلم في مرض موته.



هذا هو شرع الله لهذه الأمة حتى تقوم الساعة؛ ولو تُرِك الأمر لأهواء البشر وظنونهم لضاع الدين وضاعت الأمة: {إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [يونس: 36].



2ـ أمر التّعليم الديني لا يؤتمن عليه غير أولي العلم (الديني) بالنصوص من الوحي وبالفقه في هذه النصوص.



وللمحافظة على دين الله (وعلى البلاد والدولة المباركة التي ميَّزها الله بالتأسيس عليه من أوّل يوم) يجب فرض رقابة على منهاجه من هيئة كبار العلماء، لئلا يتولاّه بعض الحزبيّين والحركيّين فيشغل وقت التعليم بما يسُمّونه الثقافة أو التوعية أو التربيّة الإسلامية مما لا يُسْمِن ولا يغني من جوع.



3ـ وإن تعجَبْ فعجبٌ فزع هذا الصّحفي (وأمثاله ممن يصفون أنفسهم بالمفكرين الإسلاميين أو العلمانيين) مِنْ تَدَخُّل علماء الشريعة في اختصاصهم (تعليم الشريعة)، وهو (الصّحفي) الجاهل بشرع الله يملي توجيهاته على الجميع (ليُوقِفوا المتدخّلين [غيره] عند حدّهم؛ فإن فهموا [مثل فهمه القاصر] وإلا فليشربوا من بحر الصّمت حتى تتفتّح مسامّ عقولهم) كما تفتّحتْ مسامّ عقله على الجهل المركّب، الجريء على العلم والحق.



4 ـ الواقع أن كمّيّة المقررات زيدت قبل ربع قرن استجابة للطّلب والشكوى المستمرّة من ضعف الطّلاب في اللغة والعلوم الشرعيّة والفنون والمهارات والسّلوك، ولو نُقِصتْ كمّيّة المقرّرات اليوم لجاءت المطالبة بالزّيادة غدًا.ولقد قرأت نصًّا لأفلاطون يشكو ـ قبل 2400 سنة ـ من مستوى الجيل الجديد في التّربية، وقرأت كتاب (التّعليم العالي) ـ ومؤلفه (هتشنز) مِنْ كبار التربويين العالميّين ورَأَسَ جامعة (شيكاكو) عشرين سنة ـ يطالب بالعودة إلى عصر أفلاطون الذي اشتكى منه أفلاطون، وطَرْد الألعاب الرّياضيّة والمهارات الفنّية بل المهن جميعًا من الجامعات الأمريكية.



5 ـ وعند ما كان أهل المدن في هذه المملكة المباركة قبل ربع قرن يشكون مُرّ الشكوى من التنظيم التعليمي وكثافته وسوء نتائجه انْتَدَبْتُ نفسي للإقامة بضعة أيَّام في قرية (الحيمة) من قرى (أبها)، كانت شكواها: قِلَّة المقررات الدّراسية مقارنة بوقت الدّراسة وإنجاز الطّلاب، كان الطّلاب في مدرستها الوحيدة الابتدائية يُنهون دراستهم للمقرّر التّعليمي الرّسمي خلال شهرين من بدء العام الدّراسي، ويتسلّون في الأشهر السبعة الباقية بِنَسْخ الكتب الدّراسية، حتى تدرّب جميعهم على الخطّ الجميل إضافة إلى هضمهم الجيّد لجميع موادّ الدراسة. ولم تتميَّز القرية عن المدن والقرى الأخرى إلا بأن أهلها من قبيلة بدويّة نزحوا إليها (حديثًا)، لم يتوفّر لهم بَعْدُ الكهرباء ولا الهاتف ولا الماء الجاري ولا المذياع ولا الجرايد ولا التلفاز ولا السيارة، ولا يَصِلُهم من أخبار الخارج أو الداخل ما يعكّر صفاء أذهانهم، وكان المدرّسون من خريجي المعاهد الثانويّة الديّنيّة المصرية، وكان بعض الطلاب يمشون للدراسة يوميًّا مسافة تصل إلى سبعة كِيْلات في كلّ غدوة وكلّ روحة ستة أيام في الأسبوع.



7 ـ وعلى ما تقدم؛ فالأمر أعظم من أن يَحْتَكِر الرأي فيه مختصٌّ أو غير مختصّ من القائمين عليه فضلاً عن صحفيّ لا يتوفّر له ما يتوفّر لهم من العقل أو العلم أو الخبرة النظرية أو العملية.



بل يجب أن يشترك المعنيّون جميعًا من المواطنين (كلٌّ في حدود اختصاصه الدّيني والمِهني) في دراسة مستمرة لهذه القضيّة المعقّدة البالغة الأهمية في حياة الجميع الأخرويّة والدنيويّة.



وإذا كان لأحدٍ أن يُحْرم من إبداء الرّأي في ذلك فهم الصحفيون ولهم علينا ألا نشاركهم في التّحليلات السياسيّة، بل ليت خطباء الجمعة منّا يُمْنعون من تدنيس خُطَب الجمعة (العبادة اليقينية المفروضة) بأقاويل التّحليلات السّياسية المبنيّة على الظن والخَرص والإشاعة والهوى، والله ولي التوفي

اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127