الشيخ سعد بن عبدالرحمن الحصين

من ضلال الفكر (4) الشيخ سعد الحصين

أضيف بتاريخ : 06 / 08 / 2008
                                
من ضلال الفكر (4)



كتب صحفيّ جاهل بشرع الله في جريدة الوطن بتاريخ 21/3/1424هـ عن (الإنسان والوطن وابن تيمية).



ولم يَعُدْ من الغريب أن يقول صحفي على الشريعة أو كبار علمائها ما ليس له به علم، كما أنّه ليس من الغريب أن تَدُبَّ حشرة على قبر واحد من أكبر فقهاء ودعاة الأمة. ولكن هذا الصحفي تميَّز عمَّن سبقه في طريق التّيه بأن أثبت لنفسه علم اليقين وهو ـ فيما يظهر من قوله ـ من أبعد الناس عنه، فقال: (يجب علينا كمثقّفين [لاحظ كاف التّشبيه الصّحفية] يعلمون علم اليقين أين تكمن المشكلة أن نظهر وجوهنا ونرفع أصواتنا جميعًا بالقول: الإنسان ـ مسلم أو غير مسلم ـ أهمّ عندنا من نقد فقيه [ابن تيمية رحمه الله]، أو حتى سقوطه)، واليقين هو في الوحي وحده،ويُلحق به فقه الأئمة الأُوَل فيه. وليت علماء بلاد التّوحيد والسنة ـ لا  المتعالمين ـ (يُظْهرون وجوههم ويرفعون أصواتهم) حتى لا يخلو جوّ الإعلام منهم فَتَبِيْض فيه وتُصفر وتَنْعِق الغربان والبوم، وحتى لا يستفحل ظنّ الجهلة بشرع الله وبعلمائه ظنّ الجاهلية فيقولوا عنهم: {لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ} [الأحقاف: 11] :



1 ـ  ظن هذا الصّحفي غنّمه الله العدل والعلم، والسّلامة من الإثم والجهل: أنَّ ابن تيمية رحمه الله هو(منظّر الجهاديّين) باستلاله بضعة أسطر من مجموع مؤلفاته التي قال عنها الذهبي رحمه الله أنَّها تبلغ أربعة آلاف كرّاس أو ثلثمائة مجلد، وإنما كان يعني أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد أوَّلاً باللسان ثم بالسّنان فرض كفاية، فإذا لم تقم الكفاية بالطريق المعتاد فعلى علماء الأمة ـ لا سفهائها ـ أن يقوموا بالأمر، ولم يَعْن مخالفة وليّ الأمر؛ كما حدث في عصره عندما لم تقم الكفاية لدفع صولة التَّتَر فقاد ابن تيمية رحمه الله النَّاس في بلده لقتالهم، ولم يَرَ هو ولا غيرهـ في ذلك خروجًا على وليّ الأمر بل إعانةً له وتعاونًا معه على البرّ والتّقوى كما أمر الله.



وقد بيَّن ابن تيمية رحمه الله ـ كغيره من علماء السّنة ـ عدم جواز الخروج على ولي الأمر في مجموع الفتاوى والعقيدة الواسطيّة وغيرهما في مواضع كثيرة تُبيِّن تَمَيُّزَه باتّباعه منهاج النبوة وتمسّكه به ودعوته إليه، (ولا عليه إذا لم تَفْهم البقر). وأنّى لصحفي أن يحيط بعلم ابن تيمية رحمه الله فضلاً عن فهمه ونقده، وجلُّ بضاعته أن ينقل كلماتٍ لأحد المحْدَثين (ممّن يوصفون بالمفكرين الإسلاميّين) ويبني عليها مطاولته لِعَلَم من أعلام الهدى.



2 ـ إذا كانت همّة الصحفي ومداركه لا تصل به إلى الكفاية من العلوم الشرعيَّة فإن من السّهل أن يتبيَّن من مصادره الظّنِّيّة (الجرايد) مَنْ هُوَ (منظّر الجهاديّين) المبتدعين.



في الحلقة الثالثة مما وُصِف بالوصيّة الأخيرة من مذكرات (الظّواهري) القائد الثاني ـ أو الأول ـ لتنظيم القاعدة ونُشرت في الشرق الأوسط العدد 8407 بتاريخ 19/9/1422: (أن سيّد قطب هو الذي وضع دستور [الجهاديين التّكفيريين] في كتابه الديناميت معالم في الطريق، وأن فكر سيّد هو [وحده] مصدر الإحياء الأصولي [الجهادي التكفيري]، وأن كتابه العدالة الاجتماعيّة في الإسلام يُعَدُّ أهمّ إنتاج عقلي وفكري للتّيّارات الأصوليّة، وأنَّ فكر سيد كان شرارة البدء في إشعال الثورة [التي وصفها بالإسلامية] ضدّ [من سمّاهم] أعداء الإسلام في الداخل والخارج والتي ما زالت فصولها الدّامية تتجدّد يومًا بعد يوم).



هذا هو القول الفصل في منشأ واستمرار هذه الحركة غير الرّاشدة ولا المهديّة ولا المباركة مِنْ قلم رائدها الفكري والعملي هداه الله.



وسيّد قطب تجاوز الله عن الجميع في (معالم في الطريق) [ط10 ص101 دار الشروق] يحكم على كلّ المجتمعات المسلمة بالكفر: (لا لأنها تعتقد بألوهية أحد غير الله ولا لأنها تقدّم الشعائر لغير الله، ولكنَّها تدخل في هذا الإطار لأنها لا تدين بالعبوديَّة لله وحده في نظام حياتها).



وفي (العدالة الاجتماعية) [ط. دار الشروق 1415 ص 185] يؤكّد هذا الشّطط في التكفير الجماعي الذي لم يُسْبَقْ إليه بما لا يجوز التكفير به (تنظيم الحياة) يقول: (ونحن نعلم أن الحياة الإسلامية على هذا النّحو قد توقّفت منذ فترة طويلة في جميع أنحاء الأرض، وأن وجود الإسلام ذاته ـ مِنْ ثَمَّ ـ قد توقَّف كذلك).



ويؤكد هذا الحكم الجائر الخارج عن شريعة الله (في ظلال القرآن) آخر طبعات [دار الشروق ص1057] بالحكم بالرّدة على البشريّة كلها بمن فيها (أولئك الذين يردّدون على المآذن في مشارق الأرض ومغاربها كلمات "لا إله إلا الله" بلا مدلول ولا واقع).



وكانت نتيجة هذا الشطط في التكفير لجميع المسلمين أنْ أوصى الخارجين على الجماعة بالصّلاة في بيوتهم واعتزال معابد الجاهليّة [المساجد] ص1816 (في ظلال القرآن) و (بأن ينفصلوا عقديًّا وشعوريًّا ومنهج حياة عن أهل الجاهليّة من قومها.. وبأن تشعر عصبتهم شعورًا كاملاً  بأنها هي الأمة المسلمة، وأن ما حولها ومن حولها ـ ممن لم يدخلوا فيما دخلت فيهـ جاهليّة وأهل جاهليّة) ص2122 (في ظلال القرآن).



وحَكَمَ على الذين (يظنون لحظة واحدة أن الإسلام قائم وأنَّ الذين يدّعون أنهم مسلمون وَيَتَسمَّون بأسماء المسلمين هم فعلاً مسلمون: بالسير وراء سراب كاذب تلوح فيه عمائم تحرّف الكلم عن مواضعه وترفع راية الإسلام على مساجد الضّرار) [مساجد المسلمين] ص216 العدالة الاجتماعية.



3 ـ وفي المقابل يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى ج3 ص229: (إني دائمًا من أعظم الناس نهيًا عن أن يُنسب مُعَيَّن إلى تكفير وتفسيق ومعصية إلا إذا عُلِم أنه قد قامت عليه  الحجّة الرّساليّة التي من خالفها كان كافرًا تارة وفاسقًا أخرى وعاصيًا أخرى).



بل يقول في المرجع نفسه: (فإنّه وإن كان القول تكذيبًا لما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم لكن الرجل [القائل] قد يكون حديث عهدٍ بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرّجل لم يسمع النّصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها وإن كان مخطئًا).



ويرى رحمه الله وجوب طاعة الحكَّام حتى الظلمة الجائرين منهم: (وأمَّا ما يقع من ظلمهم وجورهم بتأويل سائغ أو غير سائغ؛ فلا يجوز أن يُزال لما فيه من ظلم وجور، كما هو عادة أكثر النّفوس تزيل الشر بما هو شر منه، وتزيل العدوان بما هو أعدى منه) [كما يفعل الجهاديّون المبتدعون]  (فالخروج عليهم يوجب من الظلم والفساد أكثر من ظلمهم) الفتاوى جـ 28، ص179.



ويقول رحمه الله: (إن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمر بطاعة الأئمة الموجودين المعلومين الذين لهم سلطان يَقْدرون به على سياسة النّاس) جـ1 ص115، منهاج السنة.



وهذا لون آخر من البيان لما يعنيه بما اقتطعه الصّحفي من (الاختيارات)، كما أنّه يبيّن أنَّه (لا طاعة لمن نزَّل نفسه منزلة وليّ الأمر فلا يجوز أن يُسْمع له ويُطاع كما يُسمَع ويُطاع لولي الأمر القائم الظاهر)، كما يفعل أهل التحزّب والتعصب والفتن باسم الإسلام وهم مخالفون لهديه. (معاملة الحكَّام في ضوء الكتاب والسنة) ص29 للشيخ/ عبد السلام بن برجس آل عبد الكريم ط2 عام 1414هـ.



ويقول ابن تيمية رحمه الله: (وكذلك مبايعة السّلطان التي أمر الله بالوفاء بها ليس لأحد أن ينقُضها ولو لم يحلف.. بل لو عاقد الرّجل غيره على بيع أو إجارة أو نكاح لم يَجُزْ له أن يَغْدُرَ به، ولَوَجَبَ الوفاء بهذا العقد؛ فكيف بمعاقدة ولاة الأمر على ما أمر الله به ورسوله من طاعتهم ومناصحتهم والامتناع من الخروج عليهم) مجموع الفتاوى جـ35 ص145.



ويقول رحمه الله: (فالناس نوعان: رعاة ورعية؛ فحقوق الرعاة [طاعتهم] ومناصحتهم، وحقوق الرّعيّة لزوم جماعتهم، فإن مصلحتهم لا تتم إلاَّ باجتماعهم وهم لا يجتمعون على ضلالة) الفتاوى جـ1 ص12.



فكيف يصلح هذا (تنظيرًا للجهاديين المبتدعة) يا فلتات الصّحافة؟ إنّ فقه ابن تيمية رحمه الله بعيد عن متناول المفتونين من الجهاديّين المبتدعين وعن مدارك الصّحفيين بُعْد اليقين عن الظّنّ وبُعْد الفقه في الدين عن الفكر إسلاميًّا أو علمانيًّا.



4 ـ يُنكر الصّحفي هداه الله على ابن تيمية رحمه الله ـ وشرّ البليّة ما يضحك ـ بقوله: (فكل من يظنّ نفسه عالمًا سيحاول إزالة كلّ ما يظنّه منكرًا)، ولم يبيّن رأيه في نصوص الجهاد والقتال وتغيير المنكر في الكتاب والسنة ما حُكْمُه فيها؟ وهل يَرِد عليها ما يَرِد على أقوال الفقهاء من احتمال وضعها في غير موضعها والتعسّف في تأويلها؟



التّعالم سبب من أسباب الفتنة إن لم يكن أهمّ أسبابها، وهو وباء هذا العصر الأشدّ خطرًا على الدين والدنيا، أصيب به (الجهاديّون المبتدعون) كما أصيب به الحزبيّون والحركيّون والصّحفيّون والإسلاميّون غير الشرعيّين. وعلاجه لا يكون بالتّطاول من الصغار الجهلة بشرع الله على كبار العلماء العاملين المجاهدين لتكون كلمة الله هي العليا (لا الهويّة ولا القوميّة ولا التّراب)، بل بالأخذ على أيدي السّفهاء وإسكاتِ أفواه الحركيّين والصّحفيين والمبتدعة عن القول على الله وشرعه وحَمَلَة دينه بغير علم، عاجلاً غير آجل.



5 ـ وصدق الصحفي مرّة واحدة فقال: (لابن تيمية في بلدنا هذا مكانة لم يعرفها في بلده في زمان)، بل كانت منزلته رحمه الله في أعلى الدّرجات عند كبار علماء السّنة وهم الأقلون كالعادة مثل ابن القيم وابن كثير والذهبي رحمهما الله، ولكنَّ بلادنا ودولتنا المباركة ميَّزها الله على دول المسلمين جميعًا منذ القرون المفضّلة يوم قامت على منهاج النّبوة في الدِّين والدّعوة وفقه ابن تيمية وسلفه الإمام أحمد بن حنبل (رحمهما الله) في الدِّين.



وكان مذهب الإمام أحمد رحمه الله أقلّ المذاهب في عدد متّبعيه، و(مثل تلميذ فقههِ ابن تيمية رحمه الله) عانى من مخالفة المبتدعة وشططهم وسجونهم وأذاهم، ثم جاءت دولة التّوحيد والسّنة فاحتضنت فقه الإمام أحمد منذ قيامها لتجديد الدّين بالعودة به إلى ما كان عليه محمد وأصحابه، في منتصف القرن 12؛ يقول الشيخ/محمد أبو زهرة رحمه الله في كتابه (ابن حنبل) ص356، 357: (وإذا كان ذلك المذهب الجليل قد فقد الأتباع في الماضي فإن الله سبحانه وتعالى قد عوّضه في الحاضر؛ وذلك بأن [السعوديّة] تسير حكومتها في أقضيتها وعبادتها على مقتضى أحكامه، وكان ذلك تعويضًا كريمًا وإخلافًا حسنًا لأن [السعودية] تطبّق الشريعة الإسلامية في كل أقضيتها، بل إنها تطبّق أحكام الحدود والقصاص تطبيقًا صحيحًا كاملاً، فالحدود فيها قائمة ومعالم الشّريعة فيها معلنة؛ وبذلك قامت دولة الشريعة محكمة البنيان ثابتة الأركان تعلن الناس في كل البقاع والأصقاع أنَّها خير شريعة أخرجت للناس، وقد كان ذلك المذهب هو مذهب آل سعود، وإنما كان هؤلاء حنابلة اعتنقوا في العقائد والفقه مذهب محمد بن عبد الوهاب وهو يعتنق فيه مذهب ابن تيمية في العقائد والفقه، ومذهب ابن تيمية في العقائد هو مذهب جمهور المسلمين، وهو يمنع التوسّل والتقرّب بالموتى ولو كانوا من [أهل] الصّلاح والتقوى في حياتهم، ومذهبه في الفقه هو مذهب الإمام أحمد مع بعض مسائل أفتى بها ولم يكن فيها مقلّدًا لأحد بل كان متبعًا لكتاب الله وسنة رسوله) انتهى مختصرًا.



ثم يسَّر الله لدولة التّوحيد والسّنة من وسائل الطّبع والنشر ما ميّزها من جديد بطبع ونشر مراجع الفقه الحنبلي لأول مرة في تاريخ المسلمين وكان أوَّلها: (المغني والشرح الكبير) في عهد الملك عبد العزيز رحمه الله، وتميَّزت دولة التوحيد والسّنّة بجمع وطبع وإحياء فقه ابن تيمية في عهد الملك سعود رحمه الله فانْتَدَبَ الشيخ عبد الرحمن بن قاسم وابنه محمدًا لجمع فتاوى ابن تيمية رحمه الله من مكتبات العالم ثم طَبَعَها في 37 مجلّدًا خدمة للإسلام والمسلمين، ثم يأتي سفيه من سفهاء الصّحافة فيحسب هذه الميزة والمنّة والنّعْمة من الله على البلاد والدّولة المباركة جريمة ومصيبة، وحقّ أن يقال في حريّة الصحافة التي جرّته إلى هذا الدّرك ما قالته إحدى ضحايا الثورة الفرنسيّة الظالمة: (أيتها الحرية [الصّحفيّة] كم باسمك تقترف الآثام).



6 ـ يقول الصحفي عن ابن تيمية رحمه الله: (إنّه إقصائي أحادي لا مكان للرّأي الآخر عنده، عاطفي وانفعالي، ويحدث أن تصدر بعض فتاويه كردود أفعال [لاحظ كاف التّشبيه في غير محلّها مع غيرها من الألفاظ الصّحفيّة الدّارجة] غير موزونة).



وفي مقابل الرأي الصحفي الآخر ـ الجاهل بشرع الله وبالفقه وبالفقهاء فيه يقول عنه تلميذه ابن القيم بأنّه من هداه الله به إلى صحيح الاعتقاد والسنة في منظومته النّونيّة (الكافية الشافية).



ويقول عنه الحافظ ابن عبد الهادي في كتابه (العقود الدّرّيّة من مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية): انبهر أهل دمشق من فرط ذكائه وسيلان ذهنه وقوّة حافظة وسرعة إدراكه.. حتى انتهت إليه الإمامة في العلم والعمل، والتّواضع والحِلْم، والأناة والإنابة، وحسن الخُلُق ونفع الخَلْق والإحسان إليهم، والصّبر على من آذاه والصّفح عنه والدعاء له).



ويقول عنه الحافظ المزّي: (ما رأيت مثله، ولا رأيت أحدًا أعلم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولا اتبع لهما منه).



ويقول عنه الحافظ ابن سيد الناس اليعمري: (كان يستوعب السُّنَن والآثار حفظًا؛ إن تكلم في التّفسير فهو حامل رايته، أو أفتى في الفقه فهو مدرك غايته، أو ذاكر بالحديث فهو صاحب علمه وروايته).



ويقول عنه الحافظ الذهبي: (كان يَحْضُر المدارس والمحافل في صِغَرِه ويُناظر ويُفحم الكبار ويأتي بما يتحيَّر منه أعيان البلد في العلم). ويقول: (كان يقضى منه العجب: إذا سئل كأنَّ السّنَّة بين عينيه وعلى طرف لسانه).



ويقول عنه ابن كثير: (صار إمامًا في التّفسير، عارفًا بالفقه، وكان عالمًا باختلاف العلماء، عالمًا في الأصول والفروع والنّحو واللغة وغير ذلك من العلوم النّقلية والعقليّة، وما تكلم معه فاضل في فنٍّ من الفنون إلاَّ ظن أن ذلك الفنّ فنّه، وأثنى عليه جملة من علماء عصره مثل الخوبي وابن دقيق العيد وابن النّحّاس وابن الحريري وغيرهم).



وقال عنه ابن الزملكاني: (اجتمعت فيه شروط الاجتهاد، وأنَّ له اليد الطّولى في حسن التّصنيف، وكان عمره يومئذ نحو الثلاثين سنة).



ويقول عنه الشيخ محمد حامد الفقي: (نشأ شيخ الإسلام رحمه الله في هذا الجو المظلم بمتكاثف سُحُب الصوفية الوثنيّة وسُحُب الفلسفة الهندية والفارسيّة واليونانيّة، وسُحُب التّقليد الأعمى.. نشأ في هذه البيئة ليكون آية الله في خلقه وحجّته على الناس).



هذا بعض ما عرَّف به علماء السنة ابن تيمية رحمهم الله جميعًا، وتقدّم ما ذكره الشيخ محمد أبو زهرة من علماء العصر عن ابن حنبل وابن تيمية رحمهم الله وما تميَّزت به دولة التوحيد والسّنّة من اتّباع ونشر فقههما في الدين الموافق لمنهاج النبوّة.



وأخيرًا نختم هذا السجل الموجز من التّوثيق والتَّقريض والشهادة لله بسطور قليلة من كتاب الشيخ أبي الحسن النّدوي عن ابن تيمية رحمهما الله من سلسلة رجال الدّعوة والفقه في الإسلام، مع ميله رحمه الله إلى الفكر:



(في القرن الثامن الهجري ظهرت الحاجة إلى ردّ فعل علميّ شرعيّ ضد طغيان الفلسفة وعدوان علم الكلام على العقيدة في الله، ظهر علم الكلام لمقاومة الفلسفة ونصرة الدين، غير أنَّه تأثر بالفلسفة في المنهج والموضوع والأسلوب، فوُجدت فلسفة إلهية متأثرة بالفكر اليوناني رغم أنها ظهرت لمضادّته في الأصل.. وظهرت الحاجة إلى عالم كبير له إطّلاع واسع على ما واجهته المسيحيّة والدّيانات الأخرى من تغيير وتحريف لردّ هجمات النصرانية وراء ستار تقدّمها العلميّ، وظهرت الحاجة إلى فضح المذاهب الباطنية المنحرفة والحركات الهدّامة، وظهرت الحاجة إلى عالم مجاهد يتصدّى لمحاربة العقائد الباطلة التي دبّت بين المسلمين من تأثير العجم وتهاون العلماء فأصبح الدّين الخالص والتّوحيد النقيّ وراء حجاب، ونشأ الغلوّ في الأولياء والصّالحين شأن اليهود والنصارى حتى بدأت عقيدة التوسّط والتقرب بالأولياء والصالحين شأن اليهود والنصارى ترسخ كما جاء في القرآن من قول مشركي العرب: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3]، وأصبح كثير من العلماء لا يرون بأسًا في الاستغاثة والاستعانة بغير الله، واتُّخِذت قبور الأنبياء والصَّالحين مساجد، وتحقّق الخطر الذي أنذر به النبي صلى الله عليه وسلم وشدّد النّهي عنه.



وظهرت الحاجة إلى مؤمن قويّ ومصلح جريء يتناول طوائف المتصوّفين المنحرفة بتأثير الفلسفة الإشراقيّة أوتنسّك [الهنادكة]، وعقيدة الحلول والاتحاد ووحدة الوجود، وتقسيم الظاهر والباطن، وفتنة الرّموز والأسرار، والشعوذة والتّهويل..



وظهرت الحاجة إلى محدّث فقيه وأصوليّ ضليع، مطّلع على المذاهب الفقهيّة لا يتعدى حدود السّلف مع قوة استنباطه وتحقيقه، عارف بمكانة الأئمة المجتهدين وفضلهم وحقِّهم، جامع بين العلم والعمل والسّيف والقلم؛ فكان ذلك الرجل هو شيخ الإسلام الحافظ ابن تيمية الذي لا تزال آثاره خالدة على مرّ القرون والأجيال).



وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه ومتّبعي سنته.

اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127