الشيخ سعد بن عبدالرحمن الحصين

التقرب إلى الله بمعصيته - الشيخ سعد الحصين

أضيف بتاريخ : 06 / 08 / 2008
                                

التقرب إلى الله بمعصيته


 

قبل بضع سنوات عُرض علي كتاب باللغة الانكليزية (عنوانه: "الإنذار الأخير من الله" كتبه أخ من ألمانيا، تحول من النصرانية إلى الإسلام، ومن اسم "مارتن هاكلر" إلى "محمد البكري") بقصد الإعانة على طبعه، وكان هدفه ـ فيما ظهر لي ـ خدمة دين الإسلام بمحاولة إثبات بطلان الأديان قبله وبخاصة اليهودية. واعتذرت عن الإعانة على نشره، بل ونَصحتُ من عرضه علي بعدم نشره من أي طريق آخر للأسباب التالية:


1)       الظن والعاطفة لا يغنيان من اليقين والعلم شيئاً، قال الله تعالى: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} [النجم: 23]، وقال تعالى {وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [النجم: 28]، وبالظن والعاطفة ضل من قبلنا، وليس لنا أن نكون مثلهم.


2)       في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من يقين الوحي المنزل وفي الفقه فيهما ما يغنينا عن الفكر في هذا الأمر وفي غيره من أمور الدين.


3)       أمرنا الله في محكم كتابه بالإحسان في مجادلة أهل الكتاب خاصة وغيرهم عامة فقال تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [العنكبوت: 46]، وقال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125].


4)       نهانا الله أن نسبّ آلهة المشركين إذا كان هذا يدفعهم لسبّ الله، قال تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام : 108].


5)       اتهام جزء معين من التوراة أو الإنجيل بالكذب أو الركاكة أو التناقض لم يبيِّنه الكتاب والسّنة: حكم بالظن والعاطفة، ومجادلة بالسّوء ومعصية لله تعالى ومخالفة لشرعه، لا يفضي إلا إلى تأليب أهل الكتاب للرد بالمثل ومقابلة الاتهام بالاتهام والسبِّ بالسبِّ، كما حدث فعلاً في السنوات الأخيرة، نتيجة لمناظرات "ديدات" العاطفية.


6)       قد يكون النص أو ترجمته لم يحرفا وإنما وقع الخطأ في التأويل، كما وقع من بعض المنتسبين إلى الإسلام (أفراداً وفرقاً) من تحريف كلام الله وكلام رسوله عن مواضعه بسب الجهل أو اعوجاج الفكر أو الغلو.


7)       ومثالاً على منهاج البحث في هذا الكتاب، وسبباً عملياً لموقفي منه أشير هنا إلى ما ورد في الصفحتين 8-228 و 8-229، من محاولة الكاتب تفنيد اليهودية والنصرانية بمثل:


1)                دعوى "أن اليهود ليسوا من سلالة يعقوب"! ثم ماذا؟


2)       بطلان "دعوى اليهود مجئ المخلِّص (موشياخ)، والنصارى (مِسَايح)، وثبات مجئ المهدي (بل المسيح أيضاً) عند المسلمين"! والدّعوى صحيحة مطلقاً.


3)       وثالثة الأثافي (وأخزاها): محاولة إبطال "زعم اليهود وجود قبر إبراهيم عليه السلام في مدينة الخليل بدليل أن التوراة تنص على أن إبراهيم اشترى مدفنه في "ماكفلاه" وتبعد ثلاثة كيلومترات تقريباً عن مدينة "الخليل"، وأن مبنى مسجد الخليل (الذي يضم أضرحة أربعة من أنبياء بني إسرائيل وزوجاتهم) شُيِّد بعد موت إبراهيم عليه السلام بألفي عام. ومع أني أؤيد الكاتب بوجود الخطأ في تحديد مَدْفَن إبراهيم عليه السلام وسائر الأنبياء والمرسلين (عدا نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم) ومدافن الحواريين والصحابة والأولياء (عدا أبي بكر وعمر رضي الله عنهما)؛ فإني لا أجيز له ولا لنفسي مقابلة الظن بالظن؛ وحجة التوراة من الظن. ولكن أكبر وزر وجود الأضرحة في مسجد الخليل يحمله المنتسبون إلى الإسلام الذين شيّدوا هذه الأضرحة بعد أن تسلم الأيوبيون مبنى الكنيسة التي شيدها الصليبيون على ما يدعي اليهود أنها قبور أنبيائهم، وكانت آخر وصايا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم التحذير من ذلك ولعن فاعله: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، قالت عائشة رضي الله عنها: يحذر مثل الذي صنعوا، رواه البخاري ومسلم.


وكثير من المنتسبين للإسلام اليوم يتبعون سنن اليهود والنصارى في هذا المنكر الشنيع الذي اتفقت كل الرسالات (بأمر الله) على محاربته، وصدق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشير وذراعاً بذراع حتى لو سلكوا جحر ضبّ لسلكتموه" قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟"، ولم يتوقفوا عند مجرد اتباع السنن السيئة لمن سبق بل نافسوهم عليه وحاربوهم للاستئثار به.


وهكذا اجتمع كثير من المنتسبين لليهودية والنصرانية والإسلام على التقرب لله بمعصيته في الدّين وفي الدعوة إليه.


اللهم ردّ الجميع إلى دينك الحق ردّاً جميلاً، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وتابعيه إلى يوم الدين.

 


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127