الشيخ سعد بن عبدالرحمن الحصين

الخلافة في الأرض - الشيخ سعد الحصين

أضيف بتاريخ : 06 / 08 / 2008
                                

الخلافة في الأرض


 

قال الله تعالى لملائكته: {إني جاعل في الأرض خليفة} [البقرة: 30]  "أي: قوماً يخلف بعضهم بعضاً" [ابن كثير] لقوله تعالى: {ويجعلكم خلفاء الأرض} [النمل: 62]، وقوله تعالى: {ويسخلف قوماً غيركم} [هود: 54]، وقوله تعالى لعاد {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد نوح} [الأعراف: 69]، وقوله تعالى لثمود: {واذكروا إذ جعلكم خلفـــاء من بعد عاد} [الأعراف: 74]، وقوله تعالى لأمة محمد صلى الله عليه وسلـــم: {ثم جعلكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون} [يونس 14]، وليس المراد بالخليفة – في الآية الاولى – أدم عليه الصلاة والسلام بدليل قوله تعالى {قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} [البقرة: 30] وآدم منزه من ذلك. [القرطبي].


 


والاستخلاف في عمارة الارض وفي المال وفي الحكم ابتلاء من الله لكل مُستخلف من عبادة كما قال الله تعالى {لننظر كيف تعملون} وقال تعالى لداود عليه الصلاة والسلام: {يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله} [ص: 26]، وقال تعالى عن سليمان: {هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر} [النمل: 40]: -


 


1 – وقد غلب على مسلمي العصر الخلط في فهم معنى الخلافة فحصروها في الولاية الشاملة لجميع بلدان المسلمين، وظنوها وحدها الصيغة الشرعية للحكم، مما أدى ببعض شباب الأمة – الذين رزقهم الله من الحماس ما لم يرزقهم من العلم والتثبت – إلى رفض غيرها من صيغ وعناوين الولاية، وأثناء تطلعهم واستعجالهم لهذا النوع المثالي من الحكم أسقطوا شرط الرشد والهداية فعّدوا السلطنة العثمانية - غير الراشدة وغير المهدية - آخر خلافة شرعية، والخلافة والاتحاد – مثل التعاون – قد تكون على البر والتقوى أو على الإثم والعدوان.


 


2 – وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الخلافة – النبوية الراشدة المهدية – ثلاثون سنة – ثم يؤتي الله الملك من يشاء. رواه أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم باسناد صحيح. وهي ولاية أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم وأرضاهم، وهم الذي ميزهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي)  رواه أحمد وأبو داوود والترمذي وابن ماجة وغيرهم.


 


3 – ولكن ثبت في الصحيحين قول النبي صلى الله عليه وسلم (يكون بعدي اثنا عشر خليفة من قريش) وفي رواية (لا يزال الدين قائماً حتى يكون اثنا عشر خليفة من قريش) وهؤلاء هم الخلفاء الراشدون الأربعة وضِعف عددهم من ولاة العهد الأموي ومن هؤلاء الثمانية : الصالحون، ومنهم دون ذلك، تجاوز الله عنا وعنهم، وليسوا مثل الأربعة السابقين، ومع ذلك وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم وبارك عليه وعليهم جميعاً بالخلفاء.


 


4 – وعلى هذا فليس لفظ الخليفة المطلق ولا غيره دليلاً على صحة الولاية ولا فسادها وقد اصطفى الله طالوت مَلكاِِ يقاتل في سبيل الله – لا في سبيل الأرض والهوية العربية – وزاده بسطة في العلم والجسم، وكان من جنده داود عليه الصلاة والسلام، وأتاه الله الملُك والحكمة وعلمه مما يشاء، ووصف الله ولاية سليمان عليه الصلاة والسلام بالملك إذ ورث أباه داود في العلم والحكم والنبوة، وخير الله تعالى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بين أن يكون مَلكاً رسولاً وبين أن يكون عبداً رسولاً فاختار صفة العبودية والرسالة فيما رواه الإمام أحمد وغيره.


 


5 – والإمامة –أو الخلافة أو الملك – تنال بالنص أو بالإيماء إليه كما في خلافة إبي بكر رضي الله عنه، أو باستخلاف من قبله كاستخلاف أبي بكر لعمر رضي الله عنهما، أو بترك الأمر شورى بين عدد من الصالحين يختاره الخليفة السابق كما فعل عمر رضي الله عنــه، أو بإجمـــاع أهل الحل والعقــــد – لا الغوغاء – على مبايعته أو مبايعة واحدٍ منهم له، فيجب التزامها عند الجمهور، وحكى إمام الحرمين الإجماع على ذلك، أو بقهر واحد الناس على طاعته فتجب درءأً للشقاق والاختلاف، نص عليه الشافعي رحمه الله [ابن كثير]، وليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا في سنة خلفائة الراشدين، ولا فقه أئمة الدين في القرون المفضلة بل ولا في القرون العشرة بعدها ما يشرع الولاية بعدد أصوات الناخبين فضلاً عن تفصيلها وإنما ذلك تقليد للقوانين الوضعية وتحكيم لرأي الأكثرية، وقد قال الله تعالى عن أكثر الناس أنهم {لايشكرون}، {لا يؤمنون}، {لا يعلمون}، {لا يفقهون}.


 


6 – وأكثر الأخطاء في فهم معنى الخلافة انتشار: أتباع القول بأنها (خلافة عن الله في أرضه) تعالى الله عن الحاجة إلى استخلاف أحدٍ من عباده عنه، فهو العليم الخبير وهو السميع البصير، وهو مع خلقه بعلمه وحكمه وتدبيره، ومع صالحي عباده بتوفيقه ونصره.


 


7 – ومما تقدم يتبين خطأ سيد قطب – تجاوز الله عنا وعنه – الذي تلقفه أكثر الشباب اليوم في ظنه أن اختيار معاوية رضي الله عنه – فمن بعده – ابنه للحُكم من بعده خروج عن (قاعدة الإسلام الأساسية في الحكم: اختيار المسلمين المطلق) كما أخطأ في ظنه أن (الحاكم في اللإسلام يتلقى الحكم من مصدر واحد: هو إرادة المحكومين) وأن الطريقة الصحيحة لاختيار الحاكم: (أن يستشير الجميع بالطريقة ألتي تكفل الحصول على آراء الجميع) وأن (النبي لا يملك أن يؤمر أحداً دون مشاورة المؤمنين). معركة الإسلام والرأسمالية دار الشروق 1414 ص 72 73.


 


فوراثة الحكم جائزة بنص الآية {وورث سليمان داود} [النمل: 16] ولم يؤمر النبي صلى الله عليه وسلم خليفة له من بعده – بمشورة أو بدنها – نصاً صريحاً، ولكن إنابته أبا بكر رضي الله عنه لإمامة المسلمين عنه في مرضه إشارة واضحة لأهليته، وأولويته في تولي الأمر بعده وعلى هذه السنة عهد أبي بكر بالأمر من بعد لعمر رضي الله عن الخليفتين، وقد شرع الله الشورى بين المسلمين، ولكن نتيجتها غير ملزمة لولي الأمر، إذ خالف أبو بكر أكثر الصحابة – أو كلهم – في محاربة مانعي الزكاة، بل وخالف من لم بر منهم تولية عمر رضي الله عنهما.


 


وصلى الله وبارك على محمد وعلى آل محمد وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين.

 


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127