الشيخ سعد بن عبدالرحمن الحصين

بدعة الإعجاز العلمي في القرآن: تأويل لليقين بالظنِّ - الشيخ سعد الحصين

أضيف بتاريخ : 06 / 08 / 2008
                                

بدعة الإعجاز العلمي في القرآن: تأويل لليقين بالظنِّ


 

أ‌-       تلقيت اتصالاً كريماً بالهاتف من: د. عبد العزيز العطيشان ثم رسالة كريمة من: الأستاذ عبد الله الصبياني منسق فريق اللجنة التأسيسية لمؤسسة الاكتشافات العلمية من الكتاب والسنة (تحت التأسيس) تبيِّن أهم أهداف المؤسسة، وهذا موجزها:


1)       تشجيع العلماء المسلمين للوصول إلى اكتشافات علمية جديدة مستنبطة من المؤشرات العلمية في الكتاب والسنة ومنتجات علمية تطبيقية.


2)                تخفيف تعلق الطلاب المسلمين في الخارج بالعلم الغربي المنفصل عن الدين.


3)                تصحيح صورة المسلم في الإعلام الغربي بنقله من الاستهلاك إلى الاختراع.


ب‌-           ويعتمد إنشاء المؤسسة على ما يلي موجزه:


1)       ورود إشارات علمية في نحو (1200) آية من كتاب الله، يدعو إلى التعمق فيها واستنباط حقائقها: تحقيقاً لمبدأ الاستخلاف في الأرض.


2)                ورود كلمة (العلم) والتشجيع على التفكر في مئات الآيات.


ج- ويتوقع المؤسِّسُون الوصول إلى نتائج هذا موجزها:


1- اكتشاف أمراض وراثية بالرضاعة المحرمة من قول الله تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} [النساء: 23].


2- اكتشاف مواد جديدة من مثل قول الله تعالى: {قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا} [الإنسان: 16].


3- اكتشاف أدوية جديدة من مثل قول الله تعالى: {وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ} [الصافات: 146].


4- اكتشاف طرق بناء جديدة مما قصَّ الله عن سد ذي القرنين ومن قول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} [الصف: 4] ومن قول النبي صلى الله عليه وسلم: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً".


د- ويتعلق بعض الإخوة المهتمين بهذا المشروع ومن سبقهم بفهمهم لقول الله تعالى: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85] وبفهمهم لقول الله تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ} [الرحمن: 33] دليلاً على صحة ظنهم أنه يجوز القول على الله وكلماته بما لم يقله ولم يعمل به ولم يقره النبي صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه ولا صحابته ولا تابعوه في القرون المفضلة.


وبعد الاطلاع على أهداف المؤسسين وقواعد عملهم وتوقعاتهم للنتائج رأيت ما يلي وبالله التوفيق:


أ‌-      لا يجوز شرعاً أن يقال على الله (وعلى مراده بكلامه) قول يخالف قول النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فلا دين إلا ما كانوا عليه، قال الله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115] وقد أفتت اللجنة الدائمة من هيئة كبار العلماء بتحريم ذلك وذكرت مثالاً له قول أهل بدعة الإعجاز العلمي في قول الله تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا...} المخالف لجميع المفسرين القدوة.


ومع تفهمي للعاطفة من وراء هذه البدعة وحسن ظني بنية مبتدعيها؛ فهم مخطئون (ولو أصابوا) لتجاوزهم حدود إدراكهم وتعديهم على كتاب الله تعالى وعلى مراده بكلامه، وهم بذلك مقترفون لكبيرة من الكبائر لا يعذرون في اقترافها بدعوى حسن النية مع فساد العمل.


ب‌-    وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]، وما يسمى بالإعجاز العلمي في القرآن استدراك على الله ورسوله يتضمن اتهام الرسول بعدم التبيان واتهام الدين بعدم الكمال، وقد أنزل الله تعالى في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] فلا يجوز لمسلم المساهمة فيه ولا الإعانة عليه ولا الإنفاق عليه.


جـ- وتوجد هيئة للإعجاز العلمي في القرآن بمكة المباركة سعى التابعون لمنهج (حزب الإخوان المسلمين) لايجادها والسيطرة عليها فلم يول عليها منذ إنشائها غيرهم، ولو كان في هذا النهج خير، أو لم يكن فيه شر لكفتنا البلوى بها عن البلوى بغيرها، والإثم باقترافها عن غيرها.


د- لم يقل عالم بشرع الله يقتدى به بمثل ما قال به أهل هذه البدعة المفتراة على الإسلام باسم الإسلام، وإنما كان المرجع في تفسير القرآن ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه وعن الفقهاء في الدين في القرون الخيرة، حتى ذر قرن الفكر فأزيح الفقه في الدين وقدم الفكر.


وإنما بدأ الانحراف عن منهاج النبوة بمحاولة أهل الفرق الضالة عنه الاستدلال لصحة مناهجهم بتحكيم عقولهم القاصرة في مراد الله بكلامه، (المعتزلة والخوارج والرافضة بخاصة)، وللتفصيل اقرأ كتاب (بدع التفاسير في الماضي والحاضر د. رمزي نعناعة) فهو خير ما قرأت ونقلت عنه، ونشرته مشكورة وزارة الأوقاف الأردنية عام 1390. قال مقدمه د. عز الدين الخطيب التميمي (وكيل الوزارة ثم مفتي الأردن ثم رئيس القضاة أثابه الله) عن دوافع المفسر المنحرف:


1)   قصوره في فهم الحديث وجهله باللغة.


2)   جعل مذهبه أصلاً في فهم الآية والتفسير تباعاً.


3)   الجزم بأن مراد الله بالآية كذا من غير دليل شرعي.


4)   تفسير المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله.


5)   التفسير بالهوَى [الفكر]. ص 8.


هـ- لعل أول وأعلم من اشتهر في بدعة الإعجاز العلمي في القرآن: أبو حامد الغزالي رحمه الله فنقل عن غيره دعوى (أن القرآن يحوي سبعة وسبعين ألف علم ومئتي علم إذ كل كلمة علم، مضاعفة أربع مرات إذ لكل كلمة ظاهر وباطن وحد ومطلع)، وهو رحمه الله قد اجتالته عن العلم الشرعي شياطين الفلسفة ولما تبين ضلالها حاول البعد فاجتالته شياطين التصوف (فلسفلة ودروشة) واقرأ كتاب (أبو حامد الغزالي والتصوف) للشيخ عبد الرحمن دمشقية أو مهذبنا له: (وقفات مع كتاب إحياء علوم الدين للغزالي) تجد فيه من الطامات والشطحات في العقيدة فما دونها ما ينهاك عن الثقة في كل ما يقول وينقل بلا دليل، وعن قلة بضاعته في الحديث بل واللغة.


و- لا يظهر لي فيما تلقيته من الإخوة القائمين على هذه المؤسسة أنها تقوم على أساس صالح من أي وجه لاستباحة حمى الله والقول على الله بغير علم والحكم على مراده من كلامه بغير دليل من الوحي بفهم سلف هذه الأمة من الفقهاء الأول في دينه.


وليس بينهم عالم واحد بشرع الله يبين لهم حدود الله فلا يتعدوها، بل مبلغ علمهم (أو جهلهم) الفكر المجرَّد عن العلم والاتباع. ولو ترك الدين للفكر لضاع الدين فالفكر مشترك بين الناس، بل إن بعض تصرفات الحيوان لجلب منفعته أو دفع مضرته تدل على نوع من التفكر قد يسمى بغير لفظه، أما العلم الشرعي المحمود فلأهله وحدهم.


ز- وقد يظنون أن كل مجتهد مأجور مرتين إن أصاب أو مرة إن أخطأ، وهذا الظن إثم إذا تعلق بالقول في الأمور الشرعية، فلا يجوز الاجتهاد في أمور الشريعة إلا لعلماء الشريعة.


وكل الخائضين في بدعة الإعجاز العلمي في القرآن من الخلف (القرن الأخير بخاصة) قاصرون عن العلم الشرعي ومقلدون في النظريات الكونية منذ طنطاوي جوهري (ت: 1358 هـ) إلى مصطفى محمود الطبيب (مع وقف التنفيذ) الصحفي، وزغلول النجار الجيولوجي.


حـ- وأبرز من رد باطل الإعجاز بين الأوائل من علماء السنة إبراهيم أبو موسى الشاطبي العالم الأصولي المشهور (ت: 790) وهو من أئمة المالكية من غرناطة، قال في (الموافقات) عن الإعجاز بين السابقين بأنهم: (تجاوزوا الحدَّ في الدعوى على القرآن فأضافوا إليه كل علم)، وقال: (إن السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم كانوا أعرف بالقرآن وبعلومه وما أودع فيه، ولم يبلغنا أنه تكلَّم أحد منهم في شيء من هذا المدَّعى ... وذلك دليل على أنَّ القرآن لم يقصد فيه تقرير لشيء مما زعموا) جـ 2 ص 69 – 82.


جزى الله الشاطبي في السابقين ورمزي نعناعة في اللاحقين وأمثالهما خير ما يجزي به الله النافين عن كتابه تأويل المبطلين.


ط- وغاية ما وجدت في خطاب القائمين على هذه المؤسسة:


1) ظنهم أن الحضارة الغربية هي معيار رقي المسلم ورفعة شأنه بشرط ألا يأخذها المسلم من مصدرها الغربي بل من القرآن والله تعالى يقول: {وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 33 - 35]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الدنيا سجن المسلم وجنة الكافر" رواه مسلم، فهم أولى بها، وكل الحضارات القديمة وثنية: الهندية والصينية والفارسية واليونانية والفرعونية والرومانية والإنكا والخِمْر وغيرهم.


وللمسلم التعامل الدنيوي مع الجميع بالعدل والبر والإحسان كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل مع المشرك والنصراني واليهودي حتى مات ودرعه مرهون عند يهودي واليهود يعملون في خيبر بنصف ما يخرج منها وهم المحاربون له الناقضون لعهده.


2)       تعلقهم بلفظ في القرآن حسب فهمهم الساذج مثل: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} [ص: 42] فيتعسفون استنباط دواء منه لا دليل عليه من الشرع ولا من العقل.


والجرأة على القول على كتاب الله بغير علم زيَّنَتْ لأبي زيدٍ الدمنهوري تفسير قول الله تعالى: {وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ} [آل عمران: 49] بقوله: (يعلمكم التدبير المنزليَّ)، ولمصطفى محمود: (سيمفونية الفاتحة)، ولسيد قطب: وصف القرآن بالسحر والتصوير والرسم والموسيقى والمشاهد السينمائية والمسرحية، وزيَّنتْ قبلهم لأبي الفضل المرسي استنباط فنِّ الهندسة من قول الله تعالى: {انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ} [المرسلات: 30]، وزيَّنتْ لطنطاوي جوهري استنباط تحضير الأرواح من سورة البقرة، آية (76). والله الهادي. (الطائف: 24/8/1428 هـ).

 


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127