الشيخ عبدالعزيز بن ريس الريس

مخالفات في التوحيد (2) الشيخ عبد العزيز بن ريس الريس

أضيف بتاريخ : 30 / 07 / 2008
                                



مخالفات في التوحيد (2)  الشيخ عبد العزيز بن ريس الريس





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، أما بعد:

نكمل ما قد بدأناه في العدد السابق من مخالفات في التوحيد فنقول:

5- ومن الأخطاء أيضاً: ضعف عقيدة الولاء والبراء التي ملخصها حب أهل الإيمان بقدر طاعتهم للرحمن وبغض الكفار مطلقاً، أما أهل البدع والعصيان فعلى قدر بدعهم ومعصيتهم، هذه هي العقيدة التي كثر تقرير الله لها في كتابه والرسول صلى الله عليه وسلم في سنته القولية والفعلية فمن ذلكم قوله تعالى (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَة حَسَنَة فًي إًبْرَاهًيمَ وَالَّذًينَ مَعَهُ إًذْ قَالُوا لًقَوْمًهًمْ إًنَّا بُرَاء مًنكُمْ وَمًمَّا تَعْبُدُونَ مًن دُونً اللَّهً كَفَرْنَا بًكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمًنُوا بًاللَّهً وَحْدَهُ).

فانظر - يا رعاك الله- كيف أن إبراهيم عليه السلام تبرأ من قومه وعشيرته ومنهم أبوه، ولم يقتصر على ذلك بل زاد وتبرأ من معبوداتهم ثم جعل الحد الذي تنتهي به هذه العداوة والبغضاء أن يؤمن قومه ومنهم أبوه بالله وحده فلا يشركون معه غيره سبحانه وتعالى، ثم - أعد النظر- تجد أن الله جعل فعل إبراهيم هذا أسوة حسنة لمن بعده . ومن الآيات الآمرة بعداوة الكفار قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذًينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخًذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلًيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلًيَاء بَعْض وَمَن يَتَوَلَّهُم مًّنكُمْ فَإًنَّهُ مًنْهُمْ إًنَّ اللّهَ لاَ يَهْدًي الْقَوْمَ الظَّالًمًين) فقد حرمت الشريعة الغراء موالاتهم لأمور كثيرة منها:

- أن موالاتهم سبب لأن يصير المسلم منهم، فحفظاً لدينه أمر بمعاداتهم وعدم توليهم .

- ومن أسباب تحريم موالاتهم أن الكفار حريصون على إضلالنا وجعلنا من أتباعهم على دينهم الباطل قال أصدق القائلين سبحانه (وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء) فلما كانت هذه حالهم أمر بمعاداتهم المستلزمة للبعد عنهم حتى لا يتمكنوا من إضلالنا بجعلنا من أتباعهم على دينهم الفاسد دنيا وآخرة، وقد قام رسولنا بهذا الأمر أشد القيام قولاً وفعلاً، ولعلي أكتفي بثلاثة أمور:

الأول: ما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيقه» يعني لا تفسحوا لهم الطريق حتى يتجاوزوا فكيف إذاً بمن يصدّرهم في المجالس ويعزهم ويعظمهم ويهنئهم أيام أعيادهم.

الثاني: إطلاق الأخوة على الكافر المستأمن أو المعاهد، واعتقاد أن عداوة الكفار خاصة بالحربي وهذا خطأ، بل الكافر لكونه كافراً أياً كان مستأمناً أو معاهداً أو حربياً فكلهم أعداء لأهل الإسلام، والمسلم عدو لهم كما قال تعالى (لا تَجًدُ قَوْماً يُؤْمًنُونَ بًاللَّهً وَالْيَوْمً الْآخًرً يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إًخْوَانَهُمْ أَوْ عَشًيرَتَهُمْ أُولَئًكَ كَتَبَ فًي قُلُوبًهًمُ الْأًيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بًرُوح مًنْهُ وَيُدْخًلُهُمْ جَنَّات تَجْرًي مًنْ تَحْتًهَا الْأَنْهَارُ خَالًدًينَ فًيهَا رَضًيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئًكَ حًزْبُ اللَّهً أَلا إًنَّ حًزْبَ اللَّهً هُمُ الْمُفْلًحُونَ)، وبهذا يتبين بجلاء بطلان الدعوة التي يدعيها بعضهم: من أن عداوتنا مع اليهود عداوة أرض، فمتى أرجعوا أرضنا انتهت العداوة بيننا وبينهم، بل عداوتنا معهم عداوة دين وملة، فإذا اغتصبوا شيئاً من أرض المسلمين زادت عداوتنا لهم.

الثالث: ما ثبت عند الإمام أحمد وأبي داود عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تشبه بقوم فهو منهم» وهذا التشبه المنهي عنه شامل للتشبه في كل ما هو خاص بهم من التكلم بلغتهم، ولبس لباسهم وقص الشعر كقصهم ونحو ذلك مما هو منتشر بين المسلمين، وقد قال عمر بن الخطاب: إياكم ورطانة الأعاجم ودخول كنائسهم أيام عيدهم فإن السخطة تنزل عليهم . رواه البيهقي وصححه الإمام ابن تيمية - رحمه الله -، ويا ليت الأمر على سوئه توقف عند هذا الحد، بل ازداد وصار التشبه بهم في كلامهم وغير ذلك ممدحة يمتدح بها فإلى الله المشتكى، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

وما أحسن ما قال أبو الوفاء ابن عقيل: إذا أردت أن تعرف الإسلام من أهل زمان فلا تنظر إلى ازدحامهم عند أبواب المساجد ولا ارتفاع أصواتهم بلبيك ولكن انظر إلى مواطأتهم لأعداء الشريعة .

وبعد هذا كله لعله اتضح لك جلياً فساد الدعوة الشائعة باسم (تقريب الأديان أو وحدة الأديان) التي حقيقتها هدم الإسلام، لأن القرآن الكريم بيّن بوضوح أن الأديان الأخرى كاليهودية والنصرانية بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم أديان منسوخة محرفة كفرية، وذكر أن أهلها كفار كما قال أصدق القائلين (وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء)، وقال (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذًينَ قَالُواْ إًنَّ اللّهَ ثَالًثُ ثَلاَثَة) وقال (لَمْ يَكُنً الَّذًينَ كَفَرُوا مًنْ أَهْلً الْكًتَابً وَالْمُشْرًكًينَ) فبعد بيان القرآن أن الأديان الأخرى كفرية فليس بيننا وبينهم إلا العداوة والبغضاء مع دعوتهم إلى نبذ دينهم وتركه إلى الدين الإسلامي الحق.

ومع أهمية عقيدة الولاء والبراء إلا أنه لا يجوز الغلو فيها ومجاوزة الحد الذي حده الله، ومن صور الغلو ما يلي:

1ـ قتل المعاهد الكافر من المستأمن وأهل الهدنة والصلح لما ثبت في البخاري عن عبدالله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين سنة» وكل من دخل بلاداً من بلدان المسلمين دخولاً نظامياً يعتبر معاهداً.

2ـ غدرهم وخيانتهم فإن الخيانة والغدر محرمان حتى مع الكفار، عن حذيفة بن اليمان قال: ما منعني أن أشهد بدراً إلا أني خرجت أنا وأبي حسيل قال: فأخذنا كفار قريش قالوا: إنكم تريدون محمداً؟ فقلنا: ما نريده، ما نريد إلا المدينة. فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه . فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرناه الخبر، فقال: «انصرفا، نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم» وفي لفظ «تفيا لهم بعهدهم» ، فمن دخل بلادهم دخولاً نظامياً فقد عاهدهم فلا يجوز له غدرهم وخيانتهم، وفرق بين الخداع والغدر فتنبه.

3ـ اعتقاد أن دفع المال للكافر مطلقاً خارم لعقيدة الولاء والبراء، وهذا خطأ، بل هذا راجع للمصالح والمفاسد وفرق بين حالة القوة والضعف وحالة الاختيار والاضطرار، علماً أن من أصناف الزكاة الثمانية (المؤلفة قلوبهم) وهم كفار.

4 - اعتقاد جواز ظلمهم وأخذ أموالهم، وهذا خطأ، بل إن الكافر المظلوم تستجاب دعوته في حق ظالمه، ولو كان مسلماً، كما روى الشيخان عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب».


تنبيه

إن من أسرع الناس إسلاماً هؤلاء النصارى لا سيما العجم، فلو ضاعفنا الجهود في دعوتهم لحظينا بأجر هدايتهم . والأنفع في دعوتهم البداءة ببيان خطأ عقيدتهم في التثليث، فإنهم يدعون أنهم يعبدون إلهاً واحداً، وفي الوقت نفسه يعترفون بعبادة ثلاثة: الأب والابن وروح القدس، وبعضهم يثلث بمريم . فزعمهم التوحيد وعبادة ثلاثة من الجمع بين الضدين اللذين لا يجتمعان، وهذا ما لا جواب عندهم عليه. فجرب تجد، فإن التجربة خير برهان.

ـ6 ومن الأخطاء: ذلكم الداء العضال ألا وهو الرياء، الذي معناه: العمل الصالح من أجل الناس . ومن شدة خطورته وخفائه خافه رسول الله صلى الله عليه وسلم على صحابته كما ثبت عند الإمام أحمد عن محمود بن لبيد قال: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر»، فسئل عنه فقال: «الرياء».

أيها العقلاء: إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخافه على الصحابة فكيف بنا نحن؟ وإن من علامة الإيمان الخوف من الرياء وإخفاء العمل وعدم إظهاره، وإياك أن يخدعك الشيطان ويدعوك للإكثار من إظهار العمل بحجة تنشيطك غيرك، وإني لأذكرك بما رواه مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به فعرّفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها ؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت ولكنّك قاتلت لأن يقال جريء فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرّفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وقرأت فيك القرآن . قال: كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار . ورجل وسع الله عليه وأعطاه الله من أصناف المال كله فأتي به فعرّفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها . قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال هو جواد، فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار».


عبد العزيز بن ريس الريس


تاريخ النشر: الاثنين 23/7/2007

جريدة الوطن الكويتية



اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127