الشيخ محمد سعيد رسلان

حقيقة الحدادية المصرية - الشيخ محمد سعيد رسلان

أضيف بتاريخ : 06 / 08 / 2008
                                
 
إنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، ومِنْ َسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ له، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ, وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.    

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران:102].

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1].

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا . يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:70-71].  

أَمَّا بَعْدُ:

فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم, وشرَّ الأمورِ محدثاتُهَا, وكلَّ محدثةٍ بدعة, وكلَّ بدعةٍ ضلالة, وكلَّ ضلالةٍ في النارِ.

فإنَّ الحَدَّادِيَّةَ فِرقةٌ مارقةٌ طَلَعَ بها قرنُ الشيطانِ على حين فُرقةٍ مِنْ أهلِ السُّنَّةِ، تحسبُ أنها على شيءٍ، وما معها إلا قبضُ الريحِ وأضغاثُ الأحلامِ.

والحَدَّادِيُّونَ من المصريينَ واليَنْبُعِيِّينَ واليمنيِّينَ والعِرَاقِيِّينَ والأُرْدُنِيِّينَ والمغربيِّينَ وغيرِهِم يجمعُ منهجَهُمُ الباطلَ ومَسْلَكَهُمُ الفاسدَ كلمةٌ واحدةٌ وهي: الغُلُوُّ.

فَهُمْ غُلاةٌ لا يعرفونَ الوَسَطَ الذي هو سِمَةُ أهلِ السُّنَّةِ وحِلْيَتُهُم، وزينةُ أهلِ الحقِّ وبهجتُهُم، وإنَّما يعرفون الغُلُوَّ والتطرُّفَ في المواقفِ منهجَ حياةٍ، وحقيقةَ وجودٍ.

والحَدَّادِيُّونَ المصريونَ - مِثَالاً -:

كانوا متطرفينَ في الفِسْقِ والانحرافِ، فلما هُدُوا بزعمِهِم إلى الدِّينِ، لم يخلعوا على عَتَبَاتِ الحقِّ ثيابَ انحرافِهِم، وإنَّما اسْتَصْحَبُوا الأصلَ الذي كانوا عليه، فصاروا يَفْسُقُون باسْمِ الدِّينِ، ويأكلونَ أموالَ النَّاسِ بالباطلِ، سُحْتًا باسْمِ الطَّبعِ والنَّشْرِ، وخِدَاعًا باسْمِ السَّلَفِيَّةِ ونشرِ العلمِ، وتطرَّفوا في الدينِ كما تطرَّفوا في الانحلالِ والزيغِ.

وكما هو الشأنُ في أهلِ الغُلُوِّ في كلِّ عصرٍ ومَصْرٍ، يجمعُ الحَدَّادِيَّةَ غُلُوُّ منهجِهِم، وفسادُ معيارِهِم، على الضَّلالِ وقُبْحِ السَّمْتِ.

فإذا كانوا في مصرَ - مثلاً - فهم تنظيمٌ وجماعةٌ!

وليكن عنوانُ التنظيمِ فيها: "مصر السلفية"!

ليخدعوا الأغرارَ ويجمعوا الأشرارَ، وما زادوا على أن أَتَوْا بمُخِّ الباطلِ فألبسوه لِحاءَ الحقِّ كذبًا ومَيْنًا، كفعلِ أهلِ الأهواءِ في كلِّ جيلٍ، وكصُنٍعِ قُطَّاعِ الطريقِ في كلِّ سبيلٍ، ولهذا تفصيلٌ يأتي في حينِهِ بمشيئةِ ربِّنا العَلِيِّ الوكيلِ.

وأصلُ المسألةِ وحرفُهَا الذي عليه تدورُ:

أنَّ الردَّ على المخالفِ أصلٌ من أصولِ الإسلامِ، جاء به الرسولُ صلى الله عليه وسلم؛ مقرَّرًا بنصوصٍ في الكتابِ والسُّنَّةِ، ومطبَّقًا بقواعدِهِ على وقائعِ الأحوالِ بسلوكِهِ - صلى الله عليه وسلم - وجهادِهِ بالحُجَّةِ - صلى الله عليه وسلَّم-.

فما الذي جاء به الحَدَّادِيَّةُ من المصريين وغيرِهِم؟!!

إنْ كان ما أَتَوْا به لم يأتِ به أحدٌ قبلَهم فهم مُنَادُونَ على أنفسِهِم في سوقِ الأهواءِ بأنهم مَعَادِنُ البدعِ وأهلُهَا!!

وإنْ كان ما أَتَوْا به قد قرَّرَهُ الدِّينُ وأرْسَتْ دعائمَهُ الشريعةُ، فأين تطبيقُ العلماءِ لقواعدِهِ؟!

وأين معرفتُهُم هُم بما كان عليه العلماءُ من أهلِ الجرحِ والتعديلِ في جرحِهم وتعديلِهم؟!

إنَّ الحَدَّادِيَّةَ الغُلَاةَ من المصريين وغيرِهِم تنظيمٌ يجمعُهُ الغُلُوُّ والشَّطَطُ والجهلُ والحمقُ، ولذلك تجدهم أبعدَ ما يكونونَ عن تطبيقِ الأئمةِ من العلماءِ الكبارِ في هذا العصرِ لقواعدِ أهلِ العلمِ التي قَعَّدَها علماءُ السَّلَفِ، ولم يبتدعْها العلماءُ الكبارُ – حاشا - وإنَّما نَظَمُوا عِقْدَها, وجمعوا متناثرَهَا, وأَحْيَوْا مواتَهَا, ونزَّلُوها منازلَهَا.

وأما هؤلاء الخُلُوفُ مِنَ الحَدَّادِيَّةِ فلا يدرُونَ قَبِيلاً مِنْ دَبِيرٍ!

وإنَّهم لَيُذَكِّرُونَ النَّاسَ بذلك الفتى الجاهلِ الأحمقِ الذي لَقِيَهُ صاحبٌ لأبيهِ, فقال له - بعد أن سألَهُ عن حالِهِ وحالِ أبيه -: ما صَنَعَ أبوكَ بحمارِهِ؟

قال الفتى الجاهلُ الأحمقُ: باعِهِ - بكسرِ العينِ، وهو فعلٌ لا يُخْفَضُ، فالخفضُ من علاماتِ الاسمِ -.

فتعجَّبَ الرجلُ وقال: يا ولدي! لِمَ تقولُ: باعِهِ؟!

فقال الأحمقُ: وأنت لِمَ تقول: بحمارِهِ؟! 

قال الرجلُ: لأنَّ الباءَ دخلت على حمارِ أبيك فجَرَّتْهُ، ولو دخلت على أبيك وهو على حمارِهِ لجرَّتهما معًا.

فقال الأحمقُ: ولماذا تََجُرُّ باؤُكَ ولا تَجُرُّ بائي؟!!

وهؤلاء الحَدَّادِيَّةُ من المصريينَ واليَنْبُعِيِّينَ والعراقيِّينَ واليمنيِّينَ والأردنيِّينَ والمغربيِّينَ أحمقُ من هذا الغلامِ! فلا علمَ ولا حلمَ، وإنما جهلٌ وطغيانٌ وظلمٌ.

وهم يقرِّرُونَ في أصولِهِم أنَّ من صفاتِ الحداديةِ - كما زعموا - أنَّهم يحاسبون النَّاسَ على ما تخلَّصُوا منه، وأَقْلَعُوا عنه.

حَسَنٌ، فلننظرْ في أصلِهِم الذي أَصَّلُوه، ومِنْهَاجِهِم الذي ابتدعُوهُ، وليكن ذلك - بحولِ الله وقوتِهِ - بضربِ الأمثالِ:

ولنبدأ أولاً بأعظمِ ما يَطِنُّونَ به طَنِينَ الذُّبَابِ على جِيَفِ المسامعِ، وهو نَصُّ سيد قطب المنقولُ – سابقًا - في ((فضلِ العربية)).

فأقول:

-      الذي دلَّ النَّاسَ على هذا النصِّ في موضعِهِ من الطَّبعةِ الأولى هو العبدُ الفقيرُ كاتبُ هذه السطورِ.

-      كانت الدلالةُ على ذلك على المنبرِ في خطبةِ الجمعةِ في معرِضِ الردِّ على سيد قطب في قولِهِ ببدعة "خَلْقِ القرآنِ" وغيرِها من بِدَعِهِ حولَ القرآنِ العظيمِ.

قلتُ في معرِضِ الدلالةِ على فسادِ النقلِ الذي نقلتُهُ، وكان قولي في خطبةِ الجمعةِ في اليومِ الرابعِ من ربيعٍ الأولِ لسنةِ ثمانٍ وعشرينَ وأربعمائةٍ وألف الموافق للثالث والعشرين من مارسٍ لعامِ سبعة وألفين من ميلادِ المسيحِ عيسى ابن مريم، وهي معروفةٌ باسمِ: ((ويلكم لا تسبُّوا الأنبياءَ)) وهي منشورةٌ مشهورةٌ بحولِ الله وقوتهِ.

قلتُ على المنبرِ يومئذٍ:

«إنَّ المخالفاتِ العقديةَ خَطِرَةٌ جدًّا؛ لأنَّ المرءَ ربما غَفَلَ عن دلالتِها الرَّدِيَّةِ فينقلها في كتابٍ أو يردِّدها في مجلسٍ مخدوعًا بحُسْنِ الصِّيَاغَةِ أو جمالِ العبارةِ, ويعتقدُهَا مَنْ يقرؤُهَا بعد نقلِهَا أو مَنْ يسمعُهَا بعد سماعِهَا في زمانٍ عَزَّ فيه بيانُ الاعتقادِ الصحيحِ, وبيانُ قواعدِ الإيمانِ الصريحِ.

ولقد وقَعَ لي نحوٌ من ذلك وأذكرُهُ الآن للدلالةِ على أمرين(1):

الأمرُ الأول: خطورةُ بقاءِ تلك المخالفاتِ العقديةِ في ((الظلال)) وغيرِهِ بلا تفريقٍ.

الأمرُ الثاني: أَنِّي أحاكِمُ نفسي إلى ما أحاكم إليه غيري, وأَنِّي على قانونِ السلفِ ومنهجِهم في ذلك حيث قَرَّروا أنَّ كلَّ ما قالوه أو كَتَبُوه مخالِفًا للكتابٍِ والسُّنَّةِ فمضروبٌ به عُرض الحائطِ ولا كرامةَ, وهم منه بُرَآء, وأَنَا في ذلك على قانونِ السَّلَفِ وعلى ما قال الإمامُ الشافعيُّ - رحمةُ الله عليه - وهو بعينِهَ ما قالَهُ الأئمةُ أبو حنيفة ومالكٌ وأحمدُ - رحمهم الله تعالى -.

 

قال الإمامُ الشافعيُّ - رحمه الله -: «ما مِنْ أحدٍ إلَّا وتذهبُ عليه سُنَّةٌ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وتعزُبُ عنه, فمهما قلتُ منْ قولٍِ أو أصَّلتُ منْ أصلٍ فيه عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم خلافُ ما قلتُ فالقولُ ما قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو قولي»(2).

وقال - رحمه الله -: «أجمعَ المسلمونَ على أنَّ مَنْ استبانَ له سُنَّةٌ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لم يحلَّ له أنْ يدَعَها لقولِ أحدٍ»(3).

وقال - رحمه الله -: «إذا وجدتم في كتابي خلافَ سُنَّةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقولوا بسُنَّةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ودَعُوا ما قلتُ»(4). وفي لفظ: «فاضربوا بقولي عرضَ الحائطِ»(5).

وقال - رحمه الله -: «كلُّ مسألةٍ صحَّ فيها الخبرُ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عند أهلِ النقلِ بخلافِ ما قلتُ فأنا راجعٌ عنها في حياتي وبعدَ مماتي»(6).

وقال - رحمه الله -: «إذا رأيتموني أقولُ قولًا وقد صحَّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم خلافُهُ فاعلموا أنَّ عقلي قد ذَهَبَ»(7).

وقال - رحمه الله -: «وكلُّ ما قلتُ فكان عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم خِلافُ قولي مما يصحُّ فحديثُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أَوْلَى ولا تقلدُوني»(8).

وقال - رحمه الله -: «كلُّ حديثٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم فهو قولي وإنْ لم تسمعوه منِّي, الاتِّبَاعَ .. الاتِّبَاعَ»(9).

 

وأمَّا ما وقعَ لي قديمًا فهو نقلي سطورًا من كلامِ سيدٍ في ((الظلال)) عند كلامِهِ عن الحروفِ المُقَطَّعَةِ في أوائلِ السُّورِ وذلك في سُورةِ البقرةِ.

فقلتُ ذلك ناقلًا إيَّاهُ مع أنَّه يكادُ يكونُ صريحًا في القولِ بِخَلْقِ القرآنِ, نقلتُهُ في الطبعةِ الأولى من ((فضل العربية ووجوب تعلُّمِها على المسلمين)).

نقلتُهُ غفلةً أو سهوًا أو نسيانًا أو جهلًا! لا يُهِمُّ! المهمُّ أنِّي حذفتُ ذلك محوًا في الطبعاتِ التاليةِ, وكلُّ ما خالفَ السُّنَّةَ فأنا بريءٌ منه حياتي وبعدَ مماتي.

نقولُ ذلك للدَّلَالةِ على أنَّنا نحاكِمُ أنفسَنَا لِمَا نحاكِمُ إليه غيرَنَا, لا نبتغي بذلك شُهْرَةً, ولا نبتغي بذلك إلَّا وجهَ اللهِ ربِّ العالمينَ, نسألُ اللهَ أنْ نكونَ مِنَ الصَّادقينَ».

ويلكم لا تسبُّوا الأنبياء (الدقيقة 34:28)


http://www.rslan.com/vad/items_details.php?id=1145

 

فهل يَحِلُّ لأحدٍ - إلَّا أنْ يكونَ حَدَّادِيًّا مِصْريًّا أو يَنْبُعِيًّا أو عِرَاقِيًّا أو أُرْدُنِيًّا أو يَمَنِيًّا أو مَغْرِبِيًّا, فهؤلاءِ يستحلون من أعراض المسلمين ما لم يُحِلَّهُ اللهُ - هل يَحِلُّ لِأَحَدٍ أنْ يذهبَ بعدَ ذلك ليبحثَ عن الطَّبعةِ التي فيها النَّصُّ المُتَرَاجَعُ عنه, المدلولُ على فَسَادِهِ, المُتَبَرَّأُ منه على المنبرِ, لكي يُذِيعَهُ في الناسِ؟؟

وماذا يُسَمِّي أهلُ العلمِ هذا المَسْلَكَ؟

وهل تبقَى عدالةُ سَالِكِهِ؟

وهل يُؤْتَمَنُ هؤلاءِ على دِينٍ وهم يَفْجُرُونَ في الخُصُومةِ هذا الفجورَ؟!

 

لولا أنَّي أريدُ هنا أنْ أُشَرِّدَ بهم مَنْ خَلْفَهُمْ - إنْ شاءَ اللهُ - ما التَفَتُّ إليهم.

فواللهِ! ما لهؤلاءِ عِلاجٌ إلَّا الإهمالُ, ولكنْ لِكَونِهِم كالخلايا الخبيثةِ ترتعُ في جسدِ الأمَّةِ المَصُونِ؛ وَجَبَ كشفُ حالِهِم بعدَ طُولِ الصبرِ عليهِم, واللهُ المستعانُ.

وليعلم أهلُ البغي أنَّهم ببغيهِم يُمَكِّنُونَ من أنفسِهِم, وما أعانونا على أنفسِهِم بمثلِ إعانتِهِم ببغيهِم على أنفسِهِم.

قال صلى الله عليه وسلم في الحديثِ الذي أخرجَهُ البخاريُّ في ((الأدب المفرد)) من حديثِ أبي بَكْرَةَ رضي اللهُ عنه قال: «ما مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أنْ يُعَجَّلَ لصاحبِهِ العقوبةُ مع ما يُدَّخَرُ له: مِنَ البغي وقطيعةِ الرَّحمِ»(10).

فهل نادَى أحدٌ - معشرَ العقلاءِ - على نفسِهِ بفسادِ المعيارِ, وضلالِ المِنْهَاجِ, في سُوقِ البغي والعُدْوانِ, كما نادى هؤلاءِ على أنفسِهِم؟؟

ألَا شاهتِ الوجوه!

وخُذْ مثالًا ثانيًا لانطباقِ قواعدِهم عليهم, ولا تَعْجَبْ فقد أعيت الحماقةُ مَنْ يُداويها:

قبلَ أنْ يُوْلَدَ أكثرُ هؤلاءِ, وقد يكونُ كبيرُهم الذي علَّمَهم الكذبَ قد كان طفلًا في قِمَاطِهِ وقتئذٍ.

قبلَ نَيِّف وثلاثين عامًا كان الشعراويُّ قد عادَ من جامعةِ أُمِّ القُرى, وذُلِّلَت له وسائلُ الإعلامِ؛ ليُحاربَ الإلحادَ والشيوعيةَ, وكان مَدُّهَا ما يزالُ طاغِيًا في مصرَ مِنْ مُخَلَّفَاتِ عهدٍ سابقٍ, فأبلى الرجلُ في ذلكَ الشأنِ بلاءَهُ, وتابعتُهُ أولَ الأمرِ ثم انصرفتُ لا أَلْوِي, وإنَّمَا أسمعُ عنه بعضَ ما يُرَدِّدُهُ النَّاسُ وأقرأُ عنه بعضَ ما يكتبُونَهُ, وهو في جُملتِهِ حسنٌ.

وكانَ قبلَ عودَتِهِ قد مُكِّنَ للإمامةِ في موسمِ الحجِّ, فكان خطيبَ عرفةَ وإمامَها, ومعلومٌ أنَّ علماءَ المملكةِ في ذلك الوقتِ كانوا متوافرينَ - حفظ اللهُ الأحياء منهم ورَحِمَ الأمواتَ والسَّالِفينَ -, ومعلومٌ أنَّه لا يتخلَّفُ منهم عن شهودِ المَوسِمِ - في الأغلبِ الأعمِّ - إلَّا من كان مريضًا أو على سفرٍ, أم يحسبُ الحداديةُ الحمقى أنَّ أمرَ الرَّجُلِ لا يروجُ على مثلي وقد راجَ على العلماءِ الكبارِ يخالطُهُم ويخالطونهُ, ويستمعونَ له ويُصَلُّونَ خلفَهُ؟!!!

أم تُرى الحمقى يحسبون أنَّه كان يخطُبُ النَّاسَ ويصلي بهم مِنْ وراء حجابٍ أو مِنْ داخلِ سِرْدَابٍ!!

فلمَّا توفاهُ اللهُ قرأتُ مقالًا للشيخِ عبد العزيزِ آل الشيخ, المُفتي الحالي - حفظه اللهُ - فأثنى على الشيخِ الشعراويِّ ثناءً حسنًا, وكان ذلك في جريدةٍ كانت تصدرُ في ذلك الوقتِ اسمُهَا: ((المسلمون)), واعتقدتُ لِأَجْلِ هذا - مع ما كان من سابقِ ثناءِ الناسِ على الرجلِ أنَّ السنواتِ التي قَضَاهَا في (جامعة أُمّ القرى), والمحاضرات التي ألقاها في الجامعةِ الإسلاميةِ, وبعضُها على مَسْمَعٍ من العلامةِ ابن بازٍ رحمه الله - اعتقدتُّ أنَّ ذلك صحَّحَ مسارًا وضَبَطَ اعتقادًا, ويعَزِّزُ ذلك ما كان من خُطْبَتِهِ وصلاتِهِ بالحجيجِ في يوم عرفة على مَسْمَعٍ من الدنيا كلِّها ومرئى؛ فكانَ ما قلتُ بعدَ وفاتِهِ.

وقد اتخذتُهُ في الكلامِ (مُعَادِلًا مَوضُوعِيًّا) لتقريرِ حقائقَ في الدعوةِ والعملِ لم يكن يُجْهَرُ بها في ذلك الوقتِ عِنْدَنَا.

كان الرجلُ يدعو إلى مُجَانَبَةِ الجماعاتِ, وكان حَرْبًا على الإخوانِ, وغيرِهِم من أهلِ الغُلُوِّ.

وكان تقريري أنَّ الدَّاعيةَ ينبغي أن يكونَ كالماءِ الطَّهُورِ لا يُوْصَفُ بِوَصْفٍ ولا يُقَيَّدَ بقيدٍ سوى الماءِ, كان هذا التقريرُ مُعَادِلًا مَوضُوعِيًّا؛ لبيانِ أنَّ الدَّعواتِ الحزبيةَ ليست على شيءٍ.

ثمَّ تَبَيَّنَ لي الحقُّ سَرِيعًا, فأعلنتُ - بَعْدُ - أنَّهُ لا يَحِلُّ لأحدٍ أنْ ينقلَ عني ما كان, ثمَّ أهملتُ ذلك, وطواهُ في جَوفِهِ النِّسْيَانُ.

وجاءَ الأحمقُ الجهولُ بفرقَتِهِ الضَّالَّةِ لِيَهْذِيَ ويقول: كَيْت وكَيْت, وزَيْت وزَيْت!!

وكان بيانُ الأمرِ مِنِّي: أنَّ الرجلَ صوفيٌّ جَلْدٌ وأشعريٌّ محترقٌ, وأنَّه فَتَقَ في العلمِ فَتْقًا لم يُفْتَقْ قبلَهُ مثلُهُ؛ لمَّا تناولَ القرآنَ - تفسيرًا - بالعامِّيَّةِ, فَتَجَرَّأَ - تبعًا - على التفسيرِ وغيرِهِ كلُّ مَنْ مَلَكَ لِسَانًا.

والآن:

أَفَلَيسَ مِنْ منهجِ الحَدَّادِيَّةِ الذي قرَّرُوهُ: أنَّ الحَدَّادِيَّةَ يحاسِبُونَ الناسَ على ما هَجَرُوهُ؟

بماذا يُسَمِّي عقلاءُ الأممِ منْ أهلِ المللِ والنِّحَلِ هذه المسالكَ المضطربةَ, والانحرافاتِ المُشَوَّهَةَ؟

بماذا يُسَمِّي أهلُ العدلِ والإنصافِ هذه الكائناتِ؟

وبَعْدُ:

فلقد حَسِبَ هؤلاءِ - زمنًا - أنَّ العالَمَ قد خَلَى من الحقِّ إلَّا ما هرَّفُوا بِهِ, وفَرَغَ مِنَ الصِّدْقِ إلَّا ما تَخَرَّصُوا به, وهيهات.

ولقد غَبَرَ هؤلاءِ - دهرًا - يعتقدونَ أنَّهم يُحسنون صُنعًا, وأنَّ النَّاسَ يَرْهَبُونَ لهم جانِبًا, وما هم إلَّا صِبْيَةٌ أغمارٌ, خَرَجَ أكثرُهُم يومًا ليبحثَ عن عصابةٍ يَصْطَحِبُهَا, أو جريمةٍ يرتكبُهَا, فلم يجدوا, وبَدَلَ أنْ يَكُونُوا عِصَابَةً, صاروا (تنظيمًا وجماعةً)!! وحَسْبُكَ من شَرٍّ سماعَهُ!

ولبيانِ حقيقتِهِم, وكشفِ خبيئَتِهم, بتفصيلٍ سوى هذا الإجمالِ, مقالٌ - إن شاء اللهُ - بعد هذا المقال.

واللهُ المستعانُ, وعليه التُّكْلانُ, وصلى اللهُ وسلَّم على نبيِّنا محمدٍ وآلِهِ وصحبِهِ وسلَّم.

 

وكتب أبو عبد الله محمد بن سعيد رسلان

الخميس21/رجب الفرد/1429هـ

24/7/2008م

منقول من موقع الشيخ


_____________________




(1) وكذا حال من استبانَ له سُنَّةٌ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.




(2) أخرجه البيهقي في ((المناقب)) (1/475), وأبو نعيم في ((الحلية)) (9/106), وابن حجر في ((توالي التأسيس)) (صفحة 108), وابن كثيرفي ((مناقب الإمام الشافعي)) (صفحة 179 رقم 190), وذكره ابن القيم في ((إعلام الموقعين)) (2/286).




(3) ذكره ابن القيم في ((إعلام الموقعين)) (2/286).




(4) أخرجه البيهقي في ((المناقب)) (1/472-473), وابن حجر في ((توالي التأسيس)) (صفحة 107), وابن كثير في ((مناقب الشافعي)) (صفحة 178 رقم 187), والذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) (10/34).




(5) أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (9/107), والذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) (10/35), وذكره ابن القيم في ((إعلام الموقعين)) (2/282), وتناوله السبكي في رسالة سمَّاها: ((معنى قول المُطَّلَبِي إذا صح الحديث فهو مذهبي)).




(6) أخرجه ابن حجر في ((توالي التأسيس)) (صفحة 108), وذكره ابن قيم الجوزية في ((إعلام الموقعين)) (2/285).




(7) أخرجه البيهقي في ((المناقب)) (1/473-474), وابن كثير في ((مناقب الشافعي)) (صفحة 178 رقم 188), وابن حجر في ((توالي التأسيس)) (صفحة 107).




(8) أخرجه ابن أبي حاتم في ((آداب الشافعي)) (93,68,67), وأبو نعيم في ((الحلية)) (9/106), والبيهقي في ((المناقب)) (1/473), وهو في ((مختصر المؤمل)) (58), و ((الإيقاظ)) (104,50), وذكره ابن قيم الجوزية في ((إعلام الموقعين)) (2/285).




(9) ذكره ابن القيم في ((إعلام الموقعين)) (2/286).




(10) صحيح الأدب المفرد (صفحة42 رقم 23), وانظر ((السلسلة الصحيحة)) (976,915).



اقرأ أيضاً :


الاسم: أبو رمضان
البلد: أشمون
التعليق: حفظ الله الشيخ المحبب إلى قلبى أكثر من أبى الشيخ رسلان وأسأل الله تعالى أن يهدنى وإخوانى ممن يحضرون للشيخ وينقلون كلامه للناس وكثيرا ماينقلون خطأ فيتهجم الناس على الشيخ دون مراعة لحرمة العلماء وأكون أنا وإخوتى السبب فى هذا الهجوم:قدأحسن من أنتهى إلى ماعلم




Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127