الشيخ محمد عبدالله الإمام

القول الأمين في أصناف المبدلين (الحلقة الأولى) الشيخ محمد الإمام

أضيف بتاريخ : 06 / 08 / 2008
                                
 
القول الأمين في أصناف المبدلين (الحلقة الأولى)


المقدمة


أما بعد:

فقد أخذ الله على العلماء العهد والميثاق أن يبينوا للناس الحق حرصا عليه ودفاعا عنه قال تعالى: { وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ } [آل عمران]

وقال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ }

فهنيئا لمن كان حارسا لدين الله ذابا عن شرع الله إذ أن الأمة لن تنجو من الزيغ والانحراف والتخبط والانحراف إلا بالرجوع إلى علماء الملة ولن تصح أعمالهم إلا بصحة علوم حملة الإسلام وناقليه، قال الشيخ محمد الخضر في كتابه "رسائل الإصلاح" 1/13: (صلاح الأمة في صلاح أعمالها، وصلاح أعمالها في صحة علومها، وصحة علومها أن يكون رجالها أمناء فيما يروون أو يصفون، فمن تحدث في العلم بغير أمانة فقد مس العلم بقرحانة، ووضع في سبيل فلاح الأمة حجر عثرة ...)

وقال ابن تيمية: (وتغيير الدين بالتبديل تارة وبالنسخ تارة أخرة وهذا الدين لا ينسخ أبدا لكن يكون فيه من يدخل من التحريف والتبديل والكذب والكتمان وما يلبس الحق بالباطل ولا بد أن يقيم في من تقوم به الحجة خلفا عن الرسل فيفوت عنه تحريف العالمين انتحال المبطلين وتأويل الجاهلين فيحق الله الحق ويبطل الباطل ولو كره المشركون) مجموع الفتاوى 11/434-435

والخيانة في العلم مطية الهلاك قال ابن القيم: (قال رجل لشيخنا: إذا خان الرجل في نقد الدراهم سلبه الله معرفة النقد فقال الشيخ: هكذا من خان الله ورسوله في مسائل العلم) روضة المحبين ص (374)

وكيف لا وأعظم الناس ذنبا من قال على الله بغير علم قال ابن القيم: (وأما القول على الله بلا علم فهو أشد هذه المحرمات تحريما وأعظمها إثما ولهذا ذكر في المرتبة الرابعة من المحرمات التي اتفقت عليها الشرائع والأديان، بل ولا تباح بحال بل لا تكون إلا محرمة وليست كالميتة والدم ولحم الخنزير الذي في حال دون حال...

قال تعالى: { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَن}

ثم انتقل إلى ما هو أعظم منه فقال: { وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ }

ثم انتقل منه إلا ما هو أعظم منه فقال: { وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً}

ثم انتقل منه إلى ما هو أعظم منه فقال: { وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ }

فهذه أعظم المحرمات وأشدها إثما فإنه يتضمن الكذب على الله ونسبته إلى ما لا يليق به وتغيير دينه وتبديله ونفي ما أثبته وإثبات ما نفاه وتحقيق ما أبطله وإبطال ما حققه وعداوة من والاه وموالاة من عاداه وحب ما أبغضه وبغض ما أحبه فليس في اجتناب المحرمات أعظم عند الله منه، ولا أشد إثما وهو أصل الشرك والكفر وعليه أسست البدع والضلالات فكل بدعة مضلة في الدين أساسها القول على الله بلا علم ...) مدارج السالكين 1/372

تأمل هذا الكلام أيها القارئ تعلم عظيم جرم المبدلين
بشيء من دين الله، ولما كان ضرر التبديل كما ترى في كلام ابن القيم وغيره رأيت أن أقوم بجمع الأدلة وكلام أهل العلم حول التبديل وأنواعه وما يدخل في وما لا يدخل ومن يصدق عليه مبدل لشرع الله ومن لا يصدق عليه ذلك خصوصا أن هذا الموضوع من جهة الجمع والتأليف يحتاج إلى مزيد إيضاح، وقد حرصت على نقل كلام أهل العلم حتى يقدر القارئ على فهم كلام الله وكلام رسوله فهما سليما كما فهم أهل العلم

ومما دفعني إلى تأليف الكتاب المذكور أني رأيت من يدنس العلم النافع ون يتصدر باسم الدعوة إلى الله يكاد يحصر التبديل على الحكام الجائرين، والحكام الجائرون مبدلون لشرع الله لا شك في ذلك ولكن أهل البدع والضلالات والتحزبات هم أساس التبديل الذي عند الحكام فرأيت أن كلام هؤلاء يدل على عدم إدراكهم للحقائق والسائل وإذا لم يميز بعضها من بعض حصل من اللبس ما لا تحمد عقباه قال ابن تيمية: (والمقصود الأكبر أن يميز الفقيه بين هذه الأقسام وليعرف كل مسألة من أي قسم هي فيلحقها بنظيره) بيان بطلان التحليل ص (253)

وقال رحمه الله: (وأهل البدع... ابتدعوا ألفاظا ومعاني إما في النفي وإما في الإثبات جعلوها هي الأصل المعقول المحكم الذي يجب اعتقاده والبناء عليه ثم نظروا في الكتاب والسنة فما أمكنهم أن يتأولوه على قولهم تأولوه و إلا قالوا هذا من الألفاظ المتشابهة المشكلة التي لا ندري ما أريد بها فجعلوا بدعهم أصلا محكما وما جاء به الرسول فرعا له ومشكلا له إذا لم يوافقه، وهذا أصل الجهمية والقدرية وأمثالهم، وأصل الملاحدة من الفلاسفة الباطنية جميع كتبهم توجد على هذا الطريق ومعرفة الفرق بين هذا وهذا من أعظم ما يعلم به الفرق بين الصراط المستقيم الذي بعث به رسول الله وبين السبيل المخالفة له) مجموع الفتاوى 17/306

وقال أيضا: (من أصول الإسلام أن تميز ما بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم من الكتاب والحكمة ولا تخلطه بغيره لا تلبس الحق بالباطل كفعل أهل الكتاب فإن الله سبحانه قد أكمل الدين وأتم علينا النعمة ورضي لنا الإسلام دينا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك)) ... وجماع ذلك بحفظ أصلين: أحدهما: تحقيق ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يخلط بما ليس منه من المنقولات الضعيفة والتفسيرات بل يعطى حقه من معرفة نقله ودلالته. والثاني: إن لا يعارض ذلك بالشبهات لا رأيا ولا رواية) مجموع الفتاوى 15/155-156

وقال أيضا: (ثم إذا ميز العالم بين ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم وما لم يقله فإنه يحتاج إن يفهم مراده ويفقه ما قاله ويجمع بين الأحاديث ويضمم كل شكل إلى شكله فيجمع بين ما جمع الله بينه ورسوله ويفرق بين ما فرق الله بينه ورسوله فهذا هو العلم الذي ينتفع به المسلمون ويجب تلقيه وقبوله وبه سار أئمة المسلمين كالأربعة وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين) مجموع الفتاوى */316-317

فهذا المؤلف وأمثاله مما يساعد القارئ اللبيب على إيضاح المسائل وتمييز بعضها من بعض، وإذا كان دعاة البدع والتحزب يشفقون كما يدعون على الحكام الجائرين فهم أحوج إلى الشفقة على أنفسهم منهم على الحكام لما لوقوعهم في التحريف والتبديل من أضرار جسيمة وعواقب وخيمة وهو سيرة ذميمة، وأما علماء الحديث فهم حريصون على إنقاذ من كتب له الإنقاذ والنجاة من هذا البلاء العظيم ألا وهو سلوك طريق التغيير للحق، ولله در ابن القيم حيث قال: (إن أئمة الإسلام وملوك السنة لما عرفوا أن طريق المتكلمين إنما تنتهي إلى هذا – يعني الشك والحيرة وعدم اليقين – وما هو شر منه تنوعوا في ذمها والطعن فيها وعيب أهلها والحكم بعقوبتهم وإشهارهم والتحذير منهم) الصواعق المرسلة 4/1263

وقال ابن تيمية: (إن غالب ما يتكلمون به من الأصول ليس بعلم ولا ظن صحيح بل ظن فاسد وجهل مركب) الاستقامة 1/54

ومن سلك سبيل علماء الحديث كان النصر حليفه بإذن الله قال الله: { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ } [غافر] قال ابن القيم رحمه الله: (والمقصود أن الله سبحانه سمى علم الحجة سلطانا لأنها توجب تسلط صاحبها واقتداره فله بها سلطان على الجاهلين، بل سلطان العلم أعظم من سلطان اليد، ولهذا ينقاد الناس للحجة ما لا ينقادون لليد فإن الحجة تنقاد لها القلوب وأما اليد فإنما ينقاد لها البدن، فالحجة تأسر القلب وتقوده وتذل المخالف وإن أظهر العناد والمكابرة فقلبه خاضع لها ذليل مقهور تحت سلطانها، بل سلطان الجاه إن لم يكن معه علم يساس به فهو يميز له السباع والأسود ونحوها قدرة بلا علم ولا رحمة بخلاف سلطان الحجة فإنه قدرة بعلم ورحمة وحكمة ...) مفتاح دار السعادة 1/244-245 فجدير بأهل الحديث أن يعلموا أنهم على أعظم ثغرة من ثغور الإسلام قال ابن القيم رحمه الله: (فالدعوة إلى الله تعلى هي وظيفة المرسلين وأتباعهم وهم خلفاء الرسل في أممهم والناس تبع لهم، والله سبحانه قد أمر رسوله أن يبلغ ما أنزل إليه وضمن حفظه وعصمته من الناس وهكذا المبلغون عنه من أمته لهم من حفظ الله وعصمته إياهم بحسب قيامهم بدينه وتبليغهم له، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتبليغ عنه ولو آية ودعا لمن بلغ عنه ولو حديثا، وتبليغ سنته إلى الأمة أفضل من تبليغ السهام إلى نحور العدو لأن ذلك التبليغ يفعله كثير من الناس وأما تبليغ السنن فلا يقوم به إلا ورثة الأنبياء وخلفاؤهم* في أممهم جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه) جلاء الأفهام ص (249)

فهذه الثغرة لا يسدها إلا أهل الحديث حراس الشريعة والهادمون لكل بدعة شنيعة فكم لهم من سهام قاتلة وحجج على أهل الضلال نازلة، فما أعظم أثرهم على الناس وما أقبح أثر الناس عليهم. جعلنا الله منهم وعلى أثرهم.

وقد حرصت على أني لا أستدل إلا بحديث نال درجة الصحة والقبول لأننا في غنى عن الاستدلال بالأحاديث الضعيفة ومن طن أنه بحاجة إلى الأحاديث الضعيفة فهو غير متيقن بكمال الشريعة الإسلامية فقد كانت الشريعة – ولا تزال – كافية في عهد الرسول والصحابة ولم تكن آنذاك الأحاديث الضعيفة قد ظهرت فما وسعهم وسعنا وما كفوا عنه كففنا عنه، ومن لا يسعه ما وسع الرسول والصحابة فلا وسع الله عليه، ودأبي في دروسي ومحاضراتي وخطبي وتأليفاتي وردودي الحرص على الاستدلال بما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا السير البارك يجعل القارئ في مأمن على عقله من الشكوك والحيرة وعلى قلبه من الزيغ، فما أكثر المؤلفات التي هي بمثابة ألغام وضعت على طريق الناس وما أكثر المؤلفين الذين عم قطاع طرق يقطعون الناس عن الله وعن رسوله وعن علماء الحديث وإلى الله المشتكى.


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127