الشيخ عبدالله الصالح العثيمين

ابن غنَّام مؤرخاً لنجد في عهد الدولة السعودية الأولى 3 - الشيخ عبدالله الصالح العثيمين

أضيف بتاريخ : 11 / 11 / 2009
                                

ابن غنَّام مؤرخاً لنجد في عهد الدولة السعودية الأولى (3)

عبدالله الصالح العثيمين


 

تضمنت الحلقة السابقة اشارات مختصرة عن حياة المؤرخ حسين بن غنام والظروف التي أحاطت بها وبالمنطقة التي عاش فيها، اضافة إلى شيء من الاستطراد في ايراد استعماله الالقاب للشيخ محمد بن عبدالوهاب وحكام الدولة السعودية الأولى. وبقي الحديث بايجاز عن ملامح التاريخ الذي كتبه.

لعل أول نقطة يحسن أن يشار إليها في الحديث عن هذا التاريخ هي الهدف من كتابته. واذا اعتمد- في هذا الأمر- على ما كتبه هذا المؤرخ نفسه في مقدمته فإن من الواضح أن كتابته له كانت ذاتية ابتداء، ثم بتشجيع ممن كان يكن له التقدير انتهاء.

استهل ابن غنام ما كتبه بحمد الله والصلاة على نبيه محمد، صلى الله عليه وسلم، والاشارة باختصار إلى رسالة التوحيد التي جاء بها وما طرأ على عقائد بعض المسلمين من انحراف، ثم قال بأسلوبه المسجوع، الذي سيأتي الحديث عنه:

«لما كانت منزلة العلم أعظم المنازل، والتحلي بحلاه من أفخم الفضائل.. وقربته أرفع المراتب عند الاواخر والاوائل.. وكان من اسناها شأناً وفخراً، واسماها رتبة وذكراً، وارفعها منصباً وقدراً، وانفعها عند الله تقرباً وحضوراً، علم الحديث والاثر ومعرفة التواريخ والسير.. إذ فيه لمقتفيه عبرة من أجل العبر تزيد اللبيب تحقيقاً وتبصيراً، ونشره في المجالس والمحافل، ودرسه في البُكَر والاصائل، وسيلة من أنفع الوسائل، إلى التأسي بالمجاهدين، فينال مع الاجر قبولاً وتوقيراً، فيقتفي السامع آثارهم إذا سبر أخبارهم، وعرف أنهم بذلوا- رغبة فيما عند الله- أعمارهم، فبشرهم بنعمته وفضله تبشيراً، أردت أن اصنف فيما أشرق ضياؤه وانتشر، وشاع في غالب الاقطار واشتهر، من الغزوات التي هي في محيا الدهر كالغرر، والفتوحات الاسلامية التي مبدأها العقد السادس من القرن الثاني عشر».

وهكذا يتضح- وفقاً لكلام ابن غنام نفسه- أنه ألف تاريخه بدافع ذاتي منه لحمته وسداه ادراكه لمنزلة التاريخ الرفيعة بين العلوم لما ينتج عن قراءته من فوائد في طليعتها تأسي الخلف بالسلف، ولما يناله من قام بكتابته من أجر وثواب عند الله. ولقد أوضح ادراكه لخطورة الاقدام على كتابة التاريخ، وصعوبة ظروفه وهو في دار غربة، أي لم يكن في مسقط رأسه. لكنه- مع ذلك- بين أن عاملين أثرا عليه، أو ساعداه، في التغلب على شعوره بخطورة الكتابة وصعوبة ظروفه. وأول العاملين رغبته الملحة في الكتابة، وثانيهما حفزه عليها من قِبَل كان يقدره غاية التقدير. وقد عبر عن هذين العاملين بقوله :«لكن داعي النفس لذلك (أي الكتابة) كثير، والإمام- أيده الله تعالى- يعزم علي في ذلك ويشير».

وإذا كان الكلام السابق يوحي بالهدف من الكتابة ويبين عاملي السلب وعاملي الايجاب في القيام بها، فما الموضوع المستهدف من الكتابة؟

لقد ورد في الكلام السابق المقتبس من مقدمة ابن غنام لتاريخه أنه صنفه لتسجيل الغزوات التي قام بها أنصار دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب- بقيادة آل سعود- ابتداء من العقد السادس من القرن الثاني عشر. وهذا يفيد بأن المستهدف من الكتابة تسجيل الاعمال العسكرية، أو ما سماه الغزوات، التي قام بها اولئك الانصار.

وإذا توسع في المدلول فإنه قد يشمل الظروف السياسية التي واكبتها. على أنه ذكر في المقدمة، ايضاً، أنه سمى تاريخه: روضة الافكار والافهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوي الاسلام. وهذا يفيد أن التاريخ الذي كتبه يشتمل على أمرين: الحديث عن حال الإمام، والحديث عن غزوات أنصار الدعوة التي نادى بها ابن عبدالوهاب. وما هو موجود فعلاً ينطبق على هذين الأمرين.

لقد كان اقتناع ابن غنام بدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب واضحاً كل الوضوح، وكان تقديره لصاحبها ولمن ناصروها بينا كل البيان، وكان الصراع بين انصارها وخصومها- خلال الفترة التي تناولها تاريخه- عنيفاً كل العنف. وعند الحديث عن تاريخه لابد من أخذ كل هذه الامور بعين الاعتبار لكي يحدد مدى تأثيرها على كتابته، اسلوباً، ونهجاً، ومصداقية، وهذا التحديد سيرد الحديث عنه فيما بعد.

النقطة الثانية التي يحسن أن يشار إليها في الكلام عن تاريخ ابن غنام هي محتوياته. يتكون هذا التاريخ من جزأين. اشتمل الجزء الأول منهما على خمسة فصول. تحدث في الفصل الأول عن الاوضاع الدينية- وإلى حد ما السياسية - في نجد والاحساء وبعض البلدان الاخرى، وذلك قبيل ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب.

وتحدث في الفصل الثاني عن حياة الشيخ محمد. أما الفصل الثالث فاشتمل على بعض الرسائل التي ارسلها الشيخ إلى عدد من قادة البلدان والشخصيات. وأما الفصل الرابع فحوى شيئاً من الاسئلة التي وجهت إلى الشيخ واجوبته عنها. وأما الفصل الخامس فقد ورد فيه تفسير الشيخ لبعض سور القرآن وآياته.ويبدأ الجزء الثاني من تاريخ ابن غنام بمواصلة الحديث عن حياة الشيخ محمد، الذي أورده في الفصل الثاني من الجزء الأول، مفصلاً الظروف التي أدت إلى انتقاله من العيينة، حيث بدأ تطبيق دعوته، ثم إلى الدرعية التي أصبحت قاعدة الدولة المناصرة لتلك الدعوة. وبعد ذلك بدأ الحديث عن الأعمال العسكرية- أو الغزوات- لتلك الدولة، ابتداء من عام 1159هـ.

بدأ ابن غنام حديثه عن الاوضاع الدينية باعطاء صوة قاتمة عنها على وجه العموم، إذ قال:

«كان غالب الناس في زمانه (أي زمان الشيخ محمد) متضمخين بالارجاس متلطخين بوضر الانجاس، حتى انهمكوا في الشرك بعد حلول السنة المطهرة بالارماس.. فعمدوا إلى عبادة الاوثان والصالحين، وخلعوا ربقة التوحيد والدين، فجدوا في الاستعانة بهم في النوازل والحوادث، والخطوب المعضلة والكوارث».

ثم أعطى تفصيلات لما كان يمارس في اقليم العارض النجدي بالذات، وفي مدن الحجاز ومصر واليمن والشام والعراق والقطيف. وتلك التفصيلات تدل دلالة واضحة على جهل عظيم بأمور الدين، وتدهور كبير في تفكير من يقومون بها، عقيدة وممارسة. وبعد ذلك أورد أربع فوائد مهمة. وقد ضمن الفائدة الثالثة منها قصيدة من ثلاثة وستين بيتاً للأمير محمد بن اسماعيل الصنعاني مطلعها:





أما آن عما أنت فيه متاب

وهل لك من بعد البعاد اياب

ومما أورده الصنعاني في قصيدته قوله:

نسائل من دار الاراضي سياحة

عسى بلدة فيها هدى وصواب

فيخبر كل عن قبائح ما رأى

وليس لاهليها يكون متاب

لأنهم عدوا قبائح فعلهم

محاسن يرجى عندهن ثواب

كقوم عراة في ذرا مصر ما علا

على عورة منهم هناك ثياب

يدورون فيها كاشفين لعورة

تواتر هذا لا يقال كذاب

يعدونهم في مصر من فضلائهم

دعاؤهم فيما يرون مجاب

وفيها وفيها كل ما لا يعده

لسان ولا يدنو إليه خطاب

وفي كل مصر مثل مصر وانما

لكل مسمى والجميع ذئاب




أما الفصل الثاني من الجزء الأول فعنوانه: نسب الشيخ ومبدأ أمره وما جرى عليه في قيامه بتلك الدعوة من أهل مصره وما صدمه به علماء عصره. وحديث المؤلف فيه هو أول سجل عن حياة الشيخ محمد، نسباً، ومولداً، ودراسة، واسفاراً في طلب العلم، وبداية لدعوته في نجد إلى استقراره في العيينة، مفصلاً ما قام به العلماء المعارضون له من نشاط ضده، وهو النشاط الذي كانت له آثاره على مواقف الامراء منه، وقد ضمن الفصل وقفات سماها مهمات تحدث فيها عن كيفية تعامل الشيخ محمد مع خصومه، وما ينبغي أن يتحلى به الداعية، كما ضمنه رأي الشيخ في التقليد الممنوع والمباح. ومما أورده فيه القصيدة الدالية المشهورة التي أرسلها الأمير محمد بن اسماعيل الصنعاني إلى الشيخ محمد بن عبدالوهاب يثني فيها عليه. وتتألف القصيدة من خمسة وسبعين بيتاً استهلها بقوله:



سلامي على نجد ومن حل في نجد

وإن كان تسليمي على البعد لا يجدي

لقد صدرت من سفح صنعا سقى الحيا

رباها وحياها بقهقهة الرعد

سرت من أسير ينشد الريح إن سرت

ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد

يذكرني مسراك نجداً وأهله

لقد زادني مسراك وجداً على وجد

قفي واسألي عن عالم حل سوحها

به يهتدي من ضل عن منهج الرشد

محمد الهادي لسنة أحمد

فيا حبذا الهادي ويا حبذا المهدي




ومنها:



وقد جاءت الاخبار عنه بأنه

يعيد لنا الشرع الشريف بما يبدي

وينشر جهراً ما طوى كل جاهل

ومبتدع منه فوافق ما عندي




ومما أورده في الفصل الثاني، أيضاً، رسالة الشيخ محمد إلى العالم الاحسائي عبدالله بن محمد بن عبداللطيف، لائماً له على اشتراكه مع خصومه في الكتابة ضده، وبخاصة أن ابن عبداللطيف- كما قال الشيخ محمد- في رسالته قد نشر الله له من الذكر الجميل، وانزل في قلوب عباده له من المحبة ما لم يؤته كثيراً من الناس.

ومع أن أكثر عبارات الرسالة توحي بأن الشيخ محمداً لم يكن مؤملاً كثيراً في اقناع الشيخ ابن عبداللطيف إلا أنه لم يترك وسيلة يظن أنها تؤثر فيه إلا اتبعها، إذ قال:

«ما أحسنك لو تكون في آخر هذا الزمان فاروقاً لدين الله كعمر، رضي الله عنه في أوله».

وأما في الفصل الثالث من الجزء الأول من تاريخ ابن غنام فهو ايراد لرسائل بعثها الشيخ محمد إلى بعض البلدان والشخصيات. ولهذه الرسائل أهمية تاريخية كبيرة لما يمكن أن يستدل بها على شخصية الشيخ والظروف المحيطة بدعوته وبالدولة السعودية التي قامت على أساسها. ولقد كتبت عنها بحثاً مستقلاً ألقيته في الندوة التي أقامتها جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام 1400هـ، ونشر ضمن كتابي بحوث وتعليقات في تاريخ المملكة. وقد تناولت هذه الرسائل من حيث صحة كونها له، واسلوبها الكتابي، ودلالاتها الموضحة للاوضاع الدينية، وبخاصة لدى بادية نجد وحاضرتها، وبدء دعوته، واسلوبه فيها، وموقف المعارضة النجدية له، وموقف كل من علماء الاحساء واشراف الحجاز، وموقفه من هؤلاء واولئك.

ومن المحتمل جداً أنه لو لم يقم ابن غنام بتدوين تلك الرسائل لضاعت، لكن تدوينه لها امدنا بثروة تاريخية كبيرة.

ولقد أورد ابن غنام في الفصل الرابع من الجزء الأول من تاريخه أجوبة الشيخ على اسئلة وردت إليه، بعضها كان يراد منها ايضاح مسألة من مسائل الدين، عقيدة وشريعة، وبعضها كان يراد منه ايضاح لما يدعو إليه الشيخ وما يشاع عنه. ومن النوع الأخير ارساله اجابة عن سؤال كان قد وجهه إليه حاكم الكويت، الذي لم يحدد اسمه. وقد فصلت الحديث عن هذه الرسالة، ومدلولاتها التاريخية في كتابي العلاقات بين الدولة السعودية الأولى والكويت (ص 83-87).

وأتى الفصل الخامس والأخير من الجزء الأول من تاريخ ابن غنام ايراداً لتفسير الشيخ محمد سوراً وآيات من القرآن الكريم. ومما له دلالة تاريخية بالذات من هذا التفسير تفسيره لسورة الفاتحة. ذلك أن تفسيره لها كان بناء على التماس بعثه عبدالعزيز بن محمد بن سعود من الدرعية إلى الشيخ وهو ما زال في العيينة. وهذا يدل على أن عبدالعزيز- ابن الأمير محمد بن سعود- كان على صلة بالشيخ واقتناع بدعوته قبل أن ينتقل إلى الدرعية ويتبايع مع أميرها، محمد، سنة 1157هـ- 1744م.


 

Monday 29th July,2002 10896العدد الأثنين 19 ,جمادى الاولى 1423




جريدة الجزيرة السعودية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127