الشيخ عبدالسلام بن برجس آل عبدالكريم

إضاءات منهجية..! نفحة نرجس من حياة الشيخ البرجس..!! للشيخ موسى بن عبد الله آل عبد العزيز

أضيف بتاريخ : 05 / 08 / 2008
                                

إضاءات منهجية..! نفحة نرجس من حياة الشيخ البرجس..!!



للشيخ موسى بن عبد الله آل عبد العزيز


إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله، فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ان لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد ان محمداً عبده ورسوله.

إن لله عباداً مفاتيح للخير مغاليق للشر.. كما في مسند الطيالسي (ج 1ص 277) باسناد صحيح، عن أنس - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "إن من الناس ناساً مفاتيح للخير، مغاليق للشر، وإن من الناس ناساً مفاتيح للشر، مغاليق للخير، فطوبى لمن كان مفاتيح الخير على يديه، وويل لمن جعل مفاتيح الشر على يديه" (ورواه ابن أبي شيبة، في مصنفه: ج7، ص 240، وابن الجعد في مسنده: ج 1ص 209، بنحو من رواية الطيالسي.. واسنادهما صحيحان).

وأول ما يأول هذا الحديث العظيم على دعاة التوحيد والسنة، ورثة الأنبياء في الدعوة إلى الله.. ولأن الداعية الموفق يكون مختاراً من الله في وقت ومكان معين لقوم "ما!" فإن رسالته ميسّرة له في البلاغ والتفهم، {ولكل قوم هاد}، فالهداية قد تكون كلية أو جزئية، حسب ضرورتها.. ينالها من كتب الله له حظاً عظيماً في الدعوة.. وهذا أصل للتفريق بين الرسول والنبي والعالم والداعية.

قلت هذه التوطئة، من أجل الحديث عن نفحة من حياة داعية "موفق!" أصاب نبأ وفاته الدعاة على منهج السلف الصالح أكثر من آلام أهله، والذي جاء فراقه في وقت كثر فيه التخبط والضلالة وظهرت فيه رؤوس الجهالة.. ونحن بحاجة إلى أمثاله من أهل العلم الا وهو صاحب الفضيلة داعية التوحيد والسنة الأخ د. عبدالسلام بن برجس آل عبدالكريم.. ولا نقول إلاّ ما يرضي - ربنا! - : إنا لله وإنا إليه راجعون.

كان درعاً من دروع هذه الدعوة المباركة.. ونرجساً من الرياحين.. أضاف إلى الدعوة تجديداً في أصل من أصولها المندرسة.. رغم عمره القصير والمبارك.

لقد كان نجماً في جيله من نجوم الفقه في الدعوة ومن خواصهم.. بل ومن عدول الدعاة، رفع الله ذكره في الآفاق وبين قومه.. وفيه من صفات الكرم الغزيرة رغم تواضع حاله، بل فقره أمام حمل الدعوة والانفاق عليها ومطالبها في السفر والنشر.. وسد حاجة أصحاب العوز من تلامذته.. فهو كريم الضيافة لا يكاد بيته يخلو من ضيف رغم شغله في البحث العلمي والدرس.

لقد أنبته الله نباتاً حسناً.. فمنذ بداية طلبه للعلم، ظهر منه حب الطلب، ولمعة في الذكاء، فحمل الدعوة وهو على يقين بها، وزاد في التبصر بها، له أسلوب مؤثر - بإذن الله - في الخطابة وفي الأشرطة.. وكان يحمل بين ناظريه رؤية واضحة لمنهج الدعوة القويم.. فاصطدم بالكثيرين الذين ينسبون إلى السلفية مفاهيم خاطئة.. أو يحاولون تلفيق الدعوة ببدع التكفير والخروج.. والتقارب.. فلم تجتله شياطين الحزبية والتعصب ولم ينقد إلى سبل الأهواء.

فظن المتحزبون الذين لبسوا عباءة السلفية - زعموا! - أنه منهم ففاجأهم ببيان أصل من أصول الدعوة اندرس في غمرة مفاهيم "ضالة!" - ذم فيه التكفير والخروج! - باسناد النص والفقه.. ففارقهم وهم يتأملون فيه لسان حالهم لما يحمله من صفات لا توجد فيهم.. - وحق له ان يفارقهم - .

وظن المتعصبون للمذهبية الذين ينتسبون للسلفية ان السلفية لمذهب معين من المذاهب الأربعة أو لاقليم محدود.. وأنه منهم، فصاح في وجوهم حينما ذبّ عن عالم جليل - طعنوا فيه ظلماً وعدواناً! - ليس من المذهبية في شيء، وهو من عين الدعوة، بل مرجعية لها، رغم اختلاف الاقليم.. وألمح شيخنا ابن باز عن رده هذا.

دافع عن الثوابت الحقة في الدعوة فهو من المسارعين في الرد والذبّ.. وتبيان أصولها ورد الشبهات عنها، والتي تعلق بها التكفيريون ونسبوها إليها أو إلى أئمتها.

كان مقرباً من شيخَيء العصر، الامامين: ابن باز والألباني - رحم الله الجميع - فعرفا عنه الرزانة وسمات طالب العلم وأعطياه من حسن المقابلة ما يحسده الكثير من طلبة العلم.

من الأوائل الذين أماطوا اللثام عن فتنة التكفير.. وجددوا مفاهيم السلف في علاقة الحاكم بالمحكوم.. وقالوا كلمة الفصل في هذه المسائل وميّز الله على أيديهم الخبيث من الطيب، فشارك في الفصل بين الجهيمانية والقطبية، وبين - السلفية - وجاء طرحه متزامناً مع طرح المجلة السلفية.. فنفى عن الدعوة السلفية شبهات التكفير والخروج في شريطه المشهور (السلفيون والولاة!).. الذي تحول بعد ذلك إلى كتاب، واستمر في رسالته - هذه! - رغم قلة النشر، في وقت الحاكم والمحكوم في حاجة إلى ضبط هذه العلاقة الشرعية وتصحيحها ونشر مفاهيمها المستقيمة بين شرائح الناس.. وفوجئت بأن كتبه ذات العلاقة، لم تنشر إلاّ بضعة آلاف من النسخ.. ولكني تذكرت حال الخذلان التي تعيشها الدعوة ودعاتها فهو منهم ويصيبه ما يصيبهم.



منهجه في الدعوة

من القلائل الذين فهموا "السلفية!!" بشمول.. وعرفوا أولياتها في الدعوة.. لذلك حرس ثوابتها ودعا إلى أولياتها ورعاها - حسب استطاعته - .. ولم ينشغل في تفاصيل ليس وقت بيانها.. أو ذمها "حسب فهمه!!".. فهو يرى تعدد المذاهب الفقهية سلماً للتفقه في الدين، مع ذم التعصب لها، والاختلاف في الأصول، لأن أئمتها ليسوا مختلفين في الأصول - خصوصاً - في "التوحيد!!".

أوذي أذى كبيراً من المتحزيين ومن بعض "الغلاة!!" السلفيين.. ولم يلق بالاً لهم.. فهو يرى من الخطر على الدعوة وعلى المسلمين ما لم يدركوه بعقولهم ولا بافهامهم.. فتراه يذم الأفكار ولا يسم الأشخاص "المعينيين!!" أو الأحزاب باسمها المعين.. إلاّ عند الضرورة.. له أكثر من عشرين مصنفاً بين تحقيق وتأليف منها: كتابه الفيصل (معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة)، ورسالته الفريدة (الحجج القوية على ان وسائل الدعوة توقيفية!).. و(ضرورة الاهتمام بالسنة النبوية).

وفاته: من أجمل الرؤى له قبل موته: ان الإمام ابن باز حمله بين يديه وتأويلها غير موته.. أنه من مدرسته وسند متصل به.. فلا يدعي أحد أنه تابع له.. بل هو درع من دروع الدعوة التي ذب عنها شبهات التكفير وفقه - العبَّاد - ، بعد موت إمام الدعوة المعاصر ابن باز - رحم الله الجميع! - وهذا ما يفسر منهجه في الدعوة آنف الذكر.. مات - رحمه الله - في يوم الجمعة عندما كان عائداً من سفره إلى الأحساء في حادث سير أودى بحياته، بعد محاضرة له هناك، وكل هذه الإشارات - إن شاء الله - علامات لحسن خاتمته، وصفت هذه النفحة من حياته وشخصه - الكريم! - كما - أحسبه ولا أزكي على الله أحداً - وفاءً لمنهج الدعوة أولاً.. ثم ثانياً: لأنني كنت آخر سطور في حياته فدار بيننا أحاديث في هموم الدعوة قبل موته بساعة من الزمن تزيد أو تقل قليلاً.. فقد كان مهتماً بالدعوة وهمومها، فهي شغله الشاغل حتى آخر ساعة من حياته.. نسأل الله ان يأجرنا في مصيبتنا ويخلف للمسلمين خيراً منه، وان ينزل عليه شآبيب رحمته، وان يرفع درجاته في عليين، والا يحرمنا أجره ولا يفتنَّا بعده، وصلى الله وبارك على نبينا محمد وآله وسلم، والحمد لله الهادي إلى سواء السبيل.


نشرت في جريدة الرياض.


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127