الشيخ هشام بن فهمي العارف

كيف النجاة في زمن الفتن - الشيخ هشام بن فهمي العارف

أضيف بتاريخ : 05 / 11 / 2009
                                

كيف النجاة في زمن الفتن


إعداد : هشام بن فهمي العارف


مما قاله النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ : "إن السعيد لمن جنب الفتن ، إن السعيد لمن جنب الفتن ، إن السعيد لمن جنب الفتن ، ولمن ابتلي فصبر فواهًا(1). رواه أبو داود ، وهو في "الصحيحة" (975) .


وحقيقة من حظه السعادة بالنجاة من الفتن أن يكون رفيقاً ، حليماً ، صابراً . لأن أخطر ما في الفتن إصابة معتقد المؤمن


الضعيف بالخلل الذي ينقله إلى الكفر الأكبر ـ والعياذ بالله ـ ، أو ينقله إلى كفر دون الأول بحيث يستحل دم أخيه المسلم ، أو عرضه ، أو ماله . مصداقاً لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي رواه الإمام مسلم : "بادروا بالأعمال فتناً ؛ كقطع الليل المظلم ، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً ، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً ، يبيع أحدهم دينه بعرض من الدنيا قليل" . وفي رواية : "يبيع أقوام دينهم بعرض الدنيا".


ومن أسباب هذا الخلل الذي يصيب المعتقد :


الغفلة عن كتاب الله ـ عز وجل ـ ، وآثار نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفهوم صحابته ـ رضوان الله عنهم ـ المنقولة إلينا بالأسانيد الصحيحة .


وللخروج من هذا الخلل فواجب على المسلم المسارعة كما نبه إلى ذلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله "بادروا" وذلك بالإقبال على كتاب الله ـ تعالى ـ وسنة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفهوم الصحابة ـ رضوان الله عنهم ـ بالتعلم ، مصداقاً لقوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ : "إنما العلم بالتعلم". أخرجه الخطيب في "تاريخه" وهو في "الصحيحة" (342) .


ومن الخلل الذي يصيب المعتقد :


عدم الرجوع إلى أهل الذكر في المسألة والفتوى . قال ـ تعالى ـ في سورة النحل ، وفي سورة الأنبياء : (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ) .


وللخروج من هذا الخلل فواجب على المسلم الرجوع إلى أهل الذكر بالسؤال عن دينه ، وعليه أن يبذل جهده مخلصاً في سؤال من عُرف بورعه وتقواه واتباع منهج النبوة والسلف .


ومن الخلل الذي يصيب المعتقد :


قبول الشائعات ، وكثرة القيل والقال ، والإقبال على التحليلات السياسية البعيد قائلها عن السياسة الشرعية لبعده عن الكتاب والسنة بفـهم سلف الأمة . فقد أخرج الإمام أحمد في "مسنده" وهو في "الصحيحة" (1013) عن عمر بن الخطاب وهو يخطب الناس فقال في خطبته عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : "إن أخوف ما أخاف على أمتي كلُّ منافق عليمُ اللسان".


وللخروج من هذا الخلل فالواجب على المسلم التثبت من الأخبار المتناقلة ممتثلاً قوله ـ عز وجل ـ في سورة الإسراء : (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) وقوله ـ عز وجل ـ في سورة الحجرات : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ..).


ومن الخلل الذي يصيب المعتقد :


التعلق بآثار مسندة عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لكنها ضعيفة أو مـكذوبة ، مما ينتج عنه في زمن الفتن تأليف خرافات ، وقصص واهيات ، وادعاء أحلام ومنامات ، تعين المشعوذين والسحرة وأهل الضلال في مهنتهم وترويجهم الباطل الذي يقصدون منه جمع المال وتفريق الناس وإحداث فتن مـؤلمة .


وللخروج من هذا الخلل لا بد من التعلم والتثبت وسؤال أهل الذكر على نحو ما بيناه .


ومن الخلل الذي يصيب المعتقد :


التعلق بأقوال من يتمسحون بالمشيخة من غير علم ولا دليل صحيح ولا برهـان .


وللخروج من هذا الخلل ، أذكر لك ما قاله أهل الذكر في صفات من يؤخذ عنه العلم ويعرف منه الحق .


فقد أخرج ابن عبد البر في " الجامع" (صحيح الجامع ـ صفحة :300) عن ابن عيينة قال : العالم : الذي يعطي كل حديث حقه .


وقال عبد الله بن حبيب : سمعت ابن الماجشون يقول : " كانوا يقولون : لا يكون فقيهاً في الحادث من لم يكن عالماً بالماضي".


وعن محمد بن المنكدر قال : " ما كنا ندعو الرواية إلا رواية الشعر ، وما كنا نقول للذي يروي أحاديث الحكمة إلا : عالما".


وقال الخليل بن أحمد : " الرجال أربعة : رجل يدري ، ويدري أنه يدري فذلك عالم فاتبعوه وسلوه . ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري فذلك جاهل فعلِّموه ، ورجل يدري ولا يدري أنه يدري فذلك غافل فنبهوه . ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فذلك مائق ـ يعني أحمق غبي ـ فاحذروه .


وقال الإمام ابن رجب البغدادي ـ رحمه الله ـ في كتابه "فضل علم السلف على الخلف" (صفحة : 38) : "وقد ابتلينا بجهلة من الناس يعتقدون في بعض من توسع في القول من المتأخرين أنه أعلم ممن تقدم ، فمنهم من يظن في شخص أنه أعلم من كل من تقدم من الصحابة ومن بعدهم لكثرة بيانه ومقاله ..! ثم قال ـ رحمه الله ـ : وقد شهد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأهل اليمن بالإيمان والفقه ، وأهل اليمن أقل الناس كلاماً وتوسعاً في العلوم ، لكن علمهم علم نافع في قلوبهم ويعبرون بألسنتهم عن القدر المحتاج إليه من ذلك ، وهذا هو الفقه والعلم النافع . فأفضل العلوم في تفسير القرآن ومعاني الحديث والكلام في الحلال والحرام ما كان مأثورا عن الصحابة والتابعين وتابعيهم إلى أن ينتهي إلى أئمة الإسلام المشهورين المقتدى بهم .


لذلك فإني أنصح المسلمين ـ هدادهم الله دوماً إلى الحق ـ أن يتأملوا ما قاله الإمام محمد بن سيرين ـ رحمه الله ـ فيما رواه الإمام مسلم في "مقدمته": "إن هذا العلم دين ، فانظروا عمَّن تأخذون دينكم". وقال : "لم يكونوا يسألون عن الإسناد ، فلما وقعت الفتنة ؛ قالوا : سموا لنا رجالكم . فينظر إلى أهل السنة ؛ فيؤخذ حديثهم ، وينظر لأهل البدع ؛ فلا يؤخذ حديثهم".


ومن الخلل الذي يصيب المعتقد :


الركون إلى حكم العواطف والحماسات ، ولهيب المشاعر ، وغليان الدم ، وردود الفعل الغضبية ، في اتخاذ القرارات المسئولة ، والحكم على الحوادث من خلال التصورات القاصرة والتي تحتاج في الحكم عليها إلى العلم النافع القائم على الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة . مما يفضي في كثير من الأحيان كما شاهدنا سابقاً عند وقوع فتن ؛ الطعن بالعلماء الفضلاء لأنهم يتكلمون خلاف الهوى الذي ضل فيه الأكثرية .


وللخروج من هذا الخلل فالواجب على المسلم أن يكون عدلاً منصفاً ، فلا ينساق مع العواطف الجياشة جهلاً ، ولا ينتصر لهوى حمية ، ولا يكون ظالماً لنفسه ولا لغيره ، بل وقافاً على الحق ، عدلاً في أقواله وأفعاله وأحكامه ، ولا يميل حيث مال الناس ، ويضع العلم الشرعي الصحيح عند أهله ، ولا يعين على فساد الناس ، أو يزيد في فسادهم بذكر ما ليس هم له أهل . فقد روى الإمام مسلم عن عبد الله ابن مسعود قوله : "ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم ؛ إلا كان لبعضهم فتنة".


ومن عظيم فقه الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ أنه بوب في "صحيحه باباً سماه : "باب : من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر الناس عن فهمه فيقعوا في أشد منه". وجاء بقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لعائشة : "لولا حدثان قومك بكفر ، لهدمت الكعبة ، ولبنيتها على قواعد إبراهيم ، ولجعلت لها بابين".


ومن الخلل الذي يصيب المعتقد :


المشاركة (تأييداً) لمخالفات تقدم ذكرها ، أو الرضا عنها بعدم تحريك القلب ـ على الأقل ـ بإنكارها .


وللخروج من هذا الخلل فالواجب على المسلم الانتصار لقول أهل الذكر العلماء الذين يستدلون بأقوالهم بما جاء في كتاب الله وسنة نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفهم صحابته . والانتصار لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي رواه الإمام مسلم : "الدين النصيحة" قيل : لمن ؟ قال : "لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين ، وعامتهم" . يعني إخلاص العبادة لله ، والعمل بكتابه وسنة نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ والتوجه بهذا العلم النافع نصيحة إلى أئمة المسلمين وعامتهم .


ومن الخلل الذي يصيب المعتقد :


الحيرة والتخبط في مسألة الموالاة والمعاداة ، فإن الضعيف من المسلمين في دينه تصير تصوراته في فهم مجريات الأمور في زمن الفتن خلاف ما عليه أهل البصيرة في الدين ، وبناء عليه فلعله يرمي أهل البصيرة بالضلال ـ والعياذ بالله ـ أو يشهر بهم بين الناس ، وقد يجعل ولايته لمن يعادونهم ، أو يجعل معـاداته لمن يوالـونهم . ومعلوم أن مسألة الموالاة والمعاداة مسألة مهمة من مسائل الإيمان في عقيدة أهل السنة والجماعة الذين على منهج النبوة والسلف . فالتلاعب في هذا الباب خطير جداً لأنه يفضي إلى الذي حذر منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ : "يبيع أحدهم دينه بعرض من الدنيا قليل".


إن ما يعيشه أفراد الأمة اليوم ـ إلا من رحم ربي ـ من خلل في الاعتقاد وجهل كبير بمسائل الإيمان أفضى إلى فتح بوابات الفتن وأخشى أن نكون على أعتاب مصراعيها .


إن كرة الفتن تتدحرج في كل اتجاه ولن ينجو منها إلا من أحب الله نجاته ، فالسعيد كما قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لمن جنب الفتن . واعلم أنه لا يكون المخرج من ذلك إلا اللجوء إلى الله ـ تعالى ـ بالدعاء والتضرع ، والتمسك بدينه وهدي نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ . روى ابن أبي شيبة عن حذيفة قال : "ليأتين على الناس زمان لا ينجو فيه إلا من دعا بدعاء كدعاء الغريق ".


إن الذي ساعد على فتح بوابات الفتن ـ ونعوذ بالله منها ـ أسباباً مشاهدة ملموسة على أرض الواقع على رأسها :


أولاً : فتنة التفرق والافتراق ، وأصل انتعاشها : انتهاج مناهج متعددة بعيدة عن منهج النبوة والسلف . فكانوا في الأمة كما قال ـ تعالى ـ في سورة المؤمنون : (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) .


ونشأت هذه الفتنة بسبب فتن أخرى منها :


فتنة ترك التعلم الشرعي الصحيح ، وفتنة ابتداع البدع والمحدثات ، وأخطرها المعتقدات المخالفة لهدي النبوة وجراءة أهلها على سب الصحابة ـ رضوان الله عنهم ـ أو غمز أو لمز أحد منهم ، وفتنة استغراب السنة ، وفتنة التشهير بالعلماء ، وفتنة دُعاةٍ على أبواب جهنم من أجابهم قذفوه فيها ، هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا . وفتنة تضييع الأمانة ، وسبب ذلك أن الأمر وسِّد لغير أهـله ، وفتنة قبض العلماء واتخاذ الناس رؤساء جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا . وفتنة التعلق بأقوال الخلف وترك أقوال السلف ، وفتنة الخروج على الحكام ، وفتنة التكفير ، وما تلاها من أعمال القتل والتفجير ، وفتنة الطعن في الدعوة السلفية ووصف دعاتها بالعمالة ، وترك الجهاد ، والعكوف على الكتب الصفراء ، وجهلهم بالواقع ، وفقههم فقط بسراويل النساء . وتنتهي هذه الفتنة ؛ فتنة التفرق والافتراق في أغلب الأحيان إلى الهرج ـ والعياذ بالله ـ والهرج : القتل .


ثانياً : فتنة النساء . وقد حذر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الحديث الصحيح من فتنتهن بقوله : " ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء". فصار الرجال إلى الديوثة ـ إلا من رحم ربي ـ وذابت فوارق التمييز بين الرجل والمرأة ، وسببه الاختلاط والسفور وتشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال ، وفتح بذلك باب الفتن بالأمراض الغريبة الفتاكة .


ثالثاً : فتنة الدنيا . وقد حذر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ منها بقوله : "إن لكل أمة فتنة ، وفتنة أمتي المال". أخرجه الترمذي ، وأحمد ، وغيرهما وهو في "الصحيحة" (2701) . ونشأ عن ذلك عدم مبالاة المرء بما أخذ المال ؛ أمن حلال أم من حرام .


رابعاً : فتنة ارتكاب الكبائر والمعاصي ، وظهور القينات والمعازف وشرب الخمـر .


خامساً : فتنة إمارة السفهاء ، والأئمة المضلين ، ونطق الرويبضة .


سادساً : فتنة التعلق بالسحرة والكهنة والمشعوذين .


سابعاً : فتنة غلبة الكفرة والظالمين والفاسقين .


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127