الشيخ عبدالرزاق بن عبدالمحسن العباد البدر

إنّ الذين ءامنوا وعملوا الصّالحات سيجعل لهم الرّحمنُ وُدّا - الشيخ عبدالرزاق العباد البدر

أضيف بتاريخ : 03 / 11 / 2009
                                
بسم الله الرحمن الرحيم

 

إنّ الذين ءامنوا وعملوا الصّالحات سيجعل لهم الرّحمنُ وُدّا

(خطبة صلاة الجمعة بمسجد القبلتين 14/04/1430هـ)

 

إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له و من يضلل الله فلا هادي له، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمّداً عبده و رسوله و صفيُّه و خليله و أمينه على وحيه و مبلِّغُ الناس شرعَه، ما ترك خيراً إلا دلَّ الأمّة عليه و لا  شرّاً إلا حذّر الأمّة منه فصلوات الله و سلامه عليه وعلى آله و صحبه أجمعين أما بعد؛

معاشر المؤمنين عباد الله، اتقوا الله تعالى و راقبوه في السر و العلانية و الغيب و الشهادة مراقبة من يعلم أنّ ربَّه يسمعه ويراه.

عباد الله يقول الله تبارك و تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً } [مريم96].

عباد الله هذه ثمرة عظيمة من ثمار الإيمان وأثر مبارك من آثاره العظام يجنيه المؤمن بإيمانه بالله وقيامه بالأعمال الصّالحات بإقباله بقلبه على الله مخلصاً صادقاً مُحبّاً مُنيباً، وبقالبه بالقيام بالأعمال الصالحات و البعد عن المعاصي و الآثام فإنَّ من أقبل بقلبه على الله  حُبّاً وصدقاً وإخلاصاً وإنابةً وتوكّلاً وطاعةً وتبتّلاً أقبل الله جلّ وعلا بقلوب النّاس إليه حُبّاً وودّاً روى الإمام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: ((إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ إِنِّى أُحِبُّ فُلاَنًا فَأَحِبَّهُ - قَالَ - فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ ثُمَّ يُنَادِى فِى السَّمَاءِ فَيَقُولُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلاَنًا فَأَحِبُّوهُ. فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ - قَالَ - ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِى الأَرْضِ. وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ إِنِّى أُبْغِضُ فُلاَنًا فَأَبْغِضْهُ - قَالَ - فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ ثُمَّ يُنَادِى فِى أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ فُلاَنًا فَأَبْغِضُوهُ - قَالَ - فَيُبْغِضُونَهُ ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِى الأَرْضِ))([1]. )

هذا الحديث ـ عباد الله ـ رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث سهل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه و أورد له قصة قال سهل رضي الله عنه: "كُنَّا بِعَرَفَةَ فَمَرَّ عُمَرُ ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ عَلَى الْمَوْسِمِ فَقَامَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ لأَبِى: يَا أَبَتِ إِنِّى أَرَى اللَّهَ يُحِبُّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ. قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قُلْتُ: لِمَا لَهُ مِنَ الْحُبِّ فِى قُلُوبِ النَّاسِ. فَقَالَ بِأَبِيكَ أَنْتَ سَمِعْتَ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم". ثُمَّ ذَكَرَ الحديث المتقدم وروى البيهقي أنّ أبا الدّرداء رضي الله عنه كتب إلى مسلمة بن مخلد رضي الله عنه و كان ولي مصر: "سلام عليك أمّا بعد، فإنَّ العبد إذا عمل بطاعة الله أحبّه الله وإذا أحبّه الله حبّبه إلى عباده و إنّ العبد إذا عمل بمعصية الله أبغضه الله وإذا أبغضه الله بغّضه لعباده".

عباد الله، إنَّ الإيمان بالله و القيام بطاعته جلّ و علا و البعد عن معاصيه سبب لكل خير وفلاح ورفعة في الدّنيا والآخرة و هو سبب لمحبّة و قبول و رضى يطرحه الله جلّ و علا لعبده المؤمن القائم بطاعة الله المبتعد عن معصية الله .

عباد الله، و ليس المراد بالقيام بالأعمال الصالحات أن يقوم بها الإنسان تصنّعا و تزلفاً ومراءاة للناس وتظاهراً لهم بالأعمال الصالحات، وإنّما المراد بذلك ـ عباد الله ـ أن يقوم بذلك مخلصاً لله طالباً رضاه جلَّ و علا، أمَّا من يقوم بالأعمال الصالحات على وجه المراءاة للناس والتصنع فإنه لا يزداد بذلك عند الله إلا بُعداً و في قلوب الناس لا يزداد إلا مَقتاً، روى ابن أبي حاتم في تفسيره عن الحسن البصري رحمه الله تعالى قال: قال رجل: واللهِ لأعبدنَّ الله عبادةً أُذكر بها، فكان لا يُرى في حين صلاة إلا قائماً يصلي وكان أوّلَ داخل للمسجد وآخر خارج، فكان لا يُعظَّم فمكث بذلك سبعة أشهر وكان لا يمر على قوم إلا قالوا انظروا إلى هذا المرائي، فأقبل على نفسه فقال: لا أُراني أذكر إلا بشر لأجعلنّ عملي كلَّه لله عز و جل، فلم يزد على أن قلب نيته ولم يزد على العمل الذي كان يعمل فكان يمر بعدُ بالقوم فيقولون رحم الله فلانا الآن" و تلى الحسن رحمه الله تعالى قول الله جلّ و علا: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً } .

عباد الله إنّ الإيمان بالله والأعمال الصالحات و البعد عن المعاصي و الآثام عنوان للسعادة والفلاح في الدنيا و الآخرة و كفى بهذا الأمر شرفاً و نُبلاً أن يحظى العبدُ بحبِّ الله له، و في الدُّعاء المأثور: ((اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ وَالْعَمَلَ الَّذِى يُبَلِّغُنِى حُبَّكَ )).

أقول هذا القول و أستغفر الله لي و لكم و لسائر المسلمين من كلِّ ذنب فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرّحيم.

الحمد لله عظيم الإحسان واسع الفضل و الجود و الامتنان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده و رسوله صلى الله و سلم عليه و على آله و صحبه أجمعين أما بعد؛

عباد الله، اتقوا الله تعالى ثم اعلموا رحمكم الله أن من فروع ما تقدم ما جاء في سنن ابن ماجه و غيره بأسانيد جيدة من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه و سلم: دُلَّنِى عَلَى عَمَلٍ إِذَا أَنَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِىَ اللَّهُ وَأَحَبَّنِىَ النَّاسُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ((ازْهَدْ فِى الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ وَازْهَدْ فِيمَا فِى أَيْدِى النَّاسِ يُحِبُّوكَ)).

 عباد الله، واعلموا رعاكم الله أنّ أصدق الحديث كلام الله و خير الهدى هدى محمد صلى الله عليه و سلم و شرّ الأمور محدثاتها و كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار وعليكم بالجماعة فإنّ يد الله على الجماعة و صلوا و سلموا رعاكم الله على إمام المتقين و قدوة عباد الله أجمعين محمد بن عبد الله كما أمركم الله بذلك فقال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً } [الأحزاب56]، و قال صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ صَلَّى عَلَىَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بها عَشْرًا )).

اللهمّ صلِّ على محمّد و على آل محمد كما صليت على إبراهيم و على آل إبراهيم إنّك حميد مجيد، و بارك على محمد و على آل محمد كما باركت على إبراهيم و على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

و ارضَ اللهمّ عن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وعثمان ذي النورين و أبي الحسنين علي، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين.

اللهمّ و اعمر قلوبنا بحبِّهم يا ذا الجلال و الإكرام اللّهم أصلح لنا شأننا كلّه و اغفر لنا ذنوبنا كلّها ما تقدم منها و ما تأخّر.

اللهم أعزّ الإسلام و المسلمين و أذل الشرك و المشركين و دمِّر أعداء الدين و احم حوزة الدين يا رب العالمين.

اللهمّ وفّق ولي أمرنا لرضاك و اجعل عمله في طاعتك و ارزقه البطانة الصالحة الناصحة التي تدله على الخير و تعينه عليه.

اللهمّ وفق جميع ولاة أمر المسلمين للعمل بكتابك و اتباع سنة نبيك محمد صلى الله عليه و سلم و اجعلهم رحمة ورأفة على رعاياهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.

اللهمّ آت نفوسنا تقواها زكِّها أنت خير من زكّاها أنت وليها ومولاها.

اللهمّ أصلح ذات بيننا و ألّف بين قلوبنا و اهدنا سبل السلام و أخرجنا من الظلمات إلى النور و بارك لنا في أسماعنا و أبصارنا و أزواجنا و ذرياتنا و أموالنا و أوقاتنا و اجعلنا مباركين أينما كنا.

اللّهم اغفر ذنوب المذنبين و تُبْ على التائبين و اكتب الصّحة و العافية لعموم المسلمين.

اللّهم اشْفِ مرضانا ومرضى المسلمين وارحم موتانا وموتى المسلمين.

اللّهم فرِّج همَّ المهمومين و نفِّس كرب المكروبين و اقضِ الدَّيْن عن المدينين.

اللّهم وأصلح لنا شأننا أجمعين اللهم اغفر لنا ذنبنا كله دقه و جله أوله و آخره سره و علنه اللهم اغفر لنا ما قدمنا و ما أخرنا و ما أسررنا و ما أعلنا و ما أنت أعلم به منا أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت.

اللّهم إنا نستغفرك إنّك كنت غفّاراً فأرسل السماء علينا مدراراً، اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من اليائسين

ربَّنا آتنا في الدنيا حسنة و في الآخرة حسنة و قنا عذاب النّار.

عباد الله، اذكروا الله يذكركم و اشكروه على نعمه يزدكم و لذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.







([1]) ورواه البخاري (3209) مختصراً من طريق موسى بن عقبة عن نافع عن أبي هريرة.



اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127