الشيخ عبدالرزاق بن عبدالمحسن العباد البدر

البيوع المحرمة - الشيخ عبدالرزاق العباد

أضيف بتاريخ : 30 / 10 / 2009
                                
بسم الله الرحمن الرحيم

 

البيوع المحرمة

(خطبة صلاة الجمعة بمسجد القبلتين 02/03/1430هـ)

 

إنّ الحمد لله نحمده و نستعينه و نستغفره و نتوب إليه و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و أشهد أن محمد عبده و رسوله صلى الله و سلم عليه و على آله و صحبه أجمعين أما بعد؛

عباد الله، اتقوا الله تعالى و راقبوه مراقبة من يعلم أن ربّه يسمعه و يراه.

عباد الله، إنّ الله جلّ و علا أحل لعباده الكسب المباح و أباح لهم الرزق الحلال وجعل لهم في الأرض أبواباً للكسب عديدة و طرقا لنيل الرزق كثيرة قال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً } [النبأ11]. و قال تعالى: { وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ } [الأعراف10]. وقال تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ } [البقرة198]. و قال تعالى: { وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ } [المزمل20]. و قال تعالى: { فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ } [الجمعة10]. وقال تعالى: { وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } [البقرة275].

والآيات في هذا المعنى كثيرة، ولكن عباد الله يجب على كل مسلم أن يأخذ المال بحقه و أن يصرفه في حله و أن يكون كسبه للمال من الطرق الشرعية و السبل المرضية وأن يحذر أشد الحذر من المكاسب الخبيثة و الأرباح المحرمة يقول صلى الله عليه وسلم: ((فَمَنْ يَأْخُذْ مَالاً بِحَقِّهِ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ وَمَنْ يَأْخُذْ مَالاً بِغَيْرِ حَقِّهِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الَّذِى يَأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ)) رواه مسلم، أي أنّ البركة تنزع من ماله و إن كثر و تعدد، وأيّ خير يرجى من مال قد نزعت منه بركته و قال صلى الله عليه و سلم: ((إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ مَنْ أَصَابَهُ بِحَقِّهِ بُورِكَ لَهُ فِيهِ وَرُبَّ مُتَخَوِّضٍ فِيمَا شَاءَتْ بِهِ نَفْسُهُ مِنْ مَالِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لَيْسَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلاَّ النَّارُ)) رواه الترمذي و قال: حديث حسن صحيح، وقال صلى الله عليه و سلم: ((إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ وَوَضَعَهُ فِى حَقِّهِ فَنِعْمَ الْمَعُونَةُ هُوَ)) رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: ((إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لاَ يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ { يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} وَقَال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} ». ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِىَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ)) رواه مسلم، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ((لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لاَ يُبَالِى الْمَرْءُ بِمَا أَخَذَ الْمَالَ ، أَمِنْ حَلاَلٍ أَمْ مِنْ حَرَامٍ )) رواه البخاري، وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ((لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ النَّارُ أَوْلَى بِهِ)). رواه أحمد و الدرامي و غيرهما، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جداً.

عباد الله، ألا فليتق الله كلُّ مسلم في تجارته و ماله و بيعه و شرائه و في جميع أحواله وليحذر من كل بيع محرم فإنَّ البيوع المحرمة عباد الله مكاسبها نكدة خبيثة و عواقبها في الدنيا و الآخرة سيئة مردية فهي منزوعة بركتها رديئة في حقيقتها خبيثة في مضمونها مهلكة في عاقبتها و خاتمتها.

عباد الله، والبيوع المحرمة كثيرة يجب على كل مسلم أن يحترز منها و أن يحذر أشد الحذر من الوقوع في شيء منها ليسلم له ماله و ليبارك له في رزقه وإنّ من البيوع المحرمة المنهي عنها بيع السلع المحرمة لأنّ الله سبحانه إذا حرّم شيئاً حرم ثمنه وذلك بأن يبيع الإنسان شيئا منهيا عن بيعه فقد نهى صلى الله عليه و سلم عن بيع الميتة والخمر والخنزير والأصنام، فمن باع الميتة أي اللحوم التي لم تذك ذكاة شرعيّة فإنه يكون قد باع محرما واستفاد ثمناً حراماً، وكذلك من يبيع اللحوم والأطعمة المتغيرة أو التي انتهت مدة صلاحيتها مما قد يضر بالناس تناولها، وهكذا بيع الأطعمة المعلبة و غيرها مما قد انتهت مدة صلاحيته فيضر الناس استعماله أوقد يسبب لهم أمراضاً مزمنة أو تسمما أو نحو ذلك، و من البيوع المحرمة بيع الخمر والمراد كل ما أسكر لقول النبي صلى الله عليه و سلم: ((كلُّ مسكر خمر، وكلُّ خمر حرام)). و كذلك من باب أولى بيع الحشيش و الأفيون والهيروين و غير ذلك من المخدرات و المسكرات فالذي يبيعها و يروجها مجرم في حقِّ المسلمين معدود في جملة الظالمين المعتدين وثمنها من أخبث المحرمات و من أقبح السحت ومروجها يستحق القتل لأنه من المفسدين في الأرض، ومن البيوع المحرمة ـ عباد الله ـ بيع الدُّخان و الشيشة لأنهما خبيثان ممرضان ولهما جناية بالغة على الصحة و ليس فيهما فائدة بأي وجه من الوجوه و أضرارهما على متعاطيهما و المجتمع كثيرة وأول من يعرف ذلك من يتعاطاهما فهما محرمان بلا شك ولا ريب، محرمان من عدة وجوه وليس من وجه واحد ففيهما إضاعة للمال وإذهاب للأوقات في الإثم و الحرام وجناية على الصحة وتشويه للوجه و تسويد للشفة و تلويث للأسنان إلى غير ذلك من المضار و الأخطار فاستعمالهما و تناولهما وكذلك بيعهما و الاتجار بهما محرم، ومن البيع المحرم بيع آلات اللهو و المعازف والطرب باختلاف أنواعها لقول الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ } [لقمان6]، و لقوله صلى الله عليه و سلم: ((لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِى أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ)) رواه البخاري.

ومن البيوع المحرمة ـ عباد الله ـ بيع الأصنام و الصور ذوات الأرواح مثل صور الحيوانات و الطيور و الآدميين فقد لعن رسول الله صلى الله عليه و سلم المصورين و أخبر أنهم أشد الناس عذاباً يوم القيامة و أخبر أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة وكذلك عباد الله المجلات المشتملة على صور النساء بكامل زينتهن و تمام حليهن لما في ذلك من الإغراء بالفاحشة والتهييج للرذيلة و الفساد وكذلك من باب أولى بيع الأفلام الخليعة أفلام الفيديو التي غزت مجتمعات المسلمين والتي يعرض فيها صور النساء صور لنساء عاريات وصور للجرائم الخلقية والفاحشة فيتربى من يراها من النساء و الشباب على حب الفاحشة و الرذيلة و البعد عن قيم الإسلام و آدابه الجليلة.

عباد الله، وإنّ من أخطر ما يكون على المجتمعات المسلمة في هذه الأزمان الأطباق الهوائية لما تحمله في عدد من قنواتها من الضلال و الإلحاد و العهر و الفساد مما يخلخل ديانة مشاهديها ويذهب غيرته و يفسد خلقه و أدبه و يوقعه في حمأة الرذيلة و الفساد.

أيُّها المؤمنون عباد الله، إن الواجب علينا جميعا أن نراقب الله جل وعلا في جميع شؤوننا في عباداتنا و معاملاتنا و بيعنا و شرائنا و جميع أحوالنا و قد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: ((إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِىَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ اللَّه)). وهو جلّ و علا إنما حرم على عباده ما فيه شرٌّ لهم في دينهم و دنياهم و حاضرهم و مستقبلهم و هو سبحانه العليم بخلقه الحكيم في تدبيره فبين سبحانه لعباده ما أحلّ لهم و حدّ حدوده و منعهم من تعديها وبين لهم ما حرم عليهم وحدّ حدوداً ومنع من قربانها فقال في الحلال: { تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } [البقرة229]، وقال في الحرام: { تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } [البقرة187].

نسأل الله الكريم أن يبصّرنا جميعاً بحدود دينه و أن يفقهنا في شرعه و تنزيله و أن يمنّ علينا بالرّزق الطيّب الحلال، اللهم بارك لنا في أعمارنا وأموالنا و ذرياتنا و اغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم .

الحمد لله عظيم الإحسان، واسع الفضل و الجود و الامتنان و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمد عبده و رسوله صلى الله و سلَّم عليه و على آله وصحبه أجمعين أما بعد؛

عباد الله، اتقوا الله تعالى.

عباد الله، لقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله وسلم عليه أنه قال: ((لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أربع))وذكر منها:((وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ)).

عباد الله، فمن علم أنه مسؤول يوم القيامة عن ماله كسباً و إنفاقاً فليعد للسؤال جوابا و للجواب صوابا، والكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت و العاجز من أتبع نفسه هواها و تمنى على الله الأماني، و صلوا و سلموا رعاكم الله على محمد بن عبد الله كما أمركم الله بذلك في كتابه فقال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً } [الأحزاب56]، وقال صلى الله عليه و سلم: ((مَنْ صَلَّى عَلَىَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بها عَشْرًا )).

اللّهم صلِّ على محمّد و على آل محمد كما صليت على إبراهيم و على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمّد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وارضَ اللهمّ عن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين أبي بكر و عمر وعثمان وعلي وارض اللهم عن الصّحابة أجمعين و عن التابعين و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين، اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين وأذلّ الشرك والمشركين، اللهم وآمنا في أوطاننا و أصلح أئمتنا و ولاة أمورنا اللهم وفق ولي أمرنا لهداك و اجعل عمله في رضاك، اللهم آت نفوسنا تقواها زكِّها أنت خير من زكّاها أنت وليها ومولاها، اللهم اغفر لنا و لوالدينا و للمسلمين و المسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم و الأموات، اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا ربنا آتنا في الدنيا حسنة و في الآخرة حسنة و قنا عذاب النار.

عباد الله اذكروا الله يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر و الله يعلم ما تصنعون .      

اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127