تحت هذه الترجمة جاءني الاستفتاء التالي جوابه من الأمانة العامة لمجمع البحوث الإسلامية السكرتارية الفنية بالأزهر، بواسطة صاحب الفضيلة الأمين العام لرابطة علماء المغرب الأستاذ العلامة عبد الله كنون.

فأقول مستعينا بالله العلي العظيم راجيا أن يهديني سواء السبيل.



مقـدمة



قال الإمام النووي في الأربعين: عن أبي ثعلبة الخشني عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: "إن الله فرض فرائض فلا تعتدوها، وحد حدودا فلا تقربوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها" حديث حسن، رواه الدارقطني وغيره.



قال الحافظ بن رجب الحنبلي في شرحه المسمى (جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم) ما نصه: هذا الحديث من رواية مكحول عن أبي ثعلبة الخشني وله علتان: إحداهما أن مكحولا لم يصح له السماع عن أبي ثعلبة، كذلك قال أبو شهر الدمشقي، وأبو نعيم الحافظ وغيرهما.



الثانية أنه اختلف في رفعه ووقفه على أبي ثعلبة، ورواه بعضهم عن مكحول من قوله: لكن قال الدارقطني: الأشبه بالصواب، المرفوع، قال: وهو الأشهر. وقد حسن الشيخ هذا الحديث، وكذلك حسنه قبله الحافظ أبو بكر السمعاني في أماليه

.

وقد روى معنى هذا الحديث مرفوعا من وجوه أخر، خرجه البزار في مسنده، والحاكم من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئا، ثم تلا هذه الآية: {وما كان ربك نسيا} وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وقال البزار: إسناد صالح. وقد خرجه الطبراني والدارقطني من وجه آخر عن أبي الدرداء عن النبي – صلى الله عليه وسلم – بمثل أبي ثعلبة وقال في آخره (رحمة من الله فاقبلوها) ولكن إسناده ضعيف.



وخرجه الترمذي وابن ماجه من رواية سيف ابن هارون عن سليمان التيمي عبد أبي عثمان عن سلمان قال: سئل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن السمن والجبن والفرا فقال : الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه.



وقال الترمذي: رواه سفيان – يعني ابن عيينة – عن سليمان عن أبي عثمان عن سلمان من قوله، وكان أصح. وذكر في العلل عن البخاري أنه قال في الحديث المرفوع: ما أراه محفوظا. وقال أحمد: هو منكر، وأنكره ابن معين أيضا. وقال أبو حاتم الرازي: هذا خطأ، رواه الثقات عن التيمي عن أبي عثمان عن النبي – صلى الله عليه وسلم – مرسلا ليس فيه سلمان. قلت: وقد روى عن سلمان من قوله من وجوه أخر.



وخرجه بن عدي من حديث ابن عمر مرفوعا، وضعف إسناده، ورواه أبو صالح المر عن الجريري عن أبي عثمان النهدي عن عائشة، خرجه أبو داوود وأخطأ في إسناده، وروى عن الحسن مرسلا. و خرجه أبو داوود من حديث ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرا، فبعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم، وأنزل كتابه، وأحل حلاله، وحرم حرامه، فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، ثم تلا قوله تعالى: (قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما) الآية، وهذا موقوف. وقال عبيد بن عمير: إن الله عز وجل أحل الحلال وحرم الحرام، وما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو.



فحديث أبي ثعلبة قسم في أحكام الله أربعة أقسام: فرائض، ومحارم، وحدود، ومسكوت عنه، وذلك يجمع أحكام الدين كلها. قال أبو بكر السمعاني: هذا الحديث أصل كبير من أصول الدين وفروعه، قال: وحكى عن بعضهم أنه قال: ليس في أحاديث رسوا الله صلى الله عليه وسلم حديث واحد أجمع بانفراده لأصول الدين وفروعه من حديث أبي ثعلبة. قال وحكى عن أبي وائلة المزني أنه قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الدين في أربع كلمات، ثم ذكر جديث أبي ثعلبة.



ثم قال ابن السمعاني: من عمل بهذا الحديث فقد حاز الثواب، وأمن من العقاب، لأن من أدى الفرائض، واجتنب المحارم، ووقف عند الحدود، وترك البحث عما غاب عنه، فقد استوفى أقسام الفضل، أو وفى حقوق الدين، لأن الشرائع لا تخرج عن هذه الأنواع المذكورة في هذا الحديث. انتهى.



وقال الإمام ابن القيم في إعلام الموقعين ج1 ص 294 ما نصه: وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه تبارك وتعالى أن كل ما سكت عن إيجابه أو تحريمه فهو عفو، عفا عنه لعباده مباح إباحة العفو، فلا يجوز تحريمه ولا إيجابه، قياسا على ما أوجبه أو حرمه بجامع بينهما، فإن ذلك يستلزم رفع هذا القسم بالكلية وإلغاءه، إذ المسكوت عنه لابد أن يكون بينه وبين المحرم شبه ووصف جامع، أو بينه وبين الواجب، فلو جاز إلحاقه به لم يكن هناك قسم قد عفا عنه، ولم يكن ما سكت عنه قد عفا عنه، بل يكون ما سكت عنه قد حرمه قياسا على ما حرمه، وهذا لا سبيل إلى دفعه، وحينئذ فيكون تحريم ما سكت عنه تبديلا لحكمه، وقد ذم تعالى من بدل غير القول الذي أمر به، فمن بدل غير الحكم الذي شرع له فهو أولى بالذم. إهـ.



قال محمد تقي الدين الهلالي: قد اتضح مما تقدم أن عندنا قاعدة من أصول الفقه مبنية على نص المعصوم صلى الله عليه وسلم، وعلى البراءة الأصلية، فالأصل في كل العقود الإباحة حتى يقوم دليل على المنع، ولما لم أجد نصا في هذه المسألة عزمت على أن أقول فيها برأيي واجتهادي، فإن كان صوابا فمن الله وحده، وإن كان خطأ فمني.



فكل عقد من عقود التأمين صدق عليه حد الربا أو الميسر فهو حرام، ولو أطبق عليه أهل الأرض، من الأوروبيين وغيرهم. وكل عقد سلم من ذلك فيما يظهر لنا فهو مباح، وسأورد من ذلك أمثلة:



الأول: التأمين على الصحة: وهو أن يدفع طالب التأمين قدرا معلوما في كل شهر أو في كل سنة إلى شركة التأمين، على أنه كلما مرض يقوم المِؤمِّن – بكسر الميم – بدفع ما يحتاجه إليه من العلاج كله أو بعضه حسب الاتفاق. وحقيقة هذه القضية أن يتبرع جماعة من الناس، كل منهم بمبلغ من المال، ويرصد ذلك المال ليعالج به كل من مرض من الجماعة، ومن لم يمرض فلا شيء له. والربح الذي يبقى للشركة يكون أجرا للمشرفين عليها والعاملين فيها، ولا يظهر لي أن في هذا شيئا من الربا أو الميسر.



الثاني: التأمين على السيارات: من كانت له سيارة في بلد تفرض حكومته التأمين على كل سيارة، وأي سيارة وجدت بلا تأمين يعاقب صاحبها، يجوز لصاحب السيارة أن يدفع واجب التأمين، لأنه لا يتمكن من استعمال السيارة إلا بذلك، ولأن ذلك ليس بربا ولا ميسر. وإذا كان التأمين تعويضا عن الخسائر التي تقع في المصادمات، أو احتراق السيارة، أو سرقتها، فكل ذلك تعاون محمود يدخل في قوله تعالى في سورة المائدة: {وتعاونوا على البر والتقوى} وإن كانت حكومة البلد لا تفرض ذلك، فهو جائز أو مندوب إليه بما تقدم.



الثالث: التأمين على احتراق مخازن التجارة: متى جرت عادة أهل بلد بالتأمين على مخازن التجارة، والسفن التي تحمل البضائع، والبضائع المرسلة في القطار، أو في الجو، أو في السيارات، فكل من كان ساكنا في ذلك البلد، ولم يدفع التأمين تكون بضاعته أو مخزنه أو سفينته عرضة للضياع مصادفة أو تعمدا، وكل ما أصابته جائحة يبقى وحده بلا معين، فهذا أيضا جائز.



ويدخل في ذلك من باب أخرى التأمين على ما يرسله الشخص في البريد و غيره لضمان سلامة وصوله، وإنما قلت من باب أخرى، لأنه داخل في عقود الإجارة.



الممنوع الذي يشبه القمار أو هو هو التأمين على الحياة



إذا كان المؤمِّن يضمن لشخص أن يعيش زمانا معينا، كثمانين سنة في مقابل مال يأخذه منه مشاهرة مثلا، فإن عاشها فليس له شيء، وإن مات دونها أعطى ورثته ما يتفقان عليه، يظهر لي أن العقد فاسد لأن معرفة طول العمر وقصره لا يعلمها إلا الله، لأنها من مفاتيح الغيب الخمس، فأشبهت القمار على سباق الخيل، أو نزول القمر، وكذلك التأمين على البصر إذا لم يقصد العلاج. بل قال المؤمِّن لطالب التأمين: تؤدي إلي مقدارا من المال منجما وأضمن لك صحة بصرك، فإن ذهب بصرك دفعت لك كذا وكذا من المال، سواء أوقع ذلك بعرض أو بحادث من الحوادث، فهذا العقد فاسد لأن المؤمِّن جاهل بما يصيب بصر طالب التأمين. ومثل ذلك يقال في التأمين على اليدين و الرجلين، والمعدة والقلب والدماغ و غير ذلك من الأعضاء، إلا أن يكون ذلك على سبيل العلاج كما تقدم. وأيضا، فإن هذه الأمور لا تدعو إليها ضرورة كما تدعو إلى القسم الأول المباح.



كتبت هذا وأنا كاره له خوفا من أن أحل ما حرم الله، أو أحرم ما أحل الله، فإن المفتي موقِّع عن الله، فهو على خطر عظيم حين يفتي برأيه والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.



المدينة المنورة