وروى البخاري في باب ما ينهى من دعوى الجاهلية من صحيحه عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية". وروى في الباب نفسه عن جابر قال: غزونا مع النبي صلى الله عليه وسلم وقد ثاب معه ناس من المهاجرين حتى كثروا وكان من المهاجرين رجل لعاب، فكسع أنصاريا فغضب الأنصاري غضبا شديدا حتى تداعوا وقال الأنصاري يا للأنصار، وقال المهاجري يا للمهاجرين، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ما بال دعوى أهل الجاهلية"، ثم قال: "ما شأنهم؟"، فأُخبر بكسعة المهاجري للأنصاري قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "دعوها فإنها خبيثة".



شرح الحديث الأول:

لطم الخدود هو الضرب عليها براحة اليد جزعا من المصيبة وهي عادة خبيثة تفعلها النساء ومن يتشبه بهن من الرجال. وشق الجيوب: تقطيعها وتمزيقها، والجيوب: محل دخول الرأس من القمص، ودعوى الجاهلية في هذا الحديث هو ما تقوله النادبة من التحسر على الميت والتحسر عليه كقولها واجبلاه تعني يا جبلي وملجأي الذي ألجأ إليه عند الفزع ذهبت وتركتني. فإلى من ألجأ؟ وقال شراح البخاري إن كان فاعل ذلك مستحلا له فهو كافر، فلا تأويل لقول النبي صلى الله عليه وسلم ليس منا. أي ليس من أهل ديننا. وإن لم يكن مستحلا وإنما غلب عليه الجزع ثم رجع وتاب وندم فمعناه ليس من سنتنا. فيكون ذنبا من الكبائر.



شرح الحديث الثاني:

الكسعة: هي الركلة بالقدم في الدبر. وقوله: لعابا أي كثير اللعب والمزاح. وقول: ثاب رجال اجتمعوا.

وحاصل القصة أن أحد المهاجرين كان مزاحا فركل أنصاريا برجله في دبره فغضب الأنصاري وثارت فيه الحمية فاستغاث بقومه فاستغاث المهاجري بالمهاجرين ليدافع كل عن صاحبه فخرج النبي صلى الله عليه وسلم، وزجرهم عن ذلك بقوله: "ما بال دعوى أهل الجاهلية"، أي لماذا تدعون بدعوى أهل الجاهلية وهي التعصب للقبائل والأوطان والمذاهب والأحزاب ونصرهم المطلق سواء أكانوا على حق أم على باطل. ومن دعوى الجاهلية الافتخار بالنسب والتعاظم والتعالي به واحتقار غيره. ونظام الطبقات نظام فاسد متى تمكن من شعب شتت شمله وفرق جمعه وأشاع القطيعة و البغضاء فيما بين أفراده وهو نظام مقدس عند الهنادك يزعمون أن الآلهة حكمت به لترضى كل طبقة بحالها وتسلم سيادة الطبقة التي فوقها. وكذلك كان هذا النظام شائعا في الفرس على طريق القهر والتغلب لا على طريق العقيدة فكانت عندهم طبقة الملوك ثم طبقة الأمراء ثم طبقة أرباب الإقطاع الذين يملكون الأرض ومن يعمل فيها من إنسان وحيوان. وهؤلاء يتوصلون إلى مراتبهم بإقطاع ملك ظالم أو أمير غشوم. وقد يتوصلون إلى ذلك برؤوس أموال ضخمة جمعوها من المناصب العليا أو تعاطي الربا أو هما معا. ومن أهم الإصلاح الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم إبطال هذا النظام كيفما كان نوعه. وقد رأيت بعضه في الشرق ولا أريد ذكره هنا كراهة الخروج عن الموضوع. وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي مالك الأشعري: أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والإستسقاء بالنجوم، والنياحة.



شرح هذا الحديث:

قوله: أربع، أي أربع خصال من أمر الجاهلية أي من صفة الكفار وأخلاقهم والإسلام بريء منها. والأحساب شرف الآباء ومفاخرهم. والطعن في الأنساب احتقار أنساب الناس وذمها وانتقادها. والاستسقاء بالنجوم ادعاء معرفة السنة المخصبة بواسطة النظر في النجوم. والنياحة الندبة على الميت وقد تقدم شرحها. فالملك محمد الخامس رحمة الله عليه أراد أن يعالج أمراض شعبه ليشفيهم بإذن الله من هذا الداء الوبيل وهو في ذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمصلحين من بعده، وقد انتفع كثير من أولي الألباب بهذا الإصلاح المحمدي فتركوا الافتخار بالأنساب واعتمدوا على العلم والعمل. وما أحسن ما قيل في هذا المعنى :




علـــيـك بتقـوى الله والــــزم حــدوده *** ولا تترك التقوى اتكـالا على النسب

فقــد رفـع الإسـلام سلمـان فــارس *** وقـد وضع الكفـر الشريــف أبـا لـهـب




ومما ينسب إلى علي رضي الله عنه :


النــاس مـن جهـة التـمـثـيـل أكـفــاء *** أبـــــــوهـــــــــم آدم والأم حــــــــــواء

فــإن يكـن لهـم في  أصلهـم شــرف *** يــفـاخـــرون بـــه فالـطــيـن والمــــاء

مـا الفـخــر إلا لأهــل الـعـلـم  إنـهـم *** على الهـدي لـمن  استـهـــدى أدلاء




وقال آخر:


عجـــبـت لــذي جـهــل يـظـن جدوده *** تــرقــيـه والـمــرفــوع بالفـعل فاعـلـه




وقال غيره :


لـســـنــا وإن أحــســــابـنـا كــرمـــت *** يــومـــا عــلــى الأحــســـاب نـتـكـل

نـبـنــي كــــمـــا كــانـت أوائـــلـــنـــــا *** تــبـنــي ونــفــعــل مــثــل ما فـعـلوا




وقال آخر :


إن كـنـت تـسـمو بـآبــاء ذوي حسب *** قــد صـدقـت ولـكــن بـئــس ما ولدوا




وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى يوم القيامة: أيها الناس إني جعلت لي نسبا وجعلت لكم نسبا فرفعتم نسبكم ووضعتم نسبي، فاليوم أرفع نسبي وأضع نسبكم، أين المتقون؟.  



جريدة الميثاق: عدد 1 ذو القعدة 1382هـ موافق 26 مارس 1963م