الشيخ محمود لطفي عامر

هل في مصر علماء سنة ؟! - الشيخ محمود عامر

أضيف بتاريخ : 24 / 10 / 2009
                                

هل في مصر علماء سنة ؟!


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ........ أما بعد


إنه تساؤل للتعجب وليس للنفي المطلق ، وفي نفس الوقت يحمل في طياته حسرة على ما ُيسمع ويكتب ويرى فأصبح الدين مجرد ألعوبة بين جماعات خارجية تكفيرية إرهابية تفجيرية تحمل السلاح وتضرب الرقاب بتفسيرهم للنصوص الشرعية على غير تفسيرها الصحيح ، وبين متكلمين بعقولهم واستنتاجاتهم الشاذة والبعيدة كل البعد عن فهم الأولين من خير القرون ، وكل هذه الطوائف البدعية يجمعها قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد ومسلم :

" يقرؤون القرآن ويحسبون أنه لهم وهو عليهم ....."


ثم أما بعد


فقد نشرت جريدة أخبار البحيرة والأقاليم في عددين من السنة الرابعة 116 /117 ومن خلال ندوات تعقد في خيمة الكرام الدينية للطريقة العزمية الصوفية .

حيث نشرت الجريدة أموراً تتعلق بعقيدة المسلمين وثوابتها والتي ينبغي أن نعتبر الخوض فيها بغير علم وتحقيق إنما هو تجاوز لحدود حمراء بل ألغام تهلك الخائض فيها وتفتح على الناس باب شر وشك ومن هذا الذي خاض فيه بعض الناس ما يلي :

1- الإدعاء بأن النبي صلى الله عليه وسلم أول الخلق .

2- الإدعاء بأن النبي صلى الله عليه وسلم خلق من نور .

3- الإدعاء بأن النبي صلى الله عليه وسلم يستجار به بعد موته .

4- الإدعاء بأن الكون كله خلق لأجل النبي صلى الله عليه وسلم .


وعلى هذه الادعاءات أرد بحول الله وقوته وتوفيقه :


أولاً : لابد من التنبيه أن مجال العقائد والعبادات لا مجال فيها للرأي المجرد ، بل المرجع فيها للكتاب والسنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا من حيث صحة الأدلة وثبوتها ، أما من حيث فهمها فالعمدة في ذلك ما فهمه الأولون من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم لأن القرآن نزل بلسانهم والرسول خاطبهم بلا واسطة وعايشهم وخالطهم ، كما أن القرآن زكاهم والرسول صلى الله عليه وسلم مدحهم وجعلهم خير القرون ، فما كان على أيامهم عقيدة فهو لنا عقيدة وما كان على أيامهم عبادة فهو لنا عبادة ويسعنا ما وسعهم ، ومن لم يسعه ما كان عليه الرسول وأصحابه فلا وسَّع الله عليه ، فمن إدعى أن محمداً صلى الله عليه وسلم أول الخلق عليه أن يثبت ذلك بدليل فهم منه الصحابة أن الرسول أول الخلق ، وعلى المدعي والتقول على الله ورسوله أن يثبت أن أبا بكر أو عمر أو عثمان أو علي أو العشر المبشرين بالجنة أو أهل العقبة أو أهل بدر أو المهاجرين أو الأنصار كلهم أو فرادى قال بمثل هذه المقولة الباطلة .

أما استدلال المدعي بقوله تعالى : " قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين " 81 الزخرف فرغم وضوح الآية والمتبادر إلى الذهن منها أنه تحد لمن زعم أن لله ولد فلو كان لله ولد فإنه إي محمد صلى الله عليه وسلم سيكون أول العابدين له ، ولا أدري كيف فهم المدعي ( فأنا أول العابدين ) بأن ذلك يدل على أنه أول الخلق ، فلم يفهم هذا الفهم الباطل خير الناس بعد رسول صلى الله عليه وسلم بل لم يصرح به الرسول صلى الله عليه وسلم لا من قريب ولا من بعيد ، ومع ذلك ماذا قال ابن عباس ترجمان القرآن والذي دعى له الرسول صلى الله عليه وسلم بالفقه والتفسير :

فقد ذكر القرطبي ما جاء في تفسير هذه الآية عن ابن عباس والحسن والسدي ما يلي : ما كان للرحمن ولد ف(إن) بمعنى(ما) ويكون الكلام على هذا تاماً ، ثم تبتدئ " فانا أول العابدين " أي أول الموحدين من أهل مكة على أنه لا ولد له . أنتهى

ثانياً: ذكر ابن كثير في البداية والنهاية الجزء الأول ص 6 طبعة دار الكتب العلمية :

في حديث عمران بن حصين كما سياتي " كان الله ولم يكن قبله شيء وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء ، ثم خلق السموات والأرض " فأين بدأ الخلق بمحمد صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر ابن كثير الخلاف في أيها خلق أولاً : فقال قائلون: خلق القلم ، وبعد القلم السحاب الرقيق واحتجوا بالحديث الذي رواه أحمد وأبو داوود والترمذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن أول ما خلق الله القلم ثم قال له اكتب فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة " والذي عليه الجمهور أن العرش مخلوق قبل ذلك مستدلين بما رواه مسلم بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة قال : وعرشه على الماء "، فثبت تقديم العرش على القلم الذي كتب به المقادير ، ويحمل حديث القلم على أنه أول المخلوقات من هذا العالم .............. بتصرف بسيط من البداية والنهاية

ومن هنا يعلم أنه لم يكن هناك خلاف في أن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس أول الخلق ولم يذكر في محل هذا خلاف .

أما الاستدلال برواية " كنت نبياً وآدم بين الروح والجسد "وهي رواية ليس فيها أنه أول الخلق لأنه معلوم أن الملائكة أسبق في الخلق من آدم وكما تبين فيما ذكره ابن كثير أن العرش هو أول الخلق ، وما ذكره بشأن القلم ، ولم يذكر خلافاً في خلق النبي صلى الله عليه وسلم كما سبق وأوضحنا ، أما كونه نبياً وآدم بين الروح والجسد

أي كتب ذلك أو قدِّر وليس فيه أنه أول الخلق ، وكما ذكرنا أولاً أن العبرة في فهم كون النبي صلى الله عليه وسلم أول الخلق هو فهم الصحابة فأين الدليل على ذلك ؟

وهناك تحقيق في لفظ الرواية التي ذكرت سابقاً عند أهل التخصص في علم الحديث على النحو التالي:

ومما يروى عنه صلى الله عليه وسلم : " كنت نبياً وآدم بين الماء والطين ، وكنت نبياً وآدم لا ماء ولا طين " هذا اللفظ كذب باطل ، ولكن اللفظ المأثور الذي رواه الترمذي وغيره ، وفي السنن عن العرباض بن سارية أنه قال : " إني عند الله لمكتوب خاتم النبيين ، وأن آدم لمجندل في طينته " ا.هـ

أما استدلال أصحاب هذا الادعاء الباطل بقوله تعالى :" ألم تر كيف فعل ربك بعاد ..." الآية "وألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل .." " وألم تر إلى ربك كيف مد الله الظل ..." الآيات فبالرجوع إلى كتب التفسير وجد أن معنى ألم تر : أي ألم تخبر أو ألم تعلم ، وليس فيه معنى أنه رأى بعينه هذا التاريخ الماضي ، فكيف يستنتج أصحاب هذا الادعاء أنه أول الخلق ؟! .

وأما قولهم في معنى قوله تعالى :" فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ، وجئنا بك على هؤلاء شهيداً ..." الآية فكل نبي حضر من أمته فسوف يشهد عليهم إذن كيف يشهد رسول الله على الشهداء من الأنبياء ....

ورد ذلك الفهم كما يلي :

في قوله تعالى :" وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً..." الآية فهل معنى ذلك أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم

وهي آخر الأمم رأت رأي العين ما حدث للأنبياء السابقين مع أقوامهم ، فإن كان الأمر كذلك ( وهذا فرض غير صحيح ) أن المسلمين أول الخلق كذلك ، وليس الرسول صلى الله عليه وسلم فحسب على حسب زعم أصحاب هذا الادعاء .

إن شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم وأمته على الأمم السابقة والتي هي بمثابة من رأى بعينه لأنهم قرأوا القرآن وعلى نبيهم نزل فآمنوا بما أخبر الله به عن الأمم السابقة .

وآخر رد على هؤلاء في هذه المسألة وغيرها أنهم لا يسندون تفسيراتهم للنصوص وعمن أخذوها ، ومِنْ مَن من الأئمة الأعلام في الجيل الأول من خير القرون فهل قالوا بمثل قولهم ؟! ، إذن فكلامهم مرسل لا وزن له ، لأن الدين إسناد ، ولا مجال لإعمال عقل أو تقرير قياس في مسائل الاعتقاد والغيبيات .

ثالثاً: أما رد الادعاء بأن الرسول صلى الله عليه وسلم خلق من نور فهو على النحو التالي :

استدلالهم بقوله تعالى :" قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين " فبالرجوع إلى كتب التفسير لم نجد تفسيراً بأنه خلق من نور صلى الله عليه وسلم وإن كان المعني في قوله قد جاءكم من الله نور هو محمد صلى الله عليه وسلم فهو نور الهداية والبيان وليس نوراً حسياً أو كما قال أصحاب هذا الادعاء مستدلين برواية باطلة موضوعة مكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن أول ما خلق الله ياجابر نور نبيك فأخذ الله قبضة من نوره وقال لها كوني محمداً "

ويرد ذلك كله الآية المحكمة من كتاب ربنا " قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلىِّ" الآية

فلم يقل الله عز وجل : ( قل إنما أنا بشر يشبهكم ) وإنما قال مثلكم في خلقه صلى الله عليه وسلم من حيث الأصل لأنه لو قيل خلق من نور لانتفت صفة البشرية عنه ، وبالتالي انتفى الإعجاز ولما عارضه أحد لأن فيه صفة الملائكية ، وهي التي خلقت من نور ، فهل في هذا شك أو مجال لرأي وعقل ؟!

وقال تعالى :" قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً " الآية الاسراء 93

وقوله تعالى :" وما جعلنا لبشرٍ من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون " الآية الأنبياء 34

وكل ذلك خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم بصفته بشراً رسولاً .

وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " خلق الجان من نار ، وخلقت الملائكة من نور ، وخلق آدم مما وصف لكم " وصح عنه كذلك :" أن الله قبض قبضةً من الأرض فجاء بنو آدم على مثل الأرض ، فمنهم الأبيض والأسود والأحمر ، والسهل والحزن " وصح عنه أنه قال :" كلكم لآدم وآدم من تراب " وصح عنه أنه قال :" أنا سيد ولد آدم " أو كما قال صلى الله عليه وسلم :

وهذه الأحاديث تدل كذلك على أن الرسول صلى الله عليه وسلم من البشر بدليل أنه قال : أنا سيد ولد آدم ، ومن المعلوم بداهةً بالضرورة أن الولد من أصل أبيه ، والأب خلق من تراب ، وليس من نور.

والترويج لهذا الادعاء الباطل يفتح على المسلمين باب الشك في صفة الرسول صلى الله عليه وسلم والذي يترتب عليه الادعاء بكونه مَلكاً وهم الذين خلقوا من النور ، أو يترتب على ذلك أن فيه صفة ألوهية بزعمهم الباطل أن الله قبض قبضة من نوره وهذا يؤدي بدوره في النهاية إلى الشرك بالله ، ودعاء الرسول من دون الله .

كما أنه قد صح أن أمُنا عائشة رضي الله عنها افتقدت النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ، فتحسسته حتى وجدته يصلي .." الحديث . فلو كان النبي صلى الله عليه وسلم خلق من نور حسي لما تحسسته رضي الله عنها من ليلتها.

كما أنه معلوم من سيرته بالضرورة أنه جاء من أبوين بشريين وحملت به أمه كما يحمل النساء ووضعته كما تضع النساء . فكيف يستقيم القول بخلقه من النور ؟! إن هذا الادعاء الذي يخالف ما عليه المسلمون من إثبات بشريته صلى الله عليه وسلم ليفتح علينا باب الغلو في الرسول صلى الله عليه وسلم والذي ينتهي بالشرك بالله .

وهو الذي أُثر عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم ، وقولوا عبد الله ورسوله " أو كما قال صلى الله عليه وسلم

رابعاً : أما الرد على الادعاء بجواز الاستجارة برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته :

فالاستجارة من الدعاء ، والدعاء لا يكون إلا لله فمن دعا غير الله في ما لا يقدر عليه إلا الله فقد أشرك بالله لأن الدعاء كما جاء في الحديث :" الدعاء هو العبادة " ، ويقول الله جل وعلا : " والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير ، إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ..."الآية 13 ، 14 من سورة فاطر

وقوله تعالى :" إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين " الآية 9 من الأنفال

وقوله تعالى :" ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون " الآية 5 الأحقاف

وقوله تعالى :" أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإلله مع الله قليلاً ما تذكرون " الآية 62 النمل

ونحن بدورنا نقول لمن يدعو المسلمين أن يستجيروا ويستغيثوا برسول الله أو غيره من الخلق أإله مع الله ؟!

ثم يستدل أصحاب هذا الادعاء الباطل والذي لم يقل به إمام من أئمة الهدى بقوله تعالى :" وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ، ثم أبلغه مأمنه " الآية .................

فالآية التي ذكروها كانت حال حياة النبي صلى الله عليه وسلم فهو يسمعهم ويملك من الأسباب المادية أن يجيرهم أما بعد وفاته فلا يسمع من يستجير أو يستغيث به ، ولا يملك أن يجير أو يغيث من دعاه في ذلك ، وإنما الذي يجيب المضطر إذا دعاه هو الله جل وعلا وها هو واقع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته وقد ألمت بهم من المصائب والمحن ما هو معروف ولم يعلم عنهم لا من قريب ولا من بعيد أن أحداً منهم استجار به أو استغاث به بعد وفاته ، وكيف يتصور ذلك وهم أهل اللسان العربي الفصيح ويدركون أن طلب الاستجارة والاستغاثة فيما لا يقدر عليه إلا الله إنما هو شرك أكبر .

ولمزيد بيان معنى الاستجارة من حيث اللغة فهي على النحو التالي :

َجَأَر جَأْراً وجُؤأَرا ً: رفع صوته ، ويقال جأر إلى الله تضرع واستغاث .

وفي القرآن : " إذا هم يجأرون " .

أجاره : حماه وأنقذه ، ويقال : أجاره من فلان .

إستجار بفلان : استغاث به والتجأ إليه ، وفلاناً سأل أن يُؤمنه ويحفظه . وفي القرآن :" وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ..".

فهذا هو معنى الاستجارة والإستغاثة .

فمن طلبهما من إنسان حيّ على الوجه المألوف لمعنى الحياة في هذه الدنيا وفي نفس الوقت يملك هذا الإنسان من الأسباب التي شرعها الله لعباده في التعاون على البر والتقوى فهذا من باب طلب المساعدة والأخذ بالأسباب وليس فيها معنى الدعاء ، ونظير ذلك في القرآن حينما استغاث اليهودي بموسى عليه السلام على القبطي قال تعالى : " فاستغاثه الذي من شيعته ..." الآية فموسى عليه السلام قريب من اليهودي ويسمعه ويقدر على إغاثته فهذا ليس من باب الدعاء لأنه من الأخذ بالأسباب في الحياة الدنيا ، أما الاستغاثة والإستجارة فيما لا يقدر عليها إلا الله وهي التي يدعيها صاحب المقال بجريدة البحيرة هي التي في معنى الدعاء والذي يجب ألا يصرف إلا لله جل وعلا .

خامساً : أما رد الإدعاء بأن الكون كله خلق لأجل النبي صلى الله عليه وسلم فهذا من أبطل البطلان ورده في آية واحدة محكمة قال تعالى :" وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون "


هذا ما يسَّر الله من بيان ، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يلهمَنا الصواب ويرزقنا حسن الاعتقاد وحسن العمل...........


كتبه : الداعية / محمود لطفي عامر

ليسانس شريعة

رئيس جمعية أنصار السنة المحمدية

فرع دمنهور

10 ربيع الأول 1424 الموافق 10/6/2003


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127