وقال الإمام ابن كثير في تفسير آية الشعراء السابقة الذكر، قال الله تعالى: {فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين، وانذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون} يقول تعالى: آمرا بعبادته وحده لا شريك له، ومخبرا أن من أشرك عذبه. ثم قال تعالى: آمرا لرسوله صلى الله عليه وسلم أن ينذر عشيرته الأقربين الأدنين إليه وأنه لا يُخَلِّصُ أحد منهم إلا إيمانه بربه، وأمَرَهُ أن يُلَيِّن جانبه لمن اتبعه من عباد الله المؤمنين، ومن عصاه من خلق الله كائنا من كان فليتبرأ منه. ولهذا قال تعالى: {فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون}، ثم ذكر الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية أحاديث صحيحة معزوة إلى مخرجيها بأسانيدها وفصلها تفصيلا كعادته رحمه الله، ثم ذكر أحاديث أخرى ضعيفة ومتروكة وموضوعة ونبه عليها وانتقدها، ولنذكر هنا ما يتسع له المقام من القسم الأول وهو الأحاديث الصحيحة تاركين أسانيدها وتفصيلها اختصارا فنقول: الحديث الأول-روى أحمد عن ابن عباس قال: لما أنزل الله عز وجل {وأنذر عشيرتك الأقربين}، أتى النبي صلى الله عليه وسلم الصفا فصعد عليه، ثم نادى يا صباحاه، فاجتمع الناس إليه بين رجل يجيء إليه وبين رجل يبعث رسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا بني عبد المطلب يا بني فهر أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟" قالوا: نعم، قال: "فإني نذير لكم من بين عذاب شديد"، فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم أما دعوتنا إلا لهذا. وأنزل الله {تبت يدا أبي لهب وتب} رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.



الحديث الثاني: روى أحمد عن عائشة قالت: لما أنزلت {وأنذر عشيرتك الأقربين}، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا فاطمة ابنة محمد يا صفية ابنة عبد المطلب يا بني عبد المطلب، لا أملك لكم من الله شيئا سلوني من مالي ما شئتم". انفرد بإخراجه مسلم.



الحديث الثالث: وروى أحمد عن أبي هريرة قال: لما نزلت هذه الآية {وأنذر عشيرتك الأقربين}، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا فعم وخص، فقال: "يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار، فإني والله لا أملك لكم من الله شيئا إلا أن لكم رحما أبلها ببلالها". رواه مسلم والترمذي من حديث عبد الله بن عمر وأخرجاه في الصحيحين. وروى أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا بني عبد المطلب، اشتروا أنفسكم من الله، يا صفية عمة رسول الله ويا فاطمة بنت رسول الله، اشتريا أنفسكما من الله فإني لا أغني عنكما من الله شيئا، سلاني من مالي ما شئتما" .



وروى مسلم في صحيحه بسنده إلى يزيد بن حبان قال: انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمرو بن مسلم إلى زيد بن أرقم فلما جلسنا إليه قال له الحصين: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعت حديثه وغزوت معه وصليت خلفه، لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا، حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا ابن أخي والله لقد كبرت سني وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فما حدثتكم فاقبلوا وما لا فلا تكلفونيه ثم قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فينا خطيبا بما يدعى خما بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال: أما بعد، ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، فقال له الحصين: ومن أهل بيته يا زيد، أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده، قال، ومن هم؟ قال: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس، قال: كل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم، وفي رواية: ألا وإني تارك فيكم ثقلين: أحدهما كتاب الله وهو حبل الله، من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على ضلالة.





تعليقات وإيضاح لهذه الآثار



قوله: إن بعض الناس إلى آخره: لقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدق الملك مجمد الخامس رحمة الله عليه وبر ونصح فجزاه الله خيرا، وما حمله على ذلك إلا النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولعامة المسلمين ورعيته بالخصوص، وإلا فلا يوجد نسب أشرف من نسبه،  ولكنه أعقل وأجل وأتقى لله من أن يسلك سبيل الجاهلية ويدعو بدعوتها فيفتخر بالأحساب والأنساب، بل يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم.





جريدة الميثاق: عدد 15 شوال 1382هـ موافق 11 مارس 1963م