الشيخ أسامة بن عطايا العتيبي

الجيوش الإسلامية وصلاح القلوب و صلاح الظاهر كإعفاء اللحية والنصر على الأعداء - الشيخ أسامة بن عطايا العتيبي

أضيف بتاريخ : 05 / 08 / 2008
                                

الحمدُ للهِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على رسولِ اللهِ أما بعد:


فإن من وظائف الدولة المسلمة سياسة الرعية بالكتاب والسنة، ونشر الخير والهدى بين الأمم، والدفاع عن شعوبها وأوطانها ممن يتربص بها ويعاديها.


وكل دولة مسلمة تنتخب وتنتقي من رجالها من يتكون منهم جيشٌ يقوم بحماية البلاد من الأعداء، ويثبت نظامها ممن يريد الإخلال به وهتك حرمته.


والجيش في الدولة المسلمة «ليحمي الأرض ويصون العِرض، ويذود عن حياض الوطن الذي حقّق لأبنائه العزة، واطمأنّ المواطنون على عيشهم في أمن واستقرار».


ولا يكون الذي ينضم إلى الجيش عضواً نافعاً، ولا يمكن للجيش أن يقوم بمهامه على الوجه المُرْضِي إلا بتوفر شروط فيه:


1- إيمان أفراده بالله، وتمسكهم بحبله المتين، وإخلاص العمل لله، حتى يتفانوا في خدمة وطنهم وبلادهم حباً لله، وعبادة وطاعة له عز وجل.


2- حبهم لقادتهم، وولاؤهم لهم، ومعرفة حقوق ولاة الأمر، وأداء حقهم الذي أوجبه الله لهم.


وإنما يكون هذا بتعليمهم حقوق ولاة الأمر في الإسلام، وإحسان ولاة الأمر إلى الجيش ليتفانى في خدمة الوطن، ويكون بالبعد عن الأمور التي قد تكسر خواطر عامتهم بأمرهم بمحرم، أو منعهم من واجب شرعي.


3- تسليح الجيش بما يواكب عصر تطور السلاح، والحرص على امتلاك التكنولوجيا التي تكفي لقيام الجيش بمهامه.


4- تَعْيِيْنُ الشجعان والأكفاء، ومتابعة ولاة الأمر لمتطلبات الجيش لبث روح المحبة، وتمكين المودة بين القيادة وبين أفراد الجيش.



= = = = = = = = = = = = ==


أهمية صلاح الباطن والظاهر في قيام الجيش بمهامه بالنصرة على العدو

إن العسكري المسلم إذا كان صالح الباطن والظاهر، عنده الدراية الكافية بأساليب القتال ووسائله، وملك الشجاعة فإن هذا وأمثاله يستحقون النصر على الأعداء.


وصلاح القلب أساس صلاح الظاهر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إلا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد وإذا فسدت فسد سائر الجسد ألا وهي القلب))



= = = = = = = = = = = = ==


النصر يكون بطاعة الله والبعد عن معصيته

إن النصر على العدو لا يكون بأمر الجيش بحلق اللحية أو إطالة البنطال أو الإهمال في المحافظة على أداء الصلاة في أوقاتها ..


بل النصر يكون بطاعة الله والخوف منه، والبعد عن الذنوب صغارها وكبارها، لما للذنوب من أثر على الفرد والمجتمع لا سيما جنود الوطن ..


قال تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ {54}


وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ {55}


وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ {56}.


وقال تعالى: { وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}.


وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}.


وقال تعالى: { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.


وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : ((يا معشر المهاجرين ، خصال خمس إذا ابتليتم بهن ، ونزلن بكم ، وأعوذ بالله أن تدركوهن :


لم تظهر الفاحشة في قوم قط ، حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا .


ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة ، وجور السلطان عليهم .


ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ، ولولا البهائم لم يمطروا .


ولا نقضوا عهد الله ، وعهد رسوله إلا سلط عليهم عدواً من غيرهم فيأخذ بعضَ ما كان في أيديهم


وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل الله بأسهم بينهم)). رواه ابن ماجه والطبراني والبيهقي وانظر الصحيحة(رقم106) .



= = = = = = = = = = = = ==

ومعلوم أن إعفاء اللحية مثلاً ليس من أركان الإسلام وحلقها أو تخفيفها ليس مما ينقض الإسلام، ولكن دين الإسلام أكرم اللحية، وأمر بإكرامها لا بتخفيفها وتقصيرها إلى سنتيمترٍ واحد!!


فإعفاء اللحية بحق دليل على صلاح الباطن، وإعفاؤها من الأمور التي تزيد من الثقة بالجندي المسلم أن يكون مطيعاً لولاة أمره عارفاً لهم حقهم..


وجيش رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقاتل أفراده بلحاهم، وكذلك الجيوش الإسلامية من عهد الخلفاء الراشدين إلى عصرنا هذا لم يكن سبب نصرهم حلق اللحية، ولم يكن سبب هزيمتهم إعفاء اللحية..


وإذا كان بعض الناس يرون أن إعفاء اللحية سنة وأنها أمر شكلي فنقول لهم: إذا كانت كذلك –والصحيح أن إعفاءها واجب- فلماذا يؤمر الجندي بهذا الأمر الشكلي الذي فيه مخالفة للسنة؟!


أليست البركة في اتباع السنة؟!


أليست النجاة في طاعة الله؟!


فإذا كان كذلك فأمر الجيش بحلق اللحية أو تقصيرها تقصيراً شديداً من الأمور التي لا تعين الجندي المسلم على أداء مهامه كاملة بل قد تؤثر في نفسه، وتجعله دائم الخوف مما يفعل مما يؤثر على عمله ..



= = = = = = = = = = = = ==

فأناشد ولاة الأمر في بلاد المسلمين أن يلغوا أي قرار فيه أمر بمخالفة شرعية سواء في اللحية أو غيرها، وأن يستشيروا الناصحين وأن يحذروا من بطانة السوء...


أناشدهم الله أن يقوموا بما أمر الله وأن يتجنبوا ما يغضب الله ..


وتعلمون يا قادة أهل الإسلام أن من أرضكم ما احْتُلَّ وبعض أراضي المسلمين مهددة بالاحتلال من دول الكفر، ومن دول الرفض فهذه القرارات لا تساعد في استرجاع الأراضي ولا في المنع من أطماع العدو ..


فانصروا الله ينصركم، وأطيعوا ربكم يكن معكم ، أسأل الله أن يوفقكم ويسددكم



والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد

كتبه: أبو عمر أسامة بن عطايا بن عثمان العتيبي


المدينة النبوية : 12 / 7 / 1428هـ



= = = = = = = = = = = = ==


ملحقان

وأختم هذا المقال بملحقين:


الأول: حكم إعفاء اللحية عند علماء الملة.


الثاني: أهمية احترام ولاة الأمر من العلماء والأمراء حتى لو أمر الأمراء بالمعصية.



= = = = = = = = = = = = ==

الملحق الأول: حكم إعفاء اللحية عند علماء الملة.


قد دلت الأدلة الشرعية على تحريم حلق اللحية من عدة وجوه:


الوجه الأول: أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- بإعفائها وذلك في عدة أحاديث منها حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- في صحيح مسلم قال -صلى الله عليه وسلم-: ((جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس)).


والإرخاء هو إعفاؤها وتركها مرخاة ومعفاة .


والأصل في الأمر الوجوب بإجماع الصحابة ولا ينصرف الأمر عن الوجوب إلا بقرينة ولا توجد هنا.


الوجه الثاني: أن الله -عز وجل- ذكر أن من أمر الشيطان وعمله تغيير خلق الله .


قال تعالى: عن الشيطان {ولآمرنهم فليغيرن خلق الله}.


وحلق اللحية من تغيير خلق الله .


لأن الله عز وجل فطر الإنسان الذكر وخلقه بلحية .


فحلق اللحية من تغيير خلق الله .


وجسد الإنسان ملك لله وهو أمانة عند الإنسان لا يجوز له أن يتصرف فيه إلا بإذن الله .


ولم يأذن الله بحلق اللحية بل على العكس ؛ جاء الأمر بإعفائها .


الوجه الثالث: أن في حلق اللحية مشابهة للمجوس عبدة النار وقد أمرنا بخلافهم .


وهذه العلة منصوص عليها في الحديث السابق .


حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- في صحيح مسلم قال -صلى الله عليه وسلم-: ((جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس)).


ولم تكن العرب تحلق لحاها جريا على الفطرة وهو من بقايا دين إبراهيم عليه السلام .


ويذكر هنا قصة المجوسيين رسولي كسرى .


فإنهما دخلا على النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد حلقا لحيتيهما فلما دخلا على النبي -صلى الله عليه وسلم- أعرض عنهما وقال: ((من أمركما بذلك؟)).


قالا: أمرنا ربنا كسرى!


فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((أما أنا فأمرني ربي بإعفاء لحيتي وإحفاء شاربي)).


وقد سمعت بعض مشايخي يقول: ثم كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك يأمر بإعفاء اللحية .


الوجه الرابع: أن في حلق اللحية مشابهة للنساء وقد نهينا عن التشبه بهن .


في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-المتشبهين من الرجال بالنساء ، والمتشبهات من النساء بالرجال)).


وفي رواية في صحيح البخاري أيضا عن بن عباس قال: ((لعن النبي صلى الله عليه وسلم المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء)).


الوجه الخامس: أن العلماء أجمعوا على حرمة حلق اللحية، وكذلك لم يبح أحد من العلماء قص ما تحت القبضة من اللحية.


قال ابن عابدين في حاشيته(2/418) : "وأما الأخذ منها وهي دون ذلك كما يفعله بعض المغاربة ومخنثه الرجال فلم يبحه أحد". وهذا نص كلام العلائي وأقره ابن عابدين.



= = = = = = = = = = = = ==

الملحق الثاني: أهمية احترام ولاة الأمر من العلماء والأمراء حتى لو أمر الأمراء بالمعصية.


والواجب على المسلمين أن يحترموا العلماء ويعرفوا لهم حقوقهم فالعلماء بمنزلة ولاة الأمر .


وقد قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}.


وأولوا الأمر هم العلماء والأمراء على قول جمع من العلماء.


فإن السلاطين المسلمين يجب توليتهم ليقيموا الحدود ويحفظوا للناس أموالهم ودمائهم وأعراضهم ، ولحماية بيضة المسلمين.


وكذلك العلماء وجودهم ضروري لتعليم الناس الدين ، وللأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، ولإظهار السنة ، وقمع البدعة.


فالواجب احترام السلاطين المسلمين والعلماء السنيين وعدم الطعن فيهم والتشهير بأخطائهم حتى يحافظ على دين الإسلام ودماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم.


قال الإمام الطحاوي: "وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر ، وأهل الفقه والنظر : لا يذكرون إلا بالجميل. ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل"


قال التابعي الجليل طاووس بن كيسان -رحمه الله-: " من السنة أن يوقر أربعة: العالم ، وذو الشيبة ، والسلطان ، والوالد" رواه معمر في جامعه"11/137" بسند صحيح


والواجب أن تبقى منْزلة السلاطين المسلمين والعلماء الربانيين في قلوب الناس محفوظة.


لأن منْزلة السلاطين لو ذهبت من قلوب الناس : اختل الأمن ، وكثر الفساد ، وعطلت الحدود ، وانتهكت الأعراض ، وسفكت الدماء ، وأخذت الأموال.


كذلك العلماء إذا ذهب احترامهم من قلوب الناس هان عليهم فتواهم ، واتبع الناس هواهم !


ولأصبح الناس فوضى لا سراة لهم .


وقال تعالى: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً}.


قال ابن كثير -رحمه الله- :" في هذه الآية إنكارٌ على من يبادر إلى الأمور قبل تحقُّقِها فيخبر بها ، ويفشيها ، وينشرها ، وقد لا يكون لها صحة".


فهذه الآية توجبُ التثبُّتَ والتبيُّنَ عند سماعِ الأخبار ، وتُنكِر –كما ذكر ابن كثير- على من بَادَرُ وسارَعَ في نقلها ونشرها قبل أن يتحققَ من صحتها ، وأرشدت كذلك إلى أمر آخر مهم ؛ وهو أن الأخبار إنما تنقل إلى أولي الأمر من العلماءِ والأمراءِ ، ولا تنقَلُ إلى عامَّةِ الناس لأن النقلَ إلى عامة الناس لا فائدة فيه ، وإنما الفائدة في نقله إلى أهل الحلِّ والعقدِ الذين يحسنون فهم الأمور ،واستنباط المصالح منها ، ولديهم القدرة على درء المفاسد".


وانظر مقالي: التذكير بأهمية بيعة ولي الأمر المسلم، وبيان حقوقها مِنَ الكتاب والسُّنَّة


http://www.otiby.net/makalat/articles.php?id=113


وكتابي:


الإلْمَامُ بِمنهج السلف في التعامل مع الحكَّام


http://otiby.net/book/open.php?cat=4&book=15


لامية وصلاح القلوب و صلاح الظاهر كإعفاء اللحية والنصر على الأعداء



اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127