الشيخ أسامة بن عطايا العتيبي

الصحوة التركية بين الدعوة السلفية وطالبان ومغالطات الكاتب محمد بن عبداللطيف آل الشيخ - الشيخ أسامة بن عطايا العتيبي

أضيف بتاريخ : 05 / 08 / 2008
                                
الصحوة التركية بين الدعوة السلفية وطالبان ومغالطات الكاتب محمد بن عبداللطيف آل الشيخ

الحمدُ للهِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على رسولِ اللهِ أما بعد:


فقد اطلعت على مقال نشرته جريدة الجزيرة في عددها الصادر يوم الثلاثاء 17 رجب 1428 العدد 12724 كتبه محمد بن عبداللطيف آل الشيخ بعنوان : " الصحوة التركية" رأيت فيه تجاوزات ومخالفات يجب التنبيه عليها وهي كما يأتي:


أولاً: زعم أن حزب العدالة الذي يمثل الصحوة التركية نجح لعدة أسباب أهمها : [أنه تحرر من الفكرة السلفية التي تقدم مصلحة (الأمة) على مصلحة (الوطن) وهو بذلك يحاول (بعقلانية) أن يوائم بين متطلبات التنمية الوطنية وثوابت الإسلام, ويعتقد كثيرٌ من المراقبين أن الفترة التي أمضاها حزب العدالة في حكم تركيا أثبتت أنه قادر بالفعل على حل مشاكل تركيا التنموية دون أن يفرّط بهويتها الثقافية الدينية] .


فظن أن منهج السلف يقدم مصلحة الأمة على مصلحة الوطن، وأنه لا يوائم بين متطلبات التنمية الوطنية وثوابت الإسلام،


وهذا ظن باطل من وجوه:


الأول: أن منهج السلف قام على الكتاب والسنة على منهج الصحابة رضوان الله عليهم ومن سار بعدهم من الأمة على دربهم وطريقتهم.


ومن منهج السلف أن الوطن جزء من الأمة، وإهماله أو التقصير في حقه تقصير في حق الأمة، فلا تعارض بين مصالح الوطن ومصالح الأمة.


ومن المقرر شرعاً أن الأقربين أولى بالمعروف كما قال تعالى: { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا }


وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ( اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول أمك وأباك وأختك وأخاك وأدناك فأدناك ) )


وقال النبي صلى الله عليه وسلم في شأن الزكاة : ( ( اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول أمك وأباك وأختك وأخاك وأدناك فأدناك ) ) .


الثاني: أن منهج السلف يوائم بين متطلبات التنمية وثوابت الإسلام، فلا تعارض بين التنمية الحقيقية وبين ثوابت الإسلام ، لأن الله جل وعلا اختار دين الإسلام صالحاً لكل زمان ومكان: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}


الثالث: أن البلاد السعودية حرسها الله قامت على منهج السلف، وقد نشأت الدولة السعودية على العقيدة السلفية الإصلاحية التي قام بها شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله .


جاء في أول نظام وضع للملكة كانت مادته من إملاء الإمام المجدد الملك عبد العزيز -رحمَهُ اللهُ- بمكة سنة 1345هـ وقد جاء فيه : " 5 - جميع أحكام المملكة تكون منطبقة على كتاب الله وسنة رسوله وما كان عليه الصحابة والسلف الصالح " الوجيز في سيرة الملك عبد العزيز( ص /90 - 91 ) .


انظر مقالي:


الرد على أباطيل قينان الغامدي من كلام الإمام المجدد الملك عبدالعزيز آل سعود رحمه الله


http://www.otiby.net/makalat/articles.php?id=147


ونجاح الدولة السعودية الباهر، وتقدمها الظاهر في جميع نواح الحياة مما يبين أن منهج السلف هو الذي يؤهل أهله للتقدم الحقيقي الذي يحقق عبودية الله، ويواكب الحضارة الصائبة.


وقال - رحمَهُ اللهُ - : " والحقيقة أن القرآن الكريم قد جاء بالحرية التامة الكافلة لحقوق الناس جميعاً " انظر : المصدر السابق ( ص /93 ) .


وقال - رحمَهُ اللهُ - : " هل هناك أعظم من التمدن الذي ورد في كتاب الله ؟ ! " انظر : من وثائق الملك عبد العزيز للسبيت وزملائه ( ص / 315 ) .


الرابع: أن نجاح حزب العدالة –إذا أقررنا به- فليس لأنه تحرر من منهج السلف بل نجح لأمور منها: أن الشعب التركي قد جرب العلمانية ودعاة الليبرالية فلم يجد منهم إلا الكذب والسرقة والانغماس في الفساد ولم يحصل منه إلا التشتت والتخلف، ولأن معظم الشعب التركي مسلم الديانة فهو يقدم من يدعو للإسلام ولو لم يكن عنده إلا رائحة الإسلام- عموماً - في مقابل علمانيين ملاحدة يعادون الدين والشعب العربي.


ففي نجاح حزب العدالة تعرية للعلمانية والليبرالية التي كثر الناعقون بها من الجهال في البلاد العربية وفي بلاد الحرمين للأسف الشديد.


فمقالك هذا ملزم لمن يتشرف! بالانتساب إلى الليبرالية من المنتسبين للثقافة والفكر!! بِأنَّ الليبرالية والعلمانية والحداثة مصطلحات فاشلة ليس لها جذور شرعية، وليس لها أرضية في الواقع. ففئة العلمانيين في العالم الإسلامي منبوذة من جهة الشعوب المسلمة حتى لو استنكرت الإرهاب أو صاحت بتحريم التفجير والتكفير صباح مساء.


فلم تعد حيل الليبراليين والعلمانيين تنطلي على الشعوب المسلمة وإن كانت قد تنطلي على بعض خفافيش البصائر أو يلتحق بها بعض الانتهازيين الراغبين في الدنيا المبتعدين عن الآخرة.



الخامس: أن الهوية الدينية التركية لم تمت ولم تستيقظ بعد غفلة، بل هي موجودة وباقية رغم محاولات محوها من قبل الاتحاد والترقي وغيره من الأحزاب العلمانية الإلحادية.


وما زال الشعب التركي مستمراً في إقامة شعائر دينه، والاستمرار في مدارسه الدينية، والاتصال الدائم بالشعوب المسلمة في الحج والعمرة وفي الدول التي يذهبون إليها خارج تركيا وداخلها.


ومع شدة وطأة العسكر التركي وساسة العلمانيين على الشعب التركي إلا أن الإسلام بقي شامخاً وبدينه معلناً ومجاهراً رغم كثرة البدع والخرافات عند المنتسبين إلى الإسلام في تركية.


ورغم أن حزب العدالة ضعيف التمسك بأمور الشريعة، وعنده مخالفات شرعية ظاهرة، ويسلكون منهج الإخوان المسلمين الواسع الذي لا يتقيد بكثير من الضوابط الشرعية إلا أنه يعلن انتماءه إلى الإسلام، ويكافح ضد دعاة العلمانية لترك المسلمين يعبدون ربهم دون القيود المفروضة من النظام العلماني فرغم انحرافهم عن مفاهيم إسلامية كثيرة إلا أنهم خير ممن يحارب الإسلام، ويدعو إلى الزندقة والإلحاد .


وحزب العدالة ما زال غير قادر على حل مشاكل تركية لأن الجيش الفاسد له بالمرصاد، ومستمر في المحافظة على العلمنة والإلحاد، وقضية اختيار رئيس جديد للبلاد خير دليل على ذلك.


وإذا كان حزب العدالة قد أحسنت استخدام سلطته في تحسين الاقتصاد والحد من السرقة والفساد فيشكرون على ذلك وأسأل الله لهم ولغيرهم التوفيق والسداد.



====================

ثانياً: قال محمد بن عبداللطيف آل الشيخ : [ تجربة طالبان - مثلاً - هي أوضح الأمثلة التي تثبت أن الحلول ( المستوردة ) من السلف الصالح، والتي تتشبث باجتهادات ( فقهاء ) لم يُعايشوا مجتمعاتنا، ولا ضروراتنا المعيشية، ومن ثم تطبيقها ( بالقوة ) على الواقع، دون أي اعتبار لاختلاف الزمان والظروف الموضوعية، ستنتهي إلى الفشل ] .


فزعم أن سبب فشل طالبان هو استيرادها الحلول من السلف الصالح، وأن منهج السلف يدعو للتشبث باجتهادات فقهاء لم يعلموا واقعنا، وجاءت طالبان وطبقت تلك الاجتهادات على الواقع بالقوة.


وهذا في الحقيقة جهل بمنهج السلف الصالح، وجهل بما عليه طالبان.


1 - فمنهج السلف الصالح مبني على الكتاب والسنة، ومن قواعد الشرع المطهر تحقيق المصالح وتكثيرها، ودرء المفاسد والتخفيف منها، ومراعاة العرف في تنزيل الوقائع والأحكام فيما رد الشرع فيه أمر ذلك إلى العرف. قال تعالى : { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ } .


2 - وجهل محمد عبداللطيف آل الشيخ بطالبان حيث ظنها سلفية!! وواقعها ليس كذلك.


بل كانت طالبان في بداية أمرها تحارب السلفية، وتصف السلفيين بالوهابيين، وجعلت من أهدافها تطهير أفغانستان من الوهابية، ولكنها فوجئت بكثرة السلفيين في أفغانستان في كونر وغيرها، ووجدت نفسها تُكَثِّرُ أعداءها بلا مبرر حالِيٍّ، وإنما يمكن تأجيله للمستقبل، وكان هذا التغير في موقفها تجاه السلفيين لأمور منها توجيهات من جنرالات باكستان الذين كانوا يدعمونها في أول أمرها.


ومعلوم أن طالبان حركة مكونة من الطلاب الأفغانيين في باكستان وأفغانستان، ودراستهم كانت وما زالت على المذهب الحنفي في الفقهيات، وعلى العقيدة الماتريدية في العقائد، وعندهم شيء من التصوف في السلوك، ومعظمهم ينتمي إلى مدرسة ديوبند الحنفية الماتريدية الصوفية.


ولما أعلنت أمريكا حربها على أفغانستان استلزمت تلك المرحلة تعاون القوى الأفغانية لمواجهة الهجوم الأمريكي،


فتحالفت طالبان مع السلفيين، ومع الإخوان المسلمين كحكمتيار وسياف وغيرهما، فتشكل تحالف طالبان من مذاهب مختلفة ، لذلك رأينا في تلك المرحلة تواجداً سلفياً في الحركة ولكنه ضعيف جداً ومحجَّمٌ.


ولم يكن لقادة طالبان خبرة في السياسة والعلاقات الدولية لذلك تخبطوا، وقد حصل لهم خذلان من الله لأسباب عديدة منها:


1 - أنهم لم يكونوا على عقيدة السلف الصالح ومنهجهم، بل كانوا متعصبين وعلى عقيدة بدعية منحرفة.


2 - أنهم ناصبوا السلفيين العداء في الظاهر أولاً ثم في الباطن آخراً.


3 - أنهم تعاونوا مع تنظيم القاعدة بل آووه ونصروه، وهو تنظيم خارجي بدعي، مما سرب إلى طالبان المنهج التكفيري التفجيري الانتحاري.


4 - أنهم خططوا مع تنظيم القاعدة لقيام ثورة في جزيرة العرب، حيث تعاونوا مع تنظيم القاعدة في تجنيد وإعداد اثنين وعشرين ألف مقاتل في جزيرة العرب، وكان مخططهم يقضي بضرب المدمرة كول، فتطالب أمريكا بتسليم المفجرين فيعتصمون بالقبائل التي ترفض تسليمهم، فتدخل أمريكا بجيشها لمساعدة الجيش اليمني في الإمساك بالمتمردين فتقوم حرب قَبَلِيَّةٌ قَاعِدِيَّةٌ جَبَلِيَّةٌ في شمال اليمن تمتد إلى منطقة عسير . وقد كُشِفَ هذا المخطط وفُضِحَتْ أشرطته على الملأ.


بل كان بعض الشباب يتدربون في منطقة عسير على القتال ومعرفة الأماكن التي تصلح للاختباء، وكانوا ينتظرون ساعة الصفر ليقوموا بالثورة. وكانت طالبان تساندهم إِلاَّ أن الله أبطل كيدهم ومكرهم جميعاً.


وكانت طالبان تريد التسلط على بلاد الحرمين بمساعدة أهل الفتنة والفساد فسلط الله عليهم أنفسهم، ثم سلط عليهم الكفار عقوبة لهم على ظلمهم وفسادهم.


ولا يفرح مؤمن بتسلط كافر على أخيه، ولكن يعتبر المسلم بالأحداث حتى لا يقع في الخطأ الذي وقع فيه غيره ممن يظهر الديانة وقام بأمور كثيرة من شعائر الإسلام ونشر الأمن في معظم أفغانستان إلا أنهم لما ضيعوا أمر الله سلط الله عليهم وعاقبهم واصطفى منهم من نحسبهم شهداء.


والخلاصة أن حركة طالبان لم تكن سلفية حقيقة، ولم تدع انتسابها إلى السلف الصالح، وفشلت لأمور ليس منها أنها تمسكت بمنهج السلف!!


وأخيراً أرجو من الله أن يوفق محمد بن عبداللطيف آل الشيخ ليستيقظ من غفلته، وأن يتمسك بمنهج السلف الصالح الذي عليه ولاة أمره في المملكة العربية السعودية، وأن يستوعب سبب نجاحها الباهر.



والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد

كتبه: أبو عمر أسامة بن عطايا العتيبي


المدينة النبوية يوم الأربعاء 25/7/1428هـ



اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127