الشيخ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

الانتصارُ للعلمِ والعلماءِ مِنَ الحزبيةِ العمياءِ (3) د. عبد العزيز بن ندى العتيبيي

أضيف بتاريخ : 19 / 10 / 2009
                                



الانتصارُ للعلمِ والعلماءِ مِنَ الحزبيةِ العمياءِ (3) 


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛ أما بعد:


إن هذه سلسلة مقالات ظهرت بعد صبر دام أربع سنوات أملاً في معالجة الأمر بالصبر، واليوم حتى لايعتقد أولئك الفتية أن ذلك السكوت والصبر على الأخطاء والمخالفات، دليل على صواب ما هم عليه، ولكي لا يعتقد بعض الناس أن هذا المذهب حق، فكان الواجب معالجته بلون آخر خاصة بعد وصف إخوانهم بـ (التمييع)، وهذه معانقة لثقافة سيد قطب ولغة خطابه؛ ذلكم الأسلوب الغريب على الشرع - ولنا مع (التمييع) جولة خاصة قد تم إعداد بحث فيها ولكن لم يحن نشره -، ولذا بدأنا نكتب نصحاً ونصرة للظالم؛ لكفِّه عن الظلم والتعدّي، راجياً من الله أن يعودوا إلى الحق والصواب، فقد روى البخاري (2444،6592) في صحيحه من حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما»، فقال رجل: يا رسول الله! أنصره إذا كان مظلوما؛ أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره؟ قال: «تحجزه أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره».


وفي رواية: «تأخذ فوق يديه». وروى مسلم (2584) في صحيحه من حديث جابر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ولينصر الرجل أخاه ظالما أو مظلوما، إن كان ظالما فلينهه؛ فإنه له نصر، وإن كان مظلوما فلينصره». وأصله في الصحيحين.


أيها المخالف! إنها المذهبية والدعوة إلى الحزبية


هل ظهر في الأفق دعوة إلى الحزبية والتعصب المذهبي؟ وهل رفع أولئك الفتية لواء الحزبية ووقعوا في الشرَاك الذي فروا منه؟!


وأقول جواباً: قد يعتقد الإنسان أنه غير واقع في الحزبية، وحقيقة أمره أنه غارق فيها حتى أُذنيه، فهو بشر غير معصوم من الخطأ والزلل، واعلم يا عبد الله! أن من أسباب التحزب والتعصب المذهبي أن الإنسان بطبعه له ميل إلى التأثر بمحيطه، فكيف إذا كان هناك أُلفة وقوة في الصحبة لأُناسٍ بعينهم، ونفرة من آخرين؟! فإن الألفة تصنع العجب بكل إنسان يستسلم لها، فتخلق بين المتآلفين طريقةً ومذهباً، يزداد قوة وتماسكاً مع مرور الأيام، فيكون التسامح وغض الطرف؛ عن مخالفات وانحرافات من ألفه وأحبه من أهل مذهبه، ويقابل تلك الألفة؛ نفرة من بعض الناس، وإن النفرة تصنع العجائب؛ فالحسنات تُرى سيئات، والصغائر تصبح كبائر، ولا تُقَالُ لأحدٍ عثرة بسبب هذه النّفرة، والحقّ من قِبَله مردود، والباب دونه مَوصود، أعاذنا الله وإياكم من ذلك كله.


قال ابن القيم في مفتاح دار السعادة (1/98): السبب العاشر: مانع الألف والعادة والمنشأ.. فهو اغلبها على الأمم وأرباب المقالات والنحل ليس مع أكثرهم بل جميعهم إلا ما عسى أن يشذ.... فدين العوايد هو الغالب على أكثر الناس، فالانتقال عنه كالانتقال عن الطبيعة إلى طبيعة ثانية.اهـ


قلت: وهذه الألفة والعادة يجب ألا تكون ديناً للعباد، وحكماً على الخلق، من ألفته النفوس والطباع قُرِّب، ومن حكمت عليه بالنفرة خوصم وأُبعد. فالواجب على العباد أن تكون النفس تبعاً للسنة، ولا تكون السنة تبعاً لحظوظ النفس.


تفَلُّت النفس من سجن المتابعة والتحكيم المحض للسنة،



إلى قضاء إرادتها وشهوتها وحظوظها


ولابن القيم كلام نفيس في المتابعة، وذكر حواراً بين النفس المطمئنة والأمارة بالسوء، قال ابن القيم في كتاب الروح (ص342): وإذا انتصبت الأمارة في مقابلة المطمئنة... قال: وإذا جاءت تلك بتجريد المتابعة للرسول؛ جاءت هذه بتحكيم آراء الرجال وأقوالهم على الوحي، وأتت من الشبه المضلة بما يمنعها من كمال المتابعة وتحكيم السنة، وعدم الالتفات إلى آراء الرجال، فتقوم الحرب بين هاتين النفسين، والمنصور من نصره الله، وإذا جاءت تلك بالإخلاص والصدق والتوكل والإنابة والمراقبة، جاءت هذه بأضدادها وأخرجتها في عدة قوالب، وتقسم بالله؛ ما مرادها إلا الإحسان والتوفيق، والله يعلم أنها كاذبة، وما مرادها إلا مجرد حظها، واتباع هواها، والتَّفَلُّت من سجن المتابعة والتحكيم المحض للسنة، إلى قضاء إرادتها وشهوتها وحظوظها، ولعمرُ الله ما تخلصت إلا من فضاء المتابعة والتسليم، إلى سجن الهوى والإرادة وضيقة وظلمته ووحشته، فهي مسجونة في هذا العالم، وفي البرزخ في أضيق منه، ويوم الميعاد الثاني في أضيق منهما.اهـ


ولذا قال: شيخ الإسلام في الفتاوى (20/9): وليس لأحد أن يدعو إلى مقالة أو يعتقدها لكونها قول أصحابه، ولا يناجز عليها، بل لأجل أنها مما أمر الله به ورسوله؛ أو أخبر به الله ورسوله؛ لكون ذلك طاعة لله ورسوله.اهـ



التقليد والتحزب إبطال لمنفعة العقل


ولقد كان المآل والنتيجة نشأة الحزب الجديد، وعودة بعض إخواننا إلى دنيا التعصب وعالمه الضيق؛ تعصب لمجموعة أفراد، وتعصب أتباع لمتبوع، ودعوة إلى التحزب حول مقالة يرددونها، من وافقهم عليها أحبوه، ومن خالفها ولم يقم لها وزناً عادوه، حتى أصبح التقليد الأعين التي يرون بها، والتعصب الآذان التي يسمعون بها.


ألا يعلم أولئك النفر أن الحزبية والمذهبية مرض فتّاك يُفقد الإحساس ويُلغي الحواس؛ فلا يُستفاد من العقول والأسماع والأبصار، قال تعالى: {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ}[الأعراف: 179]، وإن من بطلان التمذهب؛ المتابعة لشخص معين، والتعصب له، دون اعتبار لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وبناء هيكل حزبي تنجذب له النفوس والمشاعر والعواطف غير مبالين بغيره، ولو كان المناديُّ الحق بعينه، وهذا انحراف عن دين الإسلام، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال: 24]. فلا حياة للقلوب إلا بالاستجابة لله ورسوله، والويل لمن خالف ذلك، وجعل دينه واعتماده؛ الاستجابة لأقوال الرجال، فالحذر الحذر من طرق الغفلة، لقوله: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ، واجتنبوا مسالك الضلال التي تودي بصاحبها إلى الغواية والانحلال، وفقدان الإحساس والحواس التي يُعقل بها دين الله، قال تعالى: {يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ}[النور: 37].


قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (20/8): وإذا تنازعوا في شيء ردوه إلى الله ورسوله، فإذا تقرر هذا الواجب: على كل مؤمن أن يحب ما أحب الله ورسوله، وأن يبغض ما أبغضه الله ورسوله مما دل عليه في كتابه، فلا يجوز لأحد أن يجعل الأصل في الدين لشخص؛ إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا لقول؛ إلا لكتاب الله عز وجل، ومن نصب شخصاً كائناً من كان؛ فوالى وعادى على موافقته في القول والفعل، فهو مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا الآية، وإذا تفقَّه الرجل وتأدّب بطريقة قوم من المؤمنين مثل إتباع الأئمة والمشايخ، فليس له أن يجعل قدوته وأصحابه هم العيار فيوالي من وافقهم ويعادي من خالفهم.اهـ


الجماعة رحمة والفرقة عذاب


ولقد بلغ التقليد المذهبي والتعصب الحزبي بهؤلاء الشباب، وهذه النبتة مبلغاً؛ فاقت أضراره على إخواننا أهل السنة؛ الأضرار الناتجة عن تعصب وتحزب أتباع جمعية [....] من وجوه عدة:


? فهل يجوز النيل من إخوانكم السلفيين بلا مسوغ شرعي؟


? وهل مفارقة أهل السنة، وما تبع ذلك من تصدّع وغلوّ و تعدّ، ومجاوزة للحدّ؛ أمر مشروع؟!


? وهل التدين بزرع الخلاف رحمة، وكأن لسان حال الحزب المحدث يقول: «اختلاف أمتي رحمة»، ولا يشك عاقل أن الفرقة والخلاف عذاب، قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا}[آل عمران: 103]، وقال تعالى: {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ}[آل عمران: 105]، ولا عاصم لهذه الأمة من ذلك التفرق والخلاف إلا التمسك بكتاب الله وسنة نبيّه، والسير على المنهاج الذي رُسِم لأمة الإسلام، قال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 113]. قال شيخ الإسلام في الفتاوى (3/421): وكيف يجوز التفريق بين الأمة بأسماء مبتدعة؛ لا أصل لها في كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم؟... وقال: فمتى ترك الناس بعض ما أمرهم الله به؛ وقعت بينهم العداوة والبغضاء، وإذا تفرَّق القوم؛ فسدوا وهلكوا، وإذا اجتمعوا؛ صلحوا وملكوا، فإن الجماعة رحمة والفرقة عذاب.اهـ



انتقاد حزبية جمعية [...] بحزبية مماثلة



إن بعض إخواننا من هؤلاء الشباب قد وَضَعوا أنفسهم في قالب حزبي، وزَلَّت بهم الأقدام أو دُفعوا وهم لا يشعرون حتى وقعوا في جُبٍّ مظلم - أنقذهم الله منه -، فأقول ناصحاً: لا تحكموا على أحد وأنتم في غَيَابَةِ الجُبِّ، وانتظروا الإنقاذ من بعض السيارة، ولكم في نبي الله؛ يوسف حكمة، فلم يحكم حتى خرج من ظلمة الجُبِّ إلى النور.


وإن أولئك الشباب قد جعلوا للحزب الجديد نصيبا مفروضاً، وقاموا بعقد لواء الولاء والبراء عليه، فالقريب والحبيب من قربه [حذام]، ووالى هذه المجموعة، والبغض والهجر لمن لا يتخذ من هذه النُصبِ قبلة، فلا يرضى طريقة المجموعة، ولا يقول بمقالتها، ويأبى أن يقاد بعقل غيره، ولا يسير في فلك الحزبية، فكان الحال أنهم فرّوا من حزبية الجمعية إلى حزبية أشد (حزبيةٍ أُحْكِمت صناعتها في الظلمة)، فوقع انتقاد للحزبية بحزبية مماثلة.


والسؤل الآن هل هم: أعني من دفعوك إلى السؤال (الحزبية الجديدة): على [منهج سني أم بدعي؟].



لا يُمتحن المسلمون بمؤسسات


أو جمعيات أو مقالات أو أشخاص


-3 وأزيدك فائدة حتى لا تمتحن المسلمين والمسلمات بمؤسسات أو جمعيات أو مقالات أو أشخاص، لو أن قراراً صدر بإلغاء وحظر نشاط هذه الجمعية وهذا أمر واقع؛ فكم من الجمعيات أغلقت كـ (الجمعية الثقافية، ونادي الاستقلال) مثلا، فأين تذهب بسؤالك عندئذ؟ وما قيمته في تمييز الحق من الباطل؟


بخلاف إذا ما كان السؤال مطلقاً ومسترشداً عن أمر متعلق بعقيدة أهل السنة:


- كـ(أين الله؟ وماذا عن كلام الله؟) - مثلا -.


- و ما الموقف من عقائد أهل السنة التي هي باقية ما بقي الليل والنهار، فستعرف حينئذ هل المسؤول سني أم ماذا؟ وستعرف هل أنت صاحب بدعة أم ماذا؟


د. عبد العزيز بن ندى العتيبيي




تاريخ النشر 19/10/2009


الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127