الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

هداية الحيارى (3) - الشيخ عبدالرحمن بن ندى العتيبي

أضيف بتاريخ : 19 / 10 / 2009
                                



هداية الحيارى (3)  عبد الرحمن بن ندى العتيبي


الحرص على هداية الخلق ومحبة الخير لهم خلق حث عليه الإسلام ومن جهاد النبي صلى الله عليه وسلم التفاني في طلب هداية الناس قال تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6)} [الكهف].


من كان سبباً للهداية له الأجر العظيم


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً) [رواه مسلم]. فمن جعله الله سبباً لهداية شخص كان له من الحسنات مثل ما يعمل ذلك الشخص وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ولربما أصبح ذلك المهتدي أكثر نشاطاً فتسبب في هداية الآخرين وتصبح هذه السلسلة في ميزان المتسبب الأول ولهذا نعلم قدر النبي صلى الله عليه وسلم فله الفضل بعد الله في هداية هذه الأمة فكم تحمل من المشاق والأذى في سبيل ايصال الحق للبشرية ولأجل ذلك عظم حقه وقدمت محبته على محبة كافة الخلق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار). وهذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم حثَّ أصحابه على العمل لطلب هداية الناس فقال لعلي بن ابي طالب رضي الله عنه (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) [رواه البخاري ومسلم]. وحمر النعم الابل وكانت أنفس الأموال عند العرب. فالسعي في طلب هداية الخلق عمل نفعه متعد، فالخير فيه يشمل الآخرين ويجلب السعادة للعالمين ومن هداه الله ينبغي له أن يحرص على هداية غيره فبالدعوة إلى الله بالحكمة والكلمة الطيبة والبيان الحسن والتوجيه والإرشاد يمكن أن يحصل التأثير بإذن الله ويجب على الداعية أن يلتزم تعاليم الإسلام ويتخلق بالأخلاق الفاضلة ويحسن معاملة الآخرين حتى يصبح قدوة حسنة فيسمع كلامه ويقتفي أثره فالناس تتأثر بالأخلاق والمعاملة فاليهودي الذي أسلم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم كان حسن اسلامه ما لقيه من حسن معاملة من النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لما مرض اليهودي زاره النبي صلى الله عليه وسلم وعرض عليه الإسلام فاستأذن اليهودي والده في النطق بالشهادتين فقال له والده: أطع أبا القاسم، فكانت هذه الهداية بالتأثر بحسن الخلق والكلمة الطيبة واختيار الوقت المناسب لعرض الحق. عن أنس رضي الله عنه قال: (كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده فقعد عند رأسه فقال "أسلم" فنظر إلى أبيه وهو عنده؟ فقال: أطع أبا القاسم فأسلم فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار) [رواه البخاري].


وهكذا حرص النبي صلى الله عليه وسلم على هداية الخلق وفرحه بإسلام هذا الغلام فالنبي صلى الله عليه وسلم بعثه الله رحمة للعالمين.




من دعي إلى الهداية فليس له عذر في التأخر فالأعمار بيد الله والأنفاس معدودة والآجال محدودة ومن كان من أهل الدنيا اليوم فيمكن أن يغادرها في أي لحظة وينزل القبر الذي هو أول مراحل الآخرة بعد هذه الدنيا فالحذر يا عباد الله من "سوف" فإنها من حبائل الشيطان التي يصد بها عن الهداية والجاد والحازم ليس من اعذاره "سوف" ولكنه يبادر قبل فوات الأوان وقبل أن ينزل الله به عقوبة عاجلة قال تعالى: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (57) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (58) بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آَيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (59)} [الزمر]. فيا من عرض عليه الحق أمسك عن الباطل وبادر فوراً بالتزام الهدى وتب وارجع إلى ربك وإياك أن تضع الفرصة فتنتقل إلى زمن الحسرات وتبدي الآهات وتندم على ما فات ولكن لا ينفع ساعتها ندم لأن الله قد جعل الدنيا زمن العمل وقد قيل: الدنيا عمل ولا حساب والآخرة حساب ولا عمل. ومن العجب أن من الناس من يقسم فترات العمر فيجعل فترة للفسق والفجور وترك الواجبات ويمني نفسه بأنه اذا تجاوز تلك المدة "فسوف" يمضي الفترة الباقية من عمره في الالتزام والطاعة والإقبال على الله فأي سفه هذا فلا أحد يعلم مقدار عمره ولا يدري متى يفاجئه الأجل.


يا غافل القلب عن ذكر منيات عما قليل ستثوي بين أموات


فاذكر محلك من قبل الحلول به وتب إلى الله من لهو ولذات


لا تطمئن للدنيا وزينتها قد حان للموت يا ذا اللب أن يأتي


ألا يرى هذا "المسوف" أن المغادرين للدنيا ليس لهم علم بتاريخ المغادرة وأن الموت يأتي جميع المراحل العمرية فيأتي الطفل والشاب وكبير السن ومن انتهى أجله لن يحصل على أي تمديد ولن يتمكن من العمل بما أجله بسبب التسويف قال تعالى (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (34)) [الأعراف]. فيا عبد الله توكل على الله وبادر إلى الاستجابة إلى الحق فالعمر قصير والزمن يسير والحساب عسير والهداية مكسب ومن فرط فيها فهو خسران قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (41) اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (42)} [الزمر]، فالعاقل يعمل فكره ويتدبر أمره ويخرج من ساحة الغفلة ويستجيب لأمر ربه حتى يكون من المهتدين فيحشر مع النبيين والصديقين وحسن أولئك رفيقا. نسأل الله الهداية للجميع.




تاريخ النشر 19/10/2009 




الإبانة - جريدة الوطن الكويتية


اقرأ أيضاً :



Fatal error: Call to undefined function session_unregister() in /home/alsunna/public_html/includes/classes/cUtil.php on line 127